mena-gmtdmp

أصل مقولة «على نفسها جنت براقش».. ما قصة براقش؟

مجموعة من الكتب والمخطوطات القديمة
تحظى الأمثال الشعبية بمكانة رفيعة ونظرة إجلال فريدة عند العرب قديماً

تحظى الأمثال الشعبية بمكانة رفيعة ونظرة إجلال فريدة عند العرب قديماً؛ حيث اعتبروها ديوان حكمتهم وعنوان فصاحتهم وخلاصة تجاربهم في الحياة. وقد نظروا إليها كأقوى الأسلحة اللغوية تعبيراً وأسرعها انتشاراً بين الناس، لما تمتاز بها من إيجاز بليغ وإصابة دقيقة للمقصد دون تكلف. ولذلك، تسابق البلغاء والشعراء في الاقتباس منها لتوثيق كلامهم وتزيين خطبهم، مرسخين قيمتها كإرث فكري يجمع بين متعة القصة وعمق العِبرة، ولطالما عُدت الأمثال مرآةً لثقافة الأمم وتاريخها وحكمتها الممتدة عبر العصور.

لكل مثل شعبي مضرب ومورد

تقول فاطمة عبد الوهاب السيروطي وهب باحثة بقسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، لـ"سيدتي": لكل مثل شعبي مضرب ومورد، ولا يكتمل مبنى المثل ولا تتضح معالمه إلا بوقوفه على هاتين الركيزتين؛ فهما ما يضمنان دقة دلالته وعمق فكرته ويمنحانه أبعاده الدلالية، ويحفظان عمق فلسفته عبر الأجيال.

مورد المثل:

هي القصة الواقعية أو الرواية التاريخية التي نبع منها اللفظ أول مرة، مستقياً منها قيمته التعبيرية وسياقه الأصلي الذي أفرز تلك الكلمات البليغة والوجيزة.

مضرب المثل:

هو الموقف الحالي أو المناسبة المشابهة التي يمر بها الإنسان في حياته اليوم، ويصحّ أن يُستدعى فيها هذا المثل لوجود وجه شبه وثيق يربط الحاضر المشهود بالماضي الغائب.
تؤكد فاطمة أن الربط المحكم بين المورد والمضرب يمنح الأمثال حيوية مستمرة تتوارثها الأجيال عبر الأزمنة، فيتحول المثل من مجرد حكاية قديمة طواها الزمن إلى أداة لغوية بليغة قادرة على تشخيص الواقع المعاش بدقة متناهية، ولذلك، فالغوص في عمق "المورد" يمثل صمام الأمان الذي يحمي التراث الشفهي من التشويه والسطحية؛ إذ يكشف عن السياق التاريخي والنفسي الذي ولد فيه المثل، مما يحول دون إساءة تفسير غاياته الأخلاقية النبيلة. وفي المقابل، يشكل "المضرب" الأداة التطبيقية الذكية التي تعيد إحياء تلك الحكمة القديمة وإسقاطها بذكاء على واقعنا المعاصر. هذا التناغم الفريد يمنح المثل قوة تعبيرية هائلة، تمكنه من النفاذ المباشر إلى الوجدان البشري وإحداث الأثر التوجيهي المطلوب بأقل جهد لغوي.

ما أصل مقولة على نفسها جنت براقش

يستخدم المثل الشهير "على نفسها جنت براقش" كأداة تعبيرية بليغة نتيجة تصرف غير مدروس في المواقف الحياتية التي:

  • يتسبب فيها الشخص بوقوع الضرر والأذى على نفسه أو على المحيطين به
  • بسبب اندفاع غير محسوب
  • بسبب فضول ومحاولة للظهور في غير وقتها

يرمز هذا المثل في جوهره الدلالي إلى العواقب الوخيمة التي تجلبها الأفعال الطائشة، كما يجسد فكرة الندم المتأخر الذي لا ينفع صاحبه بعد أن يكون قد تسبب بيده في هدم استقراره أو ضياع جهده وجهد الآخرين. وتتجلى الرمزية العميقة فيه؛ لتشير إلى أن "اللسان" أو "إفشاء الأسرار" وعدم القدرة على ضبط النفس وكتمان الأمور قد يترتب عليه هلاك المرء، حتى وإن كانت النوايا الكامنة وراء تلك التصرفات عفوية أو غير مقصودة بالأساس. لذا، فإن إسقاط المثل في السياقات المعاصرة يكون بمثابة إدانة واضحة لسلوك الفرد الذي يمنح خصومه أو الأخطار المحيطة به ثغرة مجانية للنيل منه بسبب غياب الحكمة. ويُستحضر هذا القول الحكيم لتنبيه النفس البشرية بضرورة تحري الحذر والحيطة، والتأكيد على أن الصمت والتواري في كثير من الأحيان يكونان طوق النجاة الأوحد، في حين أن الاندفاع والبحث عن لفت الانتباه قد يفتحان أبواباً من الشقاء يصعب إغلاقها.
ويمكنك كذلك التعرف من الرابط التالي إلى: 10 أمثال شعبية في البنات

القصص والروايات التي استقي منها المثل

يتحول المثل من مجرد حكاية قديمة طواها الزمن إلى أداة لغوية بليغة قادرة على تشخيص الواقع المعاش بدقة متناهية


يُعد مثل "على نفسها جَنَت براقش" من أثرى الأمثال العربية؛ ورغم شهرة قصة براقش  بين العامة، إلا أن كتب التراث العربي زاخرة بروايات تاريخية:

  • تعود إحدى أشهر روايات أصل المثل إلى العصر الجاهلي، وتدور أحداثها حول «براقش»، وهي كلبة حراسة كانت تعيش في إحدى قرى العرب قديمًا، واشتهرت بنباحها عند اقتراب الأعداء أو اللصوص لتحذير قومها. وتروي القصة أنه في إحدى المرات، أغار على القرية جيش يفوق أهلها عددًا وقوة، فاضطر القوم إلى الاختباء في مكان سري، واصطحبوا معهم كلبتهم براقش، وطلبوا منها التزام الصمت حتى لا تكشف مكانهم. لكن مع اقتراب الأعداء، غلبها الخوف فأخذت تنبح بشدة، ما كشف مخبأ القوم للجيش المهاجم، الذي سرعان ما اقتحم المكان وقضى عليهم، ولم تنجُ براقش من مصيرهم، فقُتلت معهم. ومن هنا، وفق هذه الرواية، ذاع المثل العربي «على أهلها تجني براقش»، وأصبح يُضرب لمن يتسبب، من دون قصد، في إلحاق الضرر بنفسه أو بأهله بسبب تصرفاته.

  • وتروي رواية أخرى قصة مغايرة تمامًا، تشير إلى أن براقش كانت امرأة تولّت الحكم مؤقتًا نيابةً عن أحد الملوك أثناء سفره. وكان للملك وقومه نظام إنذار يعتمد على إشعال الدخان في موضع محدد عند وقوع خطر، ليتجمع الجنود ويتوجهوا سريعًا لحمايتهم. وفي إحدى الليالي، أشعلت جواري براقش الدخان عبثًا، فهرع الجنود إلى المكان ظنًا منهم أن خطرًا قد وقع. عندها حذّر الحكماء براقش من أن استدعاء الجنود دون حاجة قد يجعلهم يتهاونون في الاستجابة لنداء الاستغاثة مستقبلًا. ولتفادي ذلك، أمرتهم ببناء حصن أو منشأة كبيرة خارج دارها، بحجة إشغالهم بمهمة تبرر استدعاءهم، إلا أن هذا العمل استنزف أموال المملكة وأرهق الجنود. وعندما عاد الملك من سفره، استفسر عن سبب تشييد هذا البناء، فأُخبر بما حدث. ومن هنا أصبحت القصة، وفق هذه الرواية، مثالًا على سوء التقدير والتصرف غير المحسوب الذي قد ينقلب ضرره على صاحبه وقومه، ومنها ارتبط اسم براقش بالمثل: «على أهلها تجني براقش».

  • وتروي رواية أخرى أن براقش لم تكن كلبة، بل امرأة وزوجةً لـلقمان بن عاد، إحدى الشخصيات المعمّرة في التراث العربي القديم، والمرتبطة في بعض الروايات بأساطير ملوك حمير في اليمن. وتقول الرواية إن قوم لقمان كانوا لا يأكلون لحوم الإبل. وفي إحدى الزيارات، نحر أهل براقش عددًا من الإبل لإكرام ضيوفهم، فأُرسلت إلى لقمان قطعة من اللحم المطهو، فأكلها واستطاب مذاقها، ثم سأل عن مصدرها، فقيل له إنها من إبل أخوال ابنه. وعندما علمت براقش بإعجاب لقمان باللحم، قالت: «جَمِّلْنا واجْتَمِلْ»، أي أطعمنا من الشحم المذاب وكل منه معنا. وكانت براقش تملك عددًا كبيرًا من الإبل، فدفع استحسان لقمان للحم إلى الإقبال على إبلها وإبل قومها ونحرها وأكلها، حتى أُتي عليها جميعًا. ومن هنا، وفق هذه الرواية، قيل: «على أهلها تجني براقش»، في إشارة إلى أن ما فعلته براقش من تقديم اللحم واستحسانه كان سببًا في نفاد إبلها وإبل قومها.

  • وبعيدًا عن الروايات التي ارتبطت بقصة براقش، يقدّم التراث اللغوي تفسيرًا آخر للاسم؛ إذ يربطه اللغويون، ومنهم أبو هلال العسكري، بمادة «النقش»، فـ«برقشتُ الثوب» تعني نقشته وزيّنته بألوان مختلفة. ومن هذا المعنى ارتبط اسم «براقش» بالتلوّن وتعدد الألوان. ويظهر هذا الارتباط أيضًا في اسم «أبو براقش»، وهو طائر صغير متعدد الألوان من فصيلة الطيور النسّاجة، يتميز بريش يبدو بألوان مختلفة عند انتفاشه. وقد أصبح اسمه في التراث كناية عن كثرة التلوّن والتقلب؛ فيُقال عن الشخص الذي يغيّر مواقفه وأحواله كثيرًا: «أبو براقش». وقد ورد هذا المعنى في الشواهد الشعرية القديمة، في تشبيه الرجل المتلوّن بالطائر الذي تتبدل ألوانه.

والرابط التالي يعرفك المزيد عن تحويل الأمثال الشعبية إلى لوحات عصرية