تُعد الأمثال الشعبية بمثابة الذاكرة الحية للأمم، حيث تختزل تجارب القرون الممتدة وتصهرها في عبارات بليغة وموجزة تتناقلها الألسن بكل سلاسة. وتتجلى قيمتها التراثية في قدرتها على تجميد اللحظات التاريخية ونمط معيشة الأسلاف، حاميةً مفردات بيئتهم القديمة وثقافتهم المحلية من الاندثار والنسيان.
كما تؤثر الأمثال الشعبية والمأثورات في وجداننا بعمق؛ لأنها لا تقدم وعظاً جافاً، بل تنقل لنا ثمرة تجارب الأجداد الحية، فنتعلم منها القيم بشكل فطري تلقائي. إنها بمثابة مرجعية سلوكية يومية تُهذّب النفوس وتغرس الفضائل في نفوس الناشئة، مما يضمن بقاء الهوية الأخلاقية للأمة حية وعابرة للأجيال.
بالسياق التالي"سيدتي" تعرفك على مثل، "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة" والذي يُعد أحد أبرز الأمثال الشعبية العربية الشهيرة التي تُرسخ قيمة القناعة والرضا كما تعرفك على أمثال عالمية أخرى من ثقافات ولغات مختلفة تتطابق تماماً مع معناه. هذا التوارد الفكري بين الشعوب يؤكد على وحدة القيم والأخلاقيات الفاضلة في كل المجتمعات البشريّة؛ فالفضيلة قيمة إنسانية واحدة، والأخلاق سياق كوني مشترك يجمع بني الإنسان مهما اختلفت ألسنتهم وأوطانهم.
قصة مثَل عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة؟

تقول فاطمة عبد الوهاب السيروطي باحث بقسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية، لـ"سيدتي" : يُضرب هذا المثل لمن يضيع ما في يده أملاً في الحصول على أمر مستحيل، يُروى أن رجلاً خرج للصيد وأصابه التعب وهو يلاحق الطيور علّه يحظى بصيد وفير. وبعد مشقة كبيرة تمكّن من صيد عصفور صغير. رآه صديقه وقد أخذ منه التعب مأخذه، فقال: هو عصفور صغير لكن هنيئاً لك هذا الصيد. وبينما كانا يسيران معاً نظر إلى شجرة وقد امتلأت أغصانها بالعصافير فقال لصديقه: لو أني صعدت إلى هذه الشجرة لتمكّنت من التقاط عشرة عصافير. حاول صديقه أن ينهاه إلا أنه أصر. ترك العصفور الصغير الذي كان يمسكه بيده على الأرض، وأخذ الشبكة وصعد إلى الشجرة، وعندما اقترب طارت جميع العصافير، فنزل مسرعاً ليجد أن عصفوره الصغير قد طار أيضاً، فقال له صديقه: قلت لك، "عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة."
كيف بدأ مَثل عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة؟
بحسب موقع bookbrowse.com، فقد بدأ هذا المثل كفكرة فلسفية قديمة تطورت عبر القرون:
- تعود أقدم جذور موثقة لهذه القصة والمثل إلى الحكيم الآشوري "أحيقار" (وهو وزير ملوك آشور) في القرن السابع قبل الميلاد، فهو أول من صاغ هذه الفكرة تاريخياً في كتاباته المكتشفة باللغة الآرامية، حيث قال ما ترجمته: "عصفور دوري مشدود في اليد، خير من ألف عصفور يطير في الهواء".
- انتقل المثل للعصر اليوناني والروماني القديم، فقد انتقلت الحكمة لاحقاً إلى اليونان؛ حيث صاغها الفيلسوف والمؤرخ اليوناني بلوتارخ (في القرن الأول الميلادي) بصيغة قريبة قائلاً: "الأحمق هو من يترك الأشياء القريبة من يده ليتبع ما هو بعيد عن متناوله".
- في العصور الوسطى ارتبط المثل تاريخياً بـ "الصيد بالصقور" (Falconry). كان الصقر الذي يملكه الصياد ويجلس على يده أثمن بكثير من الطيور البرية المختبئة في الأدغال والأشجار؛ لأن الصقر المضمون في اليد هو الأدلة القاطعة على توفير طعام اليوم، والمجازفة بتركه تعني خسارة مؤكدة.
- أول توثيق مكتوب بالإنجليزية: ظهر المثل لأول مرة باللغة الإنجليزية عام 1450م في كتاب "حياة القديسة كاترين" للكاتب جون كابغريف، حيث كتب: "من الأكثر أماناً أن يكون لديك عصفور في قبضتك، من أن يكون لديك ثلاثة في السماء فوقك."
- في عام 1546م، قام جامع الأمثال الشهير جون هيفود بذكر هذا المثل: "عصفور واحد في اليد أفضل من عشرة في الغابة".
- وفي عام 1670م، وثّق الكاتب جون راي المثل بشكل رسمي وقريب جداً من الصيغة المعاصرة المتداولة عالمياً وعربياً.
- وصل المثل بالنهاية لهذه الصيغة نتيجة التبادل الثقافي وحركة الترجمة العالمية، بينما يُطلق عليه "مثل عربي" اليوم لأنه تغلغل في الوجدان الشعبي العربي وأصبح جزءاً لا يتجزأ من الثقافة المعاصرة.
ويمكنك كذلك التعرف من الرابط التالي إلى: 10 أمثال شعبية في البنات
أمثال عالمية من ثقافات ولغات مختلفة تتطابق مع معنى مَثل عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة

- المثل الإنجليزي: "عصفور في اليد يساوي اثنين في الأدغال"، وقصته مستوحاة من صائدي الصقور قديماً الذين كانوا يفضلون الاحتفاظ بصقر مدرب في أيديهم بدلاً من تركه لمطاردة طائرين بريين في الأحراش.
- المثل الألماني: "عصفور دوري في اليد أفضل من حمامة على السطح"، وقصته تعود لقصة فلاح تخلص من عصفور صغير كان يمسكه ليتسلق السطح ويمسك حمامة سمينة، فطار الاثنان.
- المثل الإيطالي: "بيض اليوم أفضل من دجاج الغد"، وقصته تعود لقروي جائع رفض الانتظار لعدة أشهر حتى تفقس البيضة وتكبر لتصبح دجاجة، ففضل أكل البيضة فوراً.
- المثل الفرنسي: "طائر في القبضة أفضل من أربعة في الجو"، وقصته تعود لقصة صياد فرنسي أطلق سراح طائر اصطاده ليصوب بندقيته نحو سرب طيور طائرة، ففزع السرب وطار بعيداً.
- المثل التشيكي: "عصفور في القبضة خير من حمامة على السقف"، وقصته مستوحاة من طفل تشيكي ترك عصفوراً صغيراً في يده ليحاول تسلق سقف المنزل للإمساك بحمامة برية جميلة ففشل وخسرهما.
- المثل الصيني: "سمكة واحدة في الشبكة أفضل من عشر سمكات في البحيرة"، وقصته تعود لصياد أفرغ شبكته من سمكة وحيدة ليلحق بسرب سمك كبير رآه في وسط البحيرة، فاختفى السرب في الأعماق.
- المثل اليوناني: "عصفور في القفص خير من مائة طائرة في الهواء"، وقصته مستوحاة من مربي طيور فتح باب قفص عصفوره ظناً منه أنه سيجذب طيور السماء إليه، فطار عصفوره ولم يأته شيء.
- المثل الروسي: "صقيع صغير في اليد أفضل من رافعة كبيرة في السماء"، وقصته تعود لقصة صياد في سيبيريا ترك طائراً صغيراً اصطاده ليلحق بطائر الرافعة الضخم، فمات من البرد خالي الوفاض.
- المثل الإسباني: "عصفور في اليد خير من مائة يطيرون"، وقصته تعود لقصة فلاح إسباني فتح يده ليحرر عصفوراً على أمل أن يلحق بمئة عصفور كانت تطير فوق حقله ففقد صيده تماماً.
- المثل التايلاندي: "لا تترك السمكة التي اصطدتها لتبحث عن سمكة أكبر في النهر"، وقصته تعود لصياد تايلاندي رمى سمكته المضمونة في الماء مجدداً طمعاً في خيال سمكة عملاقة رآها في قاع النهر.
والرابط التالي يعرفك المزيد عن القصة الحقيقية لأشهر الأمثال الشعبية
كيف انتقل مَثل عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة إلى الثقافة العربية ؟
تستكمل الباحث بقسم الأنثروبولوجيا في كلية الآداب، جامعة الإسكندرية فاطمة عبد الوهاب حديثها موضحة أن مثل "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة" انتقل إلى الثقافة العربية الحديثة عبر حركة الترجمة والتبادل الثقافي مع أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فتُرجمت صيغته الإنجليزية والألمانية مباشرة ليتحول إلى واحد من أشهر الأمثال الشعبية المعاصرة.
- أما في الثقافة العربية القديمة (العصر الجاهلي وصدر الإسلام والعصر العباسي)، فلم يكن العرب يعرفون صيغة "العصفور والشجرة"، بل كانوا يعبرون عن نفس المعنى الدقيق (تفضيل المضمون العاجل على الغائب المؤجل) باستخدام أدوات بيئتهم كالإبل والتمر والصيد والضب الغزال.
- "لَقْحَةٌ عِجَالٌ خَيْرٌ مِنْ حَائِلٍ مُؤَجَّلَةٍ": ومعناه: "اللقحة" هي الناقة الحَلوب (التي تدر اللبن)، و"العجال" أي الحاضرة المضمونة الآن. أما "الحائل" فهي الناقة التي لم تحمل بعد ويُرجى حملها مستقبلاً.
- مفهوم المثل: أن يشرب العربي قليل من لبن ناقة حاضرة بين يديه الآن، أفضل له من انتظار ناقة أخرى يَعِدُه بها شخص ما في المستقبل ولم تحمل بعد.
- "شَاهِدُ ثَوْرٍ خَيْرٌ مِنْ غَائِبِ جَمَلٍ": ومعناه: الثور هنا يُقصد به صيد صغير أو حيوان متاح وموجود تحت عينك (شاهد)، بينما الجمل (وهو من الإبل والثروة الكبيرة) غائب وغير مضمون.
- مفهوم المثل: رؤية ثور بين يديك وامتلاكه أفضل من التطلع إلى جمل ثمين لكنه غائب في الصحراء ولا تدري إن كان سيعود أم لا.
- "نَقْدٌ بِيَدٍ خَيْرٌ مِنْ فَلَكٍ بِيَدٍ": أي أن تأخذ مالاً قليلاً كاشفاً ونقداً في يدك، أفضل من وعود بامتلاك الفلك أو النجوم في السماء
- "ضَبٌّ فِي الْيَدِ خَيْرٌ مِنْ غَزَالٍ فِي الْبَرِّ": الضب (حيوان صحراوي صغير) إذا اصطاده العربي كان يتمسك به، ويرى أن الحفاظ عليه أفضل من ترك الصيد ومطاردة غزال سريع في الصحراء قد لا يمسكه أبداً.
- "خُذْ مِنِ الْجِذْعِ مَا أَعْطَاكَ": (والجذع هو الدابة الصغيرة) ، أي ارضَ بما يعطيك إياه الصغير المتاح ولا تنتظر الكثير الغائب.
قد ترغبين في التعرف كذلك على: أشهر 7 حكم وأمثال تحكي قصصاً!

Google News