mena-gmtdmp

أسرار نجاح الشباب في العلاقات الاجتماعية برأي مختصة

نجاح الشباب في العلاقات الاجتماعية
نجاح الشباب في العلاقات الاجتماعية

تُعتبر العلاقات الاجتماعية إحدى الركائز الأساسية في حياة الإنسان، فهي الإطار الذي تتشكّل فيه مشاعر الانتماء، والدعم، والتواصل الإنساني. ولا يقتصر نجاح الإنسان في حياته على إنجازاته الفردية فقط، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرته على بناء علاقات صحية ومتوازنة مع من حوله. فالعلاقات الناجحة لا تقوم على الصدفة، بل هي نتاج وعي، وفهم متبادل، ومهارات إنسانية تُكتسب مع الوقت والتجربة. إيمانويل عوض، أستاذة جامعية وخبيرة في علم النفس تشرح لـ"سيدتي" حول هذا الموضوع.

كيف نبني علاقات اجتماعية صحية ومستدامة؟

علاقات اجتماعية
اختيار العلاقات يشبه إلى حد كبير اختيار الطريق الذي نسير فيه

يجب أن تكون علاقاتنا الاجتماعية مبنية على جودة العلاقة لا على عددها، فالقيمة الحقيقية لأي علاقة لا تُقاس بكثرتها، بل بعمقها وأثرها في حياتنا. ليس المهم كم شخصًا يحيط بنا أو كم اسمًا نعرفه، بل الأهم من هم الأشخاص الذين يمنحوننا شعورًا بالأمان، ويضيفون إلى حياتنا معنى ودفئًا، ويحبوننا بصدق دون شروط أو مصالح، ويقفون إلى جانبنا في أوقات القوة كما في لحظات الضعف.

إن اختيار العلاقات يشبه إلى حد كبير اختيار الطريق الذي نسير فيه؛ فكل علاقة نسمح لها بالاقتراب منا تترك أثرًا في أفكارنا، ومشاعرنا، ونظرتنا لأنفسنا وللحياة. وعندما نختار أشخاصًا يشبهوننا في القيم والمبادئ، ويحترمون اختلافنا، ويجعلنا وجودهم نشعر بالراحة والطمأنينة، نكون قد وضعنا أساسًا متينًا لشبكة علاقات صحية ومغذّية نفسيًا. فالعلاقات الناجحة لا تقوم على التعلّق أو الاعتماد المفرط، بل على التوازن، والاحترام، والشعور المتبادل بالأمان.

وتقوم العلاقات الاجتماعية السليمة على الدعم المتبادل، فالعلاقة ليست مساحة للأخذ فقط، بل هي أيضًا مجال للعطاء. العطاء هنا لا يقتصر على المساعدة المادية، بل يشمل الدعم المعنوي، والإصغاء الصادق، والتفهّم، والمساندة في اللحظات الصعبة. وعندما نكون نحن أشخاصًا داعمين، ومتواجدين بصدق للآخرين، ننجذب بطبيعة الحال إلى أشخاص قادرين على تقديم الدعم ذاته، لأن العلاقات الصحية تقوم دائمًا على الأخذ والعطاء، لا على الاستنزاف من طرف واحد.

ولا تقتصر العلاقة الإنسانية على الرفقة أو الحضور الجسدي فحسب، بل هي مشاركة حقيقية في المشاعر والتجارب، واحتواء في أوقات الانكسار، وإصغاء دون أحكام، وقوة تُستمد من الآخر حين تضعف قوانا. وهذه الجوانب العميقة من العلاقات تتطلب وعيًا عاطفيًا ومهارة في التواصل، حتى نتمكّن من خلق بيئة آمنة وصحية نشعر فيها بأننا مقبولون كما نحن.

وكلما كنّا أكثر وعيًا في اختياراتنا وتصرفاتنا، أصبحت علاقاتنا أعمق وأكثر صدقًا. فالعلاقات التي تُبنى على حسن النية والوضوح تكون أقل عرضة للصراعات غير الضرورية، وأكثر قدرة على الاستمرار. ومع الوقت، ينمو لدينا وعي أكبر يساعدنا على التمييز بين من هو حاضر في حياتنا بصدق، ومن يقترب فقط عند الحاجة أو المصلحة.
ما رأيك متابعة كيف تتصرّف عندما تُعامل كأنك أقل من زملائك؟ 4 خطوات تعيد التوازن دون صدام

ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على اختيار الأشخاص المناسبين، بل أيضًا على أن نكون نحن أشخاصًا مناسبين للآخرين. فالعلاقة السليمة تبدأ من الداخل؛ من قدرتنا على التواصل الصحي، واحترام مشاعر الآخرين، والاعتراف بالأخطاء، والاستعداد للتعلّم والنمو. وعندما نخلق جوًا من الأمان والدعم والاحترام المتبادل، تصبح العلاقات مصدر طمأنينة وراحة نفسية، لا عبئًا أو ضغطًا إضافيًا في حياتنا.

ولا يمكن للعلاقات الاجتماعية أن تكون صحية من دون وعي عاطفي وتفاهم. فالوعي العاطفي يساعدنا على فهم أنفسنا أولًا، ثم فهم الآخرين، والتعامل مع المواقف بمرونة وحكمة. من المهم أن نميّز بين أن نتخذ موقفًا من شخص ما بسبب تصرّف مؤذٍ، وبين أن نتفهّم كونه منشغلًا أو يمر بمرحلة صعبة في حياته. فالتسرّع في الأحكام قد يهدم علاقات كان من الممكن إنقاذها بالتفهّم والحوار.

الاحترام والتفهّم أساس استمرارية أي علاقة

إيمانويل عوض، أستاذة جامعية وخبيرة في علم النفس

وتؤكد عوض أن "احترام حدود الآخرين يُعدّ عنصرًا أساسيًا في نجاح العلاقات. فلكل شخص مساحته الخاصة، واحتياجاته، وأولوياته، وعندما نحترم هذه الحدود، نخلق علاقات أكثر راحة وتوازنًا، تجمع بين الحياة الاجتماعية والحياة الفردية دون تعارض أو ضغط".

وتعتبر عرض أن "التوقعات الواقعية والتفهّم المتبادل أساسًا لاستمرارية أي علاقة. فليس من الضروري اللقاء الدائم أو التواصل المستمر، فالعلاقات الناضجة لا تُقاس بعدد الرسائل أو اللقاءات، بل بعمق الاحترام والتقدير المتبادل. وعندما يكون هذا الأساس موجودًا، تبقى العلاقة قوية حتى وإن باعدت بين الأشخاص المسافات أو انشغلت بهم ظروف الحياة".

وكما هو الحال في كل شيء في الحياة، فإن العلاقات تتطور وتتغير مع مرور الوقت. وتشير عوض إلى أنه "لا يمكننا التمسك بفكرة أن كل علاقة يجب أن تبقى على حالها، أو أن التغيّر يعني بالضرورة الفقدان. في كثير من الأحيان، يكون التغيّر انعكاسًا طبيعيًا لنمونا الشخصي، أو لاختلاف المراحل التي نمر بها، أو لتبدّل الأولويات والمسؤوليات".

وتضيف: يدخل الناس إلى حياتنا ويغادرونها لأسباب متعددة، وليست جميعها سلبية. فقد تتحول بعض العلاقات من يومية إلى متباعدة، لكنها تظل ذات قيمة ومعنى. والنضج الحقيقي يكمن في قدرتنا على تقبّل هذا التغيّر دون حزن مفرط أو لوم، وفهم أن طبيعة الحياة قائمة على التبدّل، وأن العلاقات جزء من هذا التبدّل، تأتي لتعلّمنا، وترافقنا مرحلة ما، ثم تترك أثرها فينا وتمضي.
قد يعجبك 10 أشياء لا يجب أن تتحدث عنها أبداً في العمل

وفي النهاية، تبقى العلاقات الصحية أحد أهم مصادر التوازن النفسي والإنساني في حياتنا، وهي مرآة لوعينا، ونضجنا، وقدرتنا على بناء مساحات آمنة من الحب والاحترام المتبادل.