يتصور الشباب أن جذب الآخرين يتطلب تقديم خدمات، وربما تكون هذه الفكرة تأصلت بداخل عدد كبير من الناس، ولذلك يقدمون الكثير فقط سعياً وراء الحصول على الحب، ولكن قد يصطدمون بواقع مغاير.
ويبدو أن علم النفس له رأي مختلف عن الفكر الاعتيادي في هذا الشأن، حيث ذهبت دراسات وتجارب إلى أن طلب الخدمات قد يكون هو السر وراء انجذاب المحيطين لك. .
هذه الظاهرة يطلق عليها علماء النفس "تأثير بن فرانكلين"، وهي واحدة من الحيل النفسية التي يمكن للشباب والبنات الاستفادة منها في بناء علاقات أقوى، سواء في الجامعة أو بيئة العمل أو دائرة الأصدقاء، بل حتى في تحويل الخصومة إلى صداقة.
إعداد: إيمان محمد
ما هو تأثير بن فرانكلين؟
بحسب ما يوضحه موقع The Decision Lab المتخصص في العلوم السلوكية، فإن تأثير بن فرانكلين هو انجذاب معرفي يجعل الشخص يكوّن مشاعر أكثر إيجابية تجاه من قدم له معروفاً، حتى لو لم يكن يحمل له مشاعر خاصة من قبل. وسُميت الظاهرة على اسم بنجامين فرانكلين، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، الذي رواها في سيرته الذاتية.
وتعود القصة بالأساس إلى فترة عمل فرانكلين في مجلس ولاية بنسلفانيا، في هذا الوقت تعرض للكثير من الانتقادات، ولكن بدلاً من أن يرد على هذا العداء بسلوك عدائي، قرر أن يطلب من خصمه استعارة كتاب نادر من مكتبته الخاصة، وافق الرجل، وبعد فترة قصيرة أعاد فرانكلين الكتاب معبراً عن امتنانه، وفي لقائهما التالي، استقبله خصمه السابق بود وابتسامة، ثم تحول مع الوقت إلى داعم له وصديق مقرب.
ولخص فرانكلين التجربة في عبارة شهيرة، مفادها أن "من قدم إليك معروفاً مرة سيكون أكثر استعداداً لأن يقدم إليك معروفاً آخر، مقارنة بشخص قدمت أنت إليه المعروف".

تجربة علمية تؤكد فكرة فرانكلين
صحيح أن فكرة فرانكلين مر عليها أكثر من قرنين من الزمان، غير أنها كانت لافتة إلى حد دفع باحثين للتأكد من صحتها، وفي عام 1969، قرر الباحثان جون جيكر وديفيد لاندي اختبار الفكرة علمياً، ووقتها دعا الباحثان عدداً من الطلاب للمشاركة في مسابقة فكرية يمكنهم خلالها الفوز بمبالغ مالية، وبعد انتهائها قَسَّما الفائزين إلى ثلاث مجموعات.
المجموعة الأولى طلب منها الباحث بنفسه إعادة المال، موضحاً أنه موَّل المسابقة من أمواله الخاصة وأوشكت على النفاد. والمجموعة الثانية طلبت منها سكرتيرة إعادة المال لأن قسم علم النفس هو الممول. أما المجموعة الثالثة فلم يطلب منها أحد شيئاً.
وعندما سُئل المشاركون عن مدى إعجابهم بالباحث، كانت المفاجأة أن المجموعة التي ردت المال إليه شخصياً هي الأكثر إعجاباً به، بينما جاء تقييم المجموعة الثانية أقل من المجموعة التي لم يُطلب منها شيء؛ ما يعني أن الطلب المباشر قد يزيد من محبة الآخرين لك، في حين أن الطلب عبر وسيط قد يأتي بنتيجة عكسية.
لماذا تنجح حيلة فرانكلين؟
قد يبدو الأمر غريباً، فكيف يصبح الشخص الطالب للخدمة هو الأكثر جاذبية من ذلك الذي يقدم خدمات للآخرين. وفقاً لما ورد في Effectiviology فلماذا قد يحب شخص ما من طلب منه خدمة وكلفه وقتاً أو جهداً أو مالاً؟ فإن التفسير يرتبط بنظرية تعرف باسم "التنافر المعرفي"، وهي حالة من الانزعاج الذهني تصيب الإنسان حين تتعارض أفعاله مع مشاعره.
فحين يساعد الشخص من لا يحبه بالقدر الكافي، يبحث عقله عن مبرر لهذا السلوك، وأسهل طريقة للخروج من هذا التناقض هي أن يقنع نفسه بأنه يحب هذا الشخص فعلاً، وإلا لما ساعده.
إدراك الذات
كما يفسر الموقع الظاهرة من خلال نظرية "إدراك الذات"؛ فعندما لا يمتلك الشخص موقفاً مسبقاً تجاه أحد، فإنه قد يراقب سلوكه تجاهه ثم يستنتج مشاعره بناءً عليه. ويُضاف إلى ذلك أن طلب المساعدة في حد ذاته قد يُشعر الطرف الآخر بالتقدير والاحترام، وهو ما ينعكس على نظرته إليك.

كيف تستفيد من تأثير بن فرانكلين في جذب الآخرين
يمكن أن تكون نظرية فرانكلين مدخلاً لجذب الآخرين وبناء علاقات أكثر قوة، وذلك من خلال:
ابدأ بطلب صغير
ليس المهم حجم الخدمة بقدر قيمتها نفسها؛ فطلب بسيط مثل استعارة كتاب أو الاستعانة برأي في مشروع دراسي قد يكفي. أما طلب خدمة كبيرة من شخص بالكاد تعرفه؛ فقد ينتهي بالرفض ويترك لديه انطباعاً سلبياً عنك.
لا تتردد في الطلب
يميل الناس إلى التقليل من احتمالية موافقة الآخرين على مساعدتهم، بينما يفكر الطرف الآخر غالباً في الحرج الاجتماعي الذي قد يسببه الرفض؛ ما يجعله أكثر استعداداً للمساعدة مما تتوقع.
اطلب بنفسك
كما أظهرت التجربة، فإن الطلب المباشر هو ما يصنع الفارق؛ فهو يحمل مشاعر إيجابية تؤثر في المستقبل، لذا تجنب إرسال طلبك عبر طرف ثالث، أو من خلال وسائل رقمية لا تعكس المشاعر الحقيقية.
عبر عن امتنانك
لم يكتفِ فرانكلين بإعادة الكتاب، بل حرص على إظهار تقديره؛ فالامتنان الصادق يعزز الأثر الإيجابي للموقف.
رد المعروف لاحقاً
لا يمكن أن تقوم علاقة سليمة على الأخذ دون العطاء، بينما النظرية فقط تؤكد إذابة الثلج وإعطاء المشاعر الإيجابية فرصة للاختبار؛ لذلك تقديم خدمة صغيرة في المقابل قد يخلق دائرة من التعاون المتبادل، ويزيد من فرص استمرار العلاقة.
التأثير السلبي لحيلة فرانكلين
لا يخلو تأثير فرانكلين من جانب قد يُستغل بشكل سلبي؛ فقد يلجأ إليه بعض الناس للتلاعب بالآخرين، مثل بائع يطلب منك خدمة صغيرة ليسهل عليه إقناعك بصفقة لا تناسبك لاحقاً. لذلك، إذا شعرت أن شخصاً ما يستخدم هذه الحيلة معك، يمكنك أن تحدد لنفسك سبباً واضحاً لمساعدته لا علاقة له بالإعجاب به. كما أن للظاهرة نسخة عكسية؛ فمعاملة شخص ما بشكل سيئ قد تزيد من نفورك منه، لأن العقل يبحث هنا أيضاً عن مبرر لسلوكك.
اقرئي أيضاً: كلمات لا تقولها لشخص فقد وظيفته حتى لو كنت تحاول مواساته

Google News