mena-gmtdmp
حبيبان يشبكان أصابعهما ويستمعان بلحظات من الرومانسية معا في شروق الشمس
مفهوم الحب الأفلاطوني حيث تلتقي عقول وقلوب مبدعين وفلاسفة على أرضية من التناغم الفكري والتسامي الروحي

يُمثّل الحب الأفلاطوني أرقى وأسمى الروابط الوجدانية التي يمكن أن تجمع بين البشر، وهو علاقة متوازنة لا تبحث عن التملك أو السيطرة، بل تكتفي بالدعم اللامشروط والإنصات العميق، ما يمنح الطرفين شعوراً بالأمان والسكينة النفسية. وعبر هذا الترابط الفريد، يتحرر المحب من القيود المادية ليخوض رحلة تأملية تسمو بالمشاعر وتدفع نحو الإبداع، محققةً سلاماً داخلياً نادراً؛ يعكس جوهر الفلسفة الإنسانية في أنبل تجلياتها، حيث يتحول التواصل بين الشخصين إلى دافع مستمر نحو الارتقاء الأخلاقي والبحث عن الحكمة والكمال الإنساني، فما هو مصطلح الحب الأفلاطوني؟ تابعي السياق التالي لتعرفي.

كيف نشأ مفهوم الحب الأفلاطوني؟

شهد التاريخ الإنساني العديد من العلاقات الراقية التي جسّدت مفهوم الحب الأفلاطوني


تقول لقاء عبد الفتاح نشأت، باحثة في الفلسفة الرومانية بكلية الآداب لـ"سيدتي": نشأ مفهوم الحب الأفلاطوني من قلب الفلسفة اليونانية القديمة، وتحديداً من خلال كتابات الفيلسوف أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد. ولم ينشأ المصطلح كنوع من "الصداقة البريئة" كما يُفهم اليوم، بل ولد كـنظرية فلسفية لتفسير الارتقاء الروحي، وما يتبعه من شغف بشري أو طاقة حيوية عميقة كامنة في النفس البشرية، تحرك الإنسان وتدفعه للتعلق بشيء، ما والركض خلفه للاتحاد به، وقد تأسس المفهوم في كتاب أفلاطون الشهير "المأدبة" (The Symposium) وهو نص يصوّر حفل عشاء (وليمة) جمع أعيان أثينا وفلاسفتها (من بينهم سقراط)، حيث تبارى الحضور في إلقاء خطابات لمدح "إيروس" (أيقونة الحب والشغف عند اليونان)، وفي خطابه، قسّم أفلاطون الحب إلى نوعين:

  1. إيروس (الأرضي): هو حبٌّ يرتبط بالصورة المادية الملموسة للجمال، ويظل محصوراً في دائرة الإعجاب الظاهري المؤقت.
  2. إيروس (السماوي): وهو الحب الذي يبدأ بالانجذاب للجمال الخارجي، ولكنه لا يتوقف عنده، بل يتخذه وسيلة للتعرف إلى الجمال الداخلي والروحي. هذا النوع الثاني هو بذرة "الحب الأفلاطوني".

سلّم الحب الأفلاطوني

تقول لقاء: شرح أفلاطون الحب الحقيقي بأنه عملية صعود أشبه بـ درجات السلّم:

  • الدرجة الأولى: الانجذاب الحسي الأولي.
  • الدرجة الثانية: إدراك أن الجمال موجود بكل الأرواح والأنفس، وبالتالي يتسع مفهوم الحب.
  • الدرجة الثالثة: الترفع عن الصورة المادية الملموسة للجمال والتعلق بـ جمال النفوس والأرواح والفضائل الأخلاقية.
  • الدرجة الرابعة: حب القوانين، والمؤسسات، والعلوم التي تُنتج هذا الجمال.
  • الدرجة الخامسة (قمة السلّم): الوصول إلى إدراك "مثال الجمال المطلق" والحكمة الخالدة، وهو الحب الخالص.

مراحل تطور الحب الأفلاطوني:

  • في عصر النهضة: لم يستعمل أفلاطون نفسه مصطلح "الحب الأفلاطوني"، بل يعود الفضل في صياغة المصطلح اللاتيني (Amor Platonicus) إلى الفيلسوف الإيطالي مارسيليو فيتشينو، في القرن الخامس عشر (عام 1469). أعاد فيتشينو إحياء الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، وعرّف هذا الحب بأنه رابطة روحية توجّه النفس نحو الأهداف السامية.
  • بحلول القرنين السابع عشر والثامن عشر، انتقل المصطلح من أروقة الفلسفة والنخبة إلى الأدب العام والشائع. وبدأ معناه يتغير تدريجياً ليتحول من "رحلة فكرية للوصول إلى الكمال" إلى مفهومه المعاصر؛ رابطة إنسانية وثيقة أو صداقة متينة تجمع بين شخصين، ترتكز بالكامل على التناغم الروحي النقي، والترفّع التام عن أي غايات مادية أو حسية.

قد ترغبين في متابعة الرابط التالي: أشهر النظريات العلمية في «الحب»

روميو وجولييت ليست علاقة حب أفلاطوني

تقول لقاء: "روميو وجولييت ليست علاقة حب أفلاطوني، فقصتهما لا علاقة لها بالحب الأفلاطوني بالمعنى الفكري أو الفلسفي، بل هي النموذج الأبرز لـ الحب الرومانسي التراجيدي، والسبب في هذا الاستثناء يعود إلى طبيعة العلاقة بينهما، فروميو وجولييت يمثلان الحب الوجداني العاطفي الذي يتمنى فيه الحبيبان اللقاء، والوصول، والارتباط المشترك، ومن ثمّ فهو حب رومانسي تلعب فيه العاطفة الجياشة والانجذاب المشترك فيه دوراً رئيسياً، أما الحب الأفلاطوني؛ فهو كما تحدثنا من قبل صلة روحية فكرية تترفع تماماً عن فكرة التعلق المادي، وتكتفي بالتناغم العقلي والسمو الروحي".

أشهر علاقات الحب الأفلاطوني

الحب قد يبدأ بالانجذاب للجمال الخارجي، ولكنه لا يتوقف عنده


بحسب موقع electricliterature.com، فقد شهد التاريخ الإنساني العديد من العلاقات الراقية التي جسّدت مفهوم الحب الأفلاطوني في أسمى صوره، حيث التقت عقول وقلوب مبدعين وفلاسفة على أرضية من التناغم الفكري، والتسامي الروحي، والدعم الإنساني المتبادل، بعيداً عن أي غايات مادية، ومن أشهر هذه العلاقات التاريخية:

  • سقراط وديوتيما (اليونان القديمة): تُعد هذه العلاقة حجر الأساس للمفهوم نفسه؛ حيث كانت "ديوتيما" كاهنة وفيلسوفة، وتلقى سقراط عنها علم محبة الحكمة والجمال الروحي. وكان إعجابه بها إعجاباً عقلياً خالصاً، وهي من ألهمته نظرية "سلّم الصعود الروحي".
  • جون ستيوارت ميل وهارييت تيلور (القرن التاسع عشر): بدأت علاقتهما كصداقة فكرية وثيقة جداً استمرت لأكثر من عشرين عاماً قبل زواجهما لاحقاً. كان ميل يصفها بأنها "ملهمة فكره" وشريكة روحه، وتشاطرا معاً صياغة أعظم النظريات الفلسفية والسياسية حول الحرية وحقوق المرأة في فضاء من الاحترام العقلي المتبادل.
  • رينيه ماريا ريلكه ولو أندرياس سالومي: كان ريلكه شاعراً ألمانياً شاباً، وسالومي أديبة ومحللة نفسية تكبره سناً. تحولت علاقتهما سريعاً إلى رابطة أفلاطونية فكرية استمرت طوال حياتهما. كانت سالومي مستشارته الروحية، وناقدته الأدبية، والملهمة الأساسية التي دفعت بعبقريته الشعرية إلى النور.
  • ماري كوري وبيير كوري: على الرغم من أنهما تزوجا لاحقاً، فإن بداية علاقتهما ونواتها الصلبة كانت رابطة أفلاطونية علمية بحتة. كانا يقضيان ساعات طويلة في المختبر؛ يتشاركان الشغف بالفيزياء والبحث العلمي، وتقاربت أرواحهما من خلال الإعجاب المتبادل بالذكاء والجهد المعرفي المشترك قبل أي شيء آخر.
  • المهاتما غاندي وميرا بيهن (القرن العشرين): "ميرا بيهن" (واسمها الأصلي مادلين سليد) كانت ابنة أميرال بريطاني، تركت حياتها المرفّهة ولحقت بغاندي في الهند بعد أن تأثرت بفلسفته. نشأت بينهما رابطة أبويّة وروحيّة شديدة النقاء؛ أصبحت تلميذه المخلص ومساعدته الأولى، وكان غاندي يرى فيها تجسيداً للوفاء والترفع عن الماديات في سبيل القضية الإنسانية.

والرابط التالي يعرفك إلى: أنواع من الحب.. احذروا الوقوع فيها