له الكثير من الآراء التي ربما تصدم من لا يتفق معها، لكنه يؤمن بقبول الآخر مهما كان توجهه، خصوصًا أنه يؤمن بأنّ الله كرَّم الإنسان، كاشفًا سر لجوء كتّاب الرواية لمعالجة مشاكل الجنس في أغلب رواياتهم، ودوافعهم وراء ذلك. أسس رابطة الأدب الإسلامي في الرياض لتأصيل الأدب الإسلامي، وإبراز سماته في القديم والحديث، ووضع مناهج إسلامية للفنون الأدبية الحديثة، وجمع الأعمال الأدبية الإسلامية المتميزة، ونقلها إلى لغات الشعوب الإسلامية وغيرها من اللغات العالمية.
كان آخر ما أثير حوله تصريحه عن الروائي المصري نجيب محفوظ في النادي الأدبي بالرياض، وكذلك آراؤه في كثير من الأدباء والأديبات، والتي نفاها قائلاً: «حرّفوا كلامي»، والكثير من القضايا الشائكة حول مفهوم الأدب الإسلامي.. كل هذا تحدث عنه رئيس رابطة الأدب الإسلامي الدكتور عبد القدوس أبو صالح لـ«سيدتي» من خلال الحوار التالي:
هل
يمكن تصنيف الأدب من وجهة نظرك حسب الدين؟ بمعنى أن يكون هناك أدب إسلامي وآخر مسيحي وآخر يهودي وغير ذلك؟!
من المعروف أنّ المذاهب الأدبية الحديثة إنما تتفاوت حسب «الأيدلوجيا» التي يقوم عليها كل مذهب، ولما كان الإسلام بنظرته الشاملة للإنسان والحياة والكون يشتمل ضمنيًّا على «الأيدلوجيا»، ويزيد عليها بأنه نظام كامل لأمور الدنيا والآخرة، فإنه ليس غريبًا أن تقوم الدعوة إلى الأدب الإسلامي الذي تنطلق قاعدته الفكرية من الإسلام، وهو أرقى وأشمل في نظرته للإنسان والحياة والكون من كل الفلسفات المثالية والعقلية والمادية التي قامت عليها المذاهب الأدبية المختلفة.
ومع أنّ المسيحية واليهودية ليس فيهما شمول الإسلام، فإنّ هناك أدبًا مسيحيًّا بل أدب قبطي لدى بعض الأدباء في مصر، وهناك أدب يهودي تتبناه دولة إسرائيل وكثير من الأدباء اليهود.
هل أنت ممن لا يؤمنون بما يسمى بالأدب الإنساني أو عالمية الأدب؟
أنا شديد الإيمان بالأدب الإنساني أو عالمية الأدب، وكيف لا يكون ذلك والإسلام هو الذي كرَّم الإنسان بغض النظر عن أصله وعقيدته، والله تعالى يقول: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ»، ومهما بلغت المذاهب الأدبية من توجه إنساني في الأدب فإنها لا تستطيع مجاراة الأدب الإسلامي في توجهه الإنساني؛ لأنّ المذاهب الأدبية إنما وضعها رجال تحكمهم ظروف الزمان والمكان، وأما الأدب الإسلامي فهو يعتمد على الإسلام، وهو دين الله الكامل، وهو آخر الأديان السماوية، إذ لا نبي بعد محمد، صلى الله عليه وسلم، والله تعالى يقول: «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ». أما عالمية الأدب فتقاس بمقدار انتشار المذهب الأدبي، وتجاوزه حدود البلد الذي نشأ فيه هذا المذهب، وحدود اللغة التي كتب بها في أولية نشأته.
ومن هنا فإنّ الأدب الإسلامي أدب عالمي؛ فهو يتجاوز حدود المكان والزمان؛ لأنه يشمل آداب الشعوب الإسلامية كلها على مختلف أجناسها ولغاتها، كما تتحقق للأدب الإسلامي عالميته مادام هذا الأدب يشمل في مضمونه العقدي وتصوره الإسلامي أدب الأمة الإسلامية كلها، وهي الأمة التي وصفها الله تعالى بقوله: «إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ».
هل نفهم من ذلك أنّ مفهومك عن الأدب الإسلامي منغلق على روافده التي نشأت في العصر الإسلامي الأول؟
الأدب الإسلامي هو أدب الأمة الإسلامية منذ نزول القرآن، وانبلاج فجر الإسلام إلى أن يرث الله الأرض وما عليها، ومع أنّ العصر الإسلامي الأول وهو عصر النبوة والخلافة الراشدة، هو العصر الذي بدأ فيه الأدب الإسلامي بتوجيه القرآن الكريم والحديث النبوي، فإنّ الأدب الإسلامي يستضيء بهذا العصر، ولكنه لا ينغلق عليه بل يتجدد بتجدد العصور، وما يمر على الأمة الإسلامية من أحداث تثير في أدبائها الآمال والآلام، وترتبط بالماضي والحاضر والمستقبل إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
ما الدور الذي تقوم به رابطة الأدب الإسلامي العالمية سواء في السعودية أم خارجها؟
إنّ الدور الذي تقوم به رابطة الأدب الإسلامي العالمية سواء في السعودية أم في غيرها من الدول يتضح في الأهداف التي قامت عليها الرابطة، ومنها: تأصيل الأدب الإسلامي، وإبراز سماته في القديم والحديث، ووضع مناهج إسلامية للفنون الأدبية الحديثة، وجمع الأعمال الأدبية الإسلامية المتميزة، ونقلها إلى لغات الشعوب الإسلامية وغيرها من اللغات العالمية، ونقد المذاهب الأدبية العالمية ومناهج النقد الحديث، وإيضاح ما فيها من إيجابيات وسلبيات، وتعزيز عالمية الأدب الإسلامي، بالإضافة إلى توثيق الصلات بين الأدباء الإسلاميين في العالم، وجمع كلمتهم وفق منهج الوسطية والاعتدال، والبعد عن الغلو والتطرف، وإسهام الأدب الإسلامي في تنشئة الأجيال المؤمنة، وصياغة الشخصية الإسلامية المعتزة بدينها القويم وتراثها العظيم.
كثير من كتّاب الرواية يتجهون إلى استخدام الجنس كعنصر مروج لروايتهم أحيانًا بلا داعٍ، فما تعليقك؟
أتمنى لكل مثقف، ومثقفة، في العالم العربي أن يقرأ كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون»، وسيجد في هذا الكتاب العجيب أنّ الثورة الجنسية العالمية كانت من تخطيط اليهود لإشاعة الانحلال في العالم، ونجد أثر هذه الثورة الجنسية في الآداب العالمية، وفي كثير مما تنتجه هوليوود من الأفلام التي غزت معظم أنحاء العالم.
وأقول: «ليس تناول الجنس في الرواية أمرًا محرمًا، وإنما هي كيفية هذا التناول؛ فالجنس غريزة وجدت لحفظ النوع الإنساني، ولكن المشكلة تكمن في قصد الروائي من التعرض للجنس، وفي طريقة هذا التعرض».
وقد تناول القرآن الكريم في سورة يوسف، عليه السلام، قضية الغريزة الجنسية، ولكنه عرض إليها بطريقة لا تثير الغريزة، ولا تجعل الإنسان عبدًا لها.
ومن المؤسف أننا نجد كثيرًا من الروائيين العرب يجعلون من الجنس وسيلة لنشر رواياتهم، وهذا ما نجده في كثير من روايات يوسف السباعي، وإحسان عبد القدوس، ونجيب محفوظ الذي قال فيه الناقد أنور المعداوي: «لماذا يتعرض نجيب محفوظ للجنس في أكثر أعماله؟ هل يعمد إلى هذا بقصد إثارة القارئ كما يفعل غيره من الكتاب بغية الرواج؟ أم أنّ له اتجاهًا معينًا يتسم بالمنهجية التي يلتزمها كلون من ألوان التعبير عن وجوده العقلي؟»، ثم يضيف المعداوي: «هناك قطاعات عرضية قليلة تخرج عن نطاق البعد الموضوعي الرئيس للمشكلة في خطوطها العامة، وذلك حين يعمد نجيب محفوظ إلى التفصيلات الجزئية لما يدور أحيانًا من أحداث ذاتية في الجو العائلي لآل شوكت، أو في جو المغامرات الجنسية لطبقة العوالم المغنيات من أمثال: «زبيدة، وجليلة، وزنوبة...».
وتبقى قصص نجيب محفوظ على قدر من الرصانة أمام موجة القصاصين والقصاصات الجديدة ممن جاءت قصصهم تقليدًا مشوهًا للكاتبة الفرنسية الواقعية فرانسوا ساغان، وأصبح الجنس في كثير من أعمالهم محورًا اتجاهيًّا للسلوك، إن لم نقل المحور الأول في البناء القصصي.
سبق أن قلت في إحدى محاضراتك: إنّ نجيب محفوظ لا يستحق جائزة نوبل! فلماذا تتهم رجلاً لا يملك حق الدفاع عن نفسه الآن؟!
لم أقل في محاضرتي عن الأدب الإسلامي في النادي الأدبي بالرياض: إنّ نجيب محفوظ لا يستحق جائزة نوبل، وإنما قلت: إنّ نجيب محفوظ يستحق جائزة نوبل عن ثلاثيته المشهورة، وقد أعلنت هذا الرأي في حديثي عنه في إذاعة الرياض في حياة هذا الروائي الكبير. وإنما جاءت هذه التهمة في سؤالك عن تحريف كلامي في تلك المحاضرات، إذ كتبت جريدة الوطن في العدد /3863/ عنوانًا نصه كما يلي: «أبو صالح: محفوظ لا يستحق نوبل»، ولم أرَ داعيًا للرد على هذه التهمة التي لا يقول بها ناقد منصف، وهذه محاضرتي مسجلة في النادي الأدبي في الرياض، وهي تكذب هذه التهمة، بل إنّ جريدة المدينة كتبت في العدد /17537/ ما يلي: «لم ينفِ أبو صالح عن محفوظ عبقريته الروائية، معترفًا باستحقاقه لنوبل من أجل ثلاثيته الشهيرة، وليس من أجل «أولاد حارتنا».
أما قولك: لماذا تتهم رجلاً لا يملك حق الدفاع عن نفسه الآن؟ فهذا كلام مستغرب؛ لأنّ نجيب محفوظ شخصية عامة سوف يستمر الحديث عنها سنوات طويلة، ولو أنّ النقاد لا يتناولون الأدباء أحياء أو أمواتًا لما كان ما يسمى بالنقد الأدبي أو تاريخ الأدب، ومع ذلك فإني لم أتهم نجيب محفوظ، وإنما اعترفت بجدارته بجائزة نوبل التي رفعت شأنه وشأن الأدب العربي عالميًا، وأقرر دون تحفظ أنّ رواية «أولاد حارتنا» لا تقاس فنيًّا بثلاثية نجيب محفوظ، وإنما اختارتها لجنة جائزة نوبل لما فيها من توجه سلبي لا يليق بالذات الإلهية ولا برسل الله الكرام.
بماذا ترد على من يتهم مصطلح الأدب الإسلامي بالرجعية؟
أظن أنّ تهمة «الرجعية» أصبحت تهمة باهتة لا قيمة لها، وكان «اليساريون» في العالم العربي يطلقونها على كل من يخالف توجههم، سواء أكان توجهًا قوميًّا أم يمينيًّا أم إسلاميًّا. ومن البديهي أنّ «الرجعية» يمكن إطلاقها على كل من يؤمن بالرجعة إلى القديم لمجرد أنه قديم ينبغي المحافظة عليه مهما كان ضد التقدم والإصلاح، أو مجانبًا للحق، وهذا ما كان عليه أهل الجاهلية الذين كان شعارهم «إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ». أما الإيمان بالحق والتمسك به والوقوف بجانبه فهو قمة الإخلاص للحق، خاصة إذا كان هذا الحق هو الإيمان بالله تعالى.
بطاقة:
> ولد في سورية (مدينة حلب) سنة 1932م، وأتم دراسته الأولية فيها.
> منح الجنسية السعودية بعد إقامته في المملكة 45 سنة.
> تخرج في جامعة دمشق وحصل منها على: ليسانس في الآداب، ودبلوم في التربية، وليسانس في الحقوق.
> تابع دراسته العليا في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ونال درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
> عمل مدرسًا في سورية، ثم انتقل إلى كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض أستاذًا للدراسات العليا في قسم الأدب، وكان عضوًا في المجلس العلمي للجامعة وفي لجنة الدراسات العليا، وأشرف على أول رسالة للدكتوراه في المملكة العربية السعودية، كما أشرف على عدد كبير من الرسائل الجامعية.
> أسهم في وضع مناهج اللغة العربية في لجنة السياسة التعليمية في المملكة.
> شغل بعد تقاعده منصب مستشار غير متفرغ في جامعة الأمير سلطان بالرياض، ووضع مشروع «تكامل شخصية الطالب الجامعي».
> متفرغ حالياً للعمل في رابطة الأدب الإسلامي العالمية التي يعد من مؤسسيها، ويشغل منصب رئيس الرابطة، كما يرأس تحرير مجلة الأدب الإسلامي