لم يعد زمننا هذا قائماً على العقل البشري وحده ولا على ذكاء الإنسان، بل أن التقنيات الحديثة تصدرت المشهد، والخوارزميات باتت تتحكم في كثير من قرارات مستخدمي الأجهزة الذكية. فالبداية كانت من زمن الآلات والمحركات لتمتد إلى يومنا هذا لتتدخل في معظم تفاصيل حياتنا اليومية، تناقشنا ونناقشها نستعلم منها عن كل شيء، تقول بالأعمال المكتبية بكل جدارة حتى عند إخفاقها في ذلك وإعطاءنا نتائج غير صحيح لا نعتب عليها ولا نضيق منها كما هو الحال في التعامل البشري.
الاستسلام المعرفي
وفي تقرير نشرته The Economist، أطلقت مسمى "الاستسلام المعرفي" Cognitive Surrender؛ وهي حالة تشير إلى أن العقل البشري تخلى عن ذكائه الأساسي الذي يمتلكه وقدرته على التحليل، مع تسليمه بصحة نتائج الذكاء الاصطناعي دون تفكير. فالذكاء الاصطناعي يسهل مهامنا في العمل وفي ترتيب جداولنا اليومية، وهذا التفويض للذكاء الاصطناعي قد يبدو أمراً منطقياً نظراً الى تفوقه في مجالات عدة، ولكنه يضعف تفكيرنا شيئاً فشيء.
التفكير العميق
وتشير الدراسات الحديثة والنقاشات الفكرية إلى أن اعتماد الإنسان الكلي على الأنظمة الذكية يجعله يتبنى قرارات واقتراحات الآلة بوصفها قراراته الشخصية، متنازلاً تدريجياً عن آليات الحدس والتفكير العميق.
قراءة المزيد: روبرتو باجيو Roberto Baggio لاعب محبوب ورحلة أجمل من التتويج
كما أظهرت الأبحاث التجريبية الحديثة التي سلط الإعلام الضوء عليها مثل أبحاث جامعة بنسلفانيا - وارتون، أن الأفراد الذين يستعينون بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ قراراتهم الاستثمارية أو التحليلية ترتفع لديهم مستويات الثقة بشكل ملحوظ، حتى عندما تكون إجابات الآلة خاطئة تماماً. وتمرير الأخطاء وعدم إخضاع المخرجات لاختبارات الواقع ينذر بكارثة على مستوى جودة اتخاذ القرار البشري في مجالات حساسة مثل التعليم.
زمن الورق
ولعنا نذكر هنا في نفس السياق ما نشر مؤخرا عن السويد التي أعلنت رسمياً عودة "زمن الورق"، في الفصول الدراسية، ويأتي هذا القرار كركيزة أساسية للعملية التعليمية وبناء العقل وحماية المهارات الإنسانية الأساسية مثل الكتابة اليدوية والقدرة على القراءة العميقة والتأمل الفكري والحد من الاعتماد الكلي على الأجهزة اللوحية. وذلك بعد رصد مؤشرات ميدانية مقلقة ومخاوف وطنية جدية، أبرزها التراجع الملحوظ في أداء الطلاب السويديين في اختبارات PIRLS، الدولية المخصصة لقياس مدى تقدم محو الأمية في القراءة عالمياً؛ حيث انخفضت نتائج السويد من 555 نقطة في عام 2016 إلى 544 نقطة في عام 2021.
المهارة اليدوية
التحدي اليوم لا يكون في محاربة الذكاء الاصطناعي أو عدم التعامل معه، بل هذه الأدوات تساعدنا ونستفيد منها بشكل كبير وقد استخدمته شخصياً خلال إعدادي هذا المقال بشكل لا يلغي تفكيري العقلاني بل أن يكون في بناء علاقتنا ننظمها بطريقة تجعلنا نستخدمه بوعي لنحافظ على الهوية الإنسانية وألا نلغي دور العقل التحليلي ولا نتخلى عن مهاراتنا اليدوية، الذكاء الاصطناعي يساعدنا! نعم؛ مثل كل التقنيات والأدوات السابقة، ولكن على الإنسان لا يتخلى عن العقل الذي ميزنا به الله سبحانه وتعالى.

Google News