الحياة تصنع أصناماً

د. سعاد الشامسي 
د. سعاد الشامسي
د. سعاد الشامسي

 

سأُعيد التفكير في كُل ما بكيت يومًا لأجلهِ، هل كان يستحق ذاكَ الشيء دموعي وحُزني؟

الحُزن.. شعورٌ مُربِك، مُريب، يتسلل إلى شواطئ مدارِكنا..

وتُصبحُ أجسامنا جامدةً صلبةً، فاقدةً لكُل إحساسٍ حي..

الحُزن، يجعلنا كالموتى..

ومن قال إن الموت هُو موت الجسد فحسب؟!

بل هُناك موت القلوب، وموت المشاعر، وموت الإحساس بكُل ما يجرى حولنا..

الحُزن يصنع مِنا أصناماً من الحجارة الصمّاء..

عيونٌ تبكي، وقلبٌ يعتصر، ومدارك تنهار واحدةً تلو الأخرى..

القمر هُناك.. أراهُ مُعتِماً..

لا يُغريني ذاك النور المبعوث من صدرهِ..

أعرفُ جيداً حقيقته المزعجة..

إنهُ مُجرد حِجارةٍ سوداء، لا تُجدي ولا تُغيث..

نُسميها قمراً وهي الظلام بعينهِ..

وما لتِلكَ البِحار تُغرق في أعماقها من يقترب؟

حتى المهرة من السباحين يُلقون حتفهم..

الجميع يصرخُ من الضياع..

وكُل إنسان لهُ مفقودٌ يبكي عليه أبد الدهر..

ويا ليت الحُزن يُجدي، يُعيد الماضي، أو يُصلح ما فسد..

ليت الحُزن يُبقينا أحياء، يزيد في أعمارنا..

لَكن الحقيقة الصادمة، أن الحُزن يُهلكنا..

العيون مُنهمرة في البكاء، والقلوب تُنادي: "هل من فرحةٍ في الطريق؟"

كُلُّنا ننتظر بابًا أن يُفتح، فيُطلقَ لنا العنان والحرية..

ننتظر الحياة المُقبلة، العُمر القادم..

ننتظر حتى الحُب أن يعود..

نعم.. حزينٌ أنا على ما مضى، ومن رحل..

حزينٌ على كُل من غادرني وذهب..

جميعهم هُنا حولي، وأنا وحدي..

أعيشُ في عالمهم فأزداد حُزناً..

أعود لزمانهم وبلادهم، فتقتلني الأشواق والوحدة!

أتعلم.. أحياناً أشعر أنني رخيص، أقل بكثير مما كُنتُ أرى..

أقلُّ مما كان يُقال عني في سابق الزمان..

فقد صِرتُ اليوم أسبراً لأحزاني، مُطيعاً لها..

ثُم يطلُب مِني أن أُكملَ السيرَ دون أن أسقُطَ ألفَ مرة..

دون أن أنكَسر وتغمُرني الجراح والدمعُ الحزين..

وألوم نفسي..

ربما تعلّقتُ بِأحدهم حتى صار جُزءًا من حياتي ويومي..

فلم أَعُد أتقبل وداعه.. مهما مرت السنون على رحيله

ما زلتُ أؤمن أن الحياة ستنصلح ويَعتدل حالها..

أؤمن أن الحُزن مهما طالت لياليه وسنواته..

لا بُد لهُ من نقطة تحول..

محطة نهاية..

الحياة لا تُحتَمل دون قدر كافٍ من الراحة والسعادة..

الحياة لا تكمل إلا حين تبتسم لنا..