في شهرِ الحبِّ حيث تتصدَّرُ المشاعرُ المشهد، وتبحثُ القلوبُ عن أغنيةٍ تُشبهها، يبرزُ اسمُ عمرو مصطفى بوصفه من أهمِّ ملحِّني الرومانسيَّةِ في العالم العربي. من «خليك فاكرني»، و«قصاد عيني» إلى «وحشتيني»، و«جوة في قلبي»، وليس انتهاءً بـ «خدني إليك»، و«أحلى حاجة فيكي»، و«جيت على بالي»، صنعَ مصطفى ألحاناً، ارتبطت بقصصِ حبٍّ حقيقيَّةٍ، وعاشت مع أجيالٍ مختلفةٍ. وفي هذا الحوارِ، نقتربُ من ملحِّنِ الحبِّ، ونفتحُ معه صفحاتِ الذكريات، ونتعرَّفُ منه على رحلته الفنيَّةِ والإنسانيَّة، وكيف تحوَّلت مشاعرُه وتجربتُه الحياتيَّةُ إلى موسيقى، لا تزالُ تنبضُ بالصدق.
إعداد : محمد فوزي
بدايةً، نُبارك لك على تكريمك أخيراً في حفلِ Joy Awards، كيف تصفُ ذلك؟
الملحِّنُ كان ولا يزالُ مُقدّراً منذ فجرِ الفنِّ، فأسماءٌ مثل بليغ حمدي، ومحمد عبدالوهاب، كانت دائماً في صدارةِ المشهد. الجديدُ والمبهرُ حالياً، أن يأتي التقديرُ من المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة هذه الدولةُ الشقيقةُ التي تدعمُ الفنَّ بقوَّةٍ. اليوم، أصبحت لدينا منصَّةٌ عربيَّةٌ، نفتخرُ بها، وهي بالتأكيد تُضاهي «الأوسكار» عالمياً، وهذا إنجازٌ، يُحسَبُ لهيئةِ الترفيه والسعوديَّة قيادةً وشعباً.
جاء تكريمُك في السعوديَّةِ بعد التكريمِ الأوَّلِ في مصر، ماذا تقولُ عن الأمر؟
أنا ممتنٌّ لبلدي وللسعوديَّة أيضاً، وفخورٌ بأن فنَّنا العربي، بات صداه يصلُ إلى العالميَّة، فحفلُ Joy Awards شاهده نحو ثلاثةِ ملياراتٍ شخصٍ في مختلفِ الدول، وهذا حدثٌ عالمي بامتيازٍ.
مَن الموسيقيون الذين تتمنَّى أن يحصلوا على جائزةِ Joy Awards؟
حقَّقتُ حلمي بنيلِ جائزةِ Joy Awards، فهي بالنسبةِ لي ميلادٌ جديدٌ. أتمنَّى أن نرى في الدوراتِ المقبلةِ تكريماً لأسماءٍ، أثَّرت فينا كثيراً مثل طارق مدكور، وحميد الشاعري، ومحمد مصطفى، والشاعرِ الكبير أيمن بهجت قمر الذي أعدُّه «نسختي الأخرى» في الكلمات، وأمير طعيمة، وبهاء الدين محمد.

"الصدق هو المعيار الوحيد لصنع أغنية تبقى في ذاكرةِ الجمهور، وتحصد الجوائز"
المرأة.. ملهمة البدايات والنهايات
في حياتك عديدٌ من النساءِ المؤثِّرات، ما أهميَّةُ دورهن بالنسبةِ لك؟
المرأةُ بالنسبةِ لي منبعُ الحنان، ومصدرُ الإلهامِ الأوَّل. في البدايةِ كانت أمي وأخواتي، ثم جاءت زوجتي، والآن انضمَّت لهن ابنتي. إنهن القلبُ النابض، والحبُّ الذي يُعطي بلا مقابلٍ.
تعدُّ زوجتَك أكبر الداعمين لك، حدِّثنا عن دورها؟
رزقني الله زوجةً صالحةً، أحبَّتني دون غرضٍ. هي مَن تضعُ لي «الفرامل»، وتُوجِّهني بحكمةٍ، وتُناصرني حتى في أخطائي، ولا تتركني أبداً. أعدُّها رزقاً إلهياً يفوقُ أي متاعٍ مادي، وهي بحقٍّ «الباقياتُ الصالحات».
ماذا عن ابنتك سلمى؟
ابنتي، أعدُّها روحي مع أخويها. صنعتُ لها أغنيةً، تحملُ اسمها «سلمى من عيون الناس سلمى»، وكانت تعبيراً مباشراً عن مشاعري تُجاهها.
كيف كانت ترسمُ لك والدتُك طريقَك؟
كانت وصيَّةُ أمي الدائمةُ لي: "اتَّقِ الله يجعلُ لك مخرجاً".
ما الأغنيةُ التي ترى فيها صورتها؟
كلُّ عملٍ أقدِّمه، تسكنُ فيه روحُ أمي، لكنْ أغنيةُ «أمي يا نور بيتنا»، خرجت من أعماقِ قلبي، لتُجسِّدَ تلك المحبَّة.
لديك أختانِ أكبرُ منك، كيف كانتا تُوجِّهانك، وهل كنت تستشيرهما في ألحانِك؟
ميرفت، شقيقتي الكبرى، كانت تمارسُ دورَ الأختِ الكبرى بحزمٍ. أذكرُ أنها كانت تُوبِّخني كثيراً لأن والدي كان يُدلِّلني في الصغر، لكنَّها اليوم الأقربُ إلى قلبي. كذلك كنت دائماً أجدُ الحمايةَ في حضنِ والدتي التي لم تكن تسمحُ لأحدٍ بالاقترابِ مني. أما شقيقتي الأخرى إيمان، فكانت علاقتنا جيدة دائماً.
الحياة الفنية

حدِّثنا عن بداياتِك الفنيَّة؟
بدايتي الفنيَّةُ الحقيقيَّةُ كانت مع الراحلِ عامر منيب. تعلَّمتُ منه أن الفنَّ رقي والتزامٌ، وأبعدُ ما يكون عن صخبِ السهرِ والخروج. لقد كنت محظوظاً بمَن أحاطني الله بهم من الصالحين.
نصحَك عامر منيب بالغناءِ في بدايةِ مسيرتك، لو عادَ بك الزمنُ، هل ستُغنِّي وتترك التلحين؟
سأغنِّي طبعاً، لكنْ لن أتخلَّى عن التلحين، لأنه يسري في دمي. كنت سأستمعُ لنصيحته بشكلٍ مختلفٍ بأن أجمعَ بين الموهبتَين.
كنت تصرُّ دائماً على أن الملحِّن، هو العصبُ الأساسي للأغنية، هل ما زلت متمسِّكاً بهذا الرأي؟
في السابق، ربما قلتُ ذلك، لأنني كنت أشعرُ بعدمِ إنصافٍ في التقييم، لكنْ اليوم، وبعد أن كرَّمتني الدولةُ المصريَّة، ثم المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّة، تغيَّرت نظرتي للأمر. العملُ الفنِّي منظومةٌ جماعيَّةٌ متكاملةٌ بين الشاعرِ، والموزِّعِ، والمطربِ، والمهندسِ الصوتي.
لغة الأرقام والمتحف الموعود
أحدثت طفرةً في الذكاءِ الاصطناعي في الموسيقى العربية وأعمالك، ورغم ذلك، هناك تضاربٌ في أرقامِ ألحانك، كم عددُها الحقيقي؟
الأرقامُ المذكورةُ غير دقيقةٍ. بعضها يقولُ إن رصيدي الحقيقي، هو 3750 لحناً، وهذا ما يقوم أبنائي حالياً برصده وتوثيقه.
بما أنك تحدَّثت عن التوثيق، دارَ حديثٌ حول رغبتك في إنشاءِ متحفٍ لمقتنياتِك، ما صحَّةُ ذلك؟
الفكرةُ بدأت بوصفها دعابةً، لكنَّها نضجت في رأسي تالياً. سأضعُ في هذا المتحفِ «جيتاراتي» التي أشتريها من أوروبا، فأنا أشتري بمعدلِ جيتارٍ واحدٍ كلَّ شهرٍ، وكلُّ جيتارٍ سيكون مرتبطاً بالألحانِ التي وُلِدَت عليه في تلك الفترة. إنه توثيقٌ حسِّي للأعمالِ التي أحبَّها الكثيرون مثل أغنية «خليك فاكرني».
سرعة الإبداع و«هيتات الترند»
ذكرت أن أغنيةَ راغب علامة «سهروني الليل» التي لحَّنتها في الطريق، كانت الأسرع، هل حُطِّم هذا الرقمُ القياسي؟
نعم، هناك أغنيةٌ مقبلةٌ لعمرو دياب في رمضان، طلبها مني في ربعِ ساعةٍ، وأنجزتها له في الفندقِ فوراً، وأتمنَّى أن ترى النورَ في الشهرِ الكريم.
مَن تراه امتداداً لعمرو مصطفى في الساحةِ الفنيَّة؟
مصر ولَّادةٌ، وسيظهرُ ألف عمرو مصطفى، علينا فقط أن نبحثَ عن المواهبِ، وأن نمنحهم الفرصة. هناك أسماءٌ رائعةٌ مثل محمد يحيى، وعزيز الشافعي، ومدين، وعمرو الخضري، ورحم الله محمد رحيم، وأحمد علي موسى فقد كانا مبدعَين بحقٍّ.
متى شعرت بأن عمرو تغيَّر إنسانياً وفنياً؟
في لحظةِ المواجهةِ مع المرض والموت. عندما تشعرُ بأن الموتَ قريبٌ، تسقطُ كلُّ أسبابِ الخلافِ والضيق، وتُدرك أن التسامح الخيارُ الوحيدُ المتبقي.
تكنولوجيا المستقبل والتعاونات.
ألا تخشى أن تُلغي خوارزميَّاتُ الذكاءِ الاصطناعي دورَ الملحِّن مستقبلاً؟
من المستحيلِ حدوثُ ذلك، لأن الإبداعَ البشري متجدِّدٌ بتجدُّدِ خلايا المخ، بينما الذكاءُ الاصطناعي يعتمدُ على بياناتٍ مخزَّنةٍ مسبقاً. المبدعُ الحقيقي هو الذي يُسخِّر التكنولوجيا لخدمةِ فنِّه لا العكس.
هل تمنَّيت يوماً أن تُغنِّي لحناً أعطيتَه لغيرك؟
لا أفكِّرُ بهذا المنطق، فنجاحُ الأغنيةِ بصوتِ أي مطربٍ، هو نجاحٌ لي بوصفي ملحِّناً.
تعاونت مع معظمِ النجماتِ والمطرباتِ العربيَّات، متى ستتعاونُ مع أنغام؟
نحن الآن في حالةِ «غرفةِ عمليَّاتٍ» فنيَّةٍ، وأقولُ لكلِّ سيداتِ الوطنِ العربي: انتظرن عملاً استثنائياً، يجمعني بأنغام قريباً.
مَن النجمُ العالمي الذي تطمحُ إلى التعاونِ معه؟
لست مشغولاً بهذا الأمر، فالأعمالُ الصادقةُ تجدُ طريقها للعالميَّة، وتُترجَم، وتُغنَّى في كلِّ مكانٍ، ودون سعي مني.
لو كنت ستصنعُ أغنيةً، تحصدُ بها جائزةَ أفضلِ أغنيةٍ، مَن سيكون فريقُ عملك المثالي؟
فريقي، هو «الإنسانُ الصادق». الصدقُ، هو المعيارُ الوحيدُ لصنعِ أغنيةٍ تبقى في ذاكرةِ الجمهور، وتحصدُ الجوائز.
