
لبنان بلادي الجميلة والرائعة، وفيها ولدت وترعرعت وانطلقت إلى الحياة. كل ذرة في أرض وطني تعطيني دفعاً للحياة، ولها الفضل الكبير علي. ولكن رغم كل هذا، اسأل نفسي دائماً: لماذا فعلت بي البرازيل كل هذا؟ لماذا لا تغيب عن قلبي وروحي، لماذا أرى دائماً روحي راكعة في مدنها؟ لماذا؟
أنا الآن في بيروت، وأرى سواحل «الريو» ومسافات «ساو باولو» وتلال «كوروتيبا» وبحر الـ «كايو با»، وأشم رائحة البن و»كافيه زينيو»، ولا أرتاح إلا إذا نظرت في المرآة، فكلما أنظر أرى سيلاً من المدن يمتد وينتشر ويرسم خطوات الفرح على جبيني.
حين ذهبت إلى «بارانا»، هذه الولاية البرازيلية الرائعة، كنت أظن أنها كسائر المدن العالمية، لكن الأمر اختلف حين وقفت في ساحة عاصمتها «كوروتيبا»، وتحديداً في roi 15 هذا الشارع الذي يختصر كل مدن العالم، إنه رحيق الحياة.. ولا كلام عنه سوى ذلك.
في «كوروتيبا» التقيت صدفة الملاكم الشهير «محمد علي كلاي»، وكان حينها في بداية مرضه، لكنه يستطيع المشي. تعرفت عليه تلقائياً، وكأنني أعرفه منذ أعوام كثيرة. كان لطيفاً إلى أبعد الحدود، على عكس ما تظهره الشاشات، ولكماته القاسية والعنيفة. لا أنسى محمد علي كلاي الذي قال لي: أحب لبنان بجنون. ومازالت كلماته مدونة في ذاكرتي.
أنا والبرازيل والصدفة من حزب واحد، زيارتي إلى البرازيل كانت طويلة، امتدت إلى فترة زمنة طويلة. وكانت الإقامة مليئة بكل أنواع الصدف: في كل صدفة معرفة وثقافة، تعرفت على الكاتب الكبير الراحل جورجي أمادو، وكان حظي لا يضاهى لأنني التقيت بالروائي الذي سيج البرازيل برواياته وقدمها إلى العالم، ولم تنصفه جائزة نوبل للآداب. مات ولم تتشرف هذه الجائزة بملامسته. تعرفت على الفنان الأول روبرتو كارلوس، المغني البرازيلي «من جيل السبعينات». وكان يسكن في الحي الذي أسكن فيه لاعب كرة القدم الشهير زيكو «من يذكره اليوم؟».
الرئيس البرازيلي السابق، والروائي المهم: جوزيه سارانية، كان لا يغيب عن أيامنا، والتقيناه في سهرات كثيرة. ولحسن الحظ التقينا خارج البرازيل، في بيروت قبل عدة سنوات عندما وقع روايته في منطقة الأشرفية، وروايته شهيرة وتدور أحداثها على بحر البرازيل.
مدن كثيرة وبشر أكثر و»سامبا» لا تهدأ، كلها في قلبي، البرازيل كلها هنا في شرايين الفتى الذي ذهب صدفة إلى البرازيل ومكث هناك طويلاً.
مكثت طويلاً في البرازيل، لكني عدت وجعبتي مليئة بالشعر، ولا شيء غير الشعر.. البرازيل هي كل الشعر.
للتواصل مع الكاتب اسماعيل فقيه [email protected]

Google News