أظهرتْ دراسةٌ أجرتْها جامعةُ "رادبورت" الهولندية، ان السيداتِ
الجميلات يجعلن الرجالَ يبدون أغبياء لفترةٍ من الوقت، على الأقلّ، "لأنهم
يفقدون قدرتَهم على التفكير بشكلٍ واضح، ويركّزون جُلَّ اهتمامِهم على لفتِ
أنظارهنّ".
***
في المقابل، لم تكنْ تلك حال السيّدات أمامَ الرجال الذين يتمتّعون بحضورٍ وافرٍ من الوسامةِ والأناقة.
هل حقاً ان الرجلَ يصبح أكثرَ غباءً فورَ لقائِه مع سيدةٍ جميلة، وإن لبعض الوقت؟
***
تُعيدني الدراسةُ الى الحديثِ عن المرأةِ والجمال؛ فلكلِّ عصرٍ مفهومُهُ ولونُه. ومنذ القدمِ كانت المرأةُ تُعتبرُ رمزاً للجمال، ولا تزالُ تَعْتَمِد على هذا الوجه من شخصيتها.
لكن كلمةَ جمال ترتدي مع كل عصرٍ لوناً جديداً، وتُطلُّ بوجهٍ مختلف.
ومنذ القدم ظلّتِ المرأةُ رمزاً للجمال، إن للفنانين الذين اعتمدوها نموذجاً لرسومهم أو تماثيلهم؛ أو للشعراء، وكانتْ لهم مصدرَ وحيٍ وإلهام.
وبرغم التحوّلاتِ التي يفرضُها عصرُنا الحاضر، وخروجِ المرأةِ الى ساحِ العلم والعملِ لتقف على قدمِ المساواة مع الرجل، فقد ظلّ الجمالُ يُعتبرُ جانباً مُهمّاً من شخصيّتِها. وأصبحتْ مخيّلةُ الشاعر أو الفنان، تبتكرُ أوصافاً تتلاءمُ مع تلك التحوّلات.
***
ويبقى الحدثُ الأهم في العصر الحالي طُغيان الصورة؛ وهي التي تتحكّم بالمشهد، وذلك بعد انتشارِ وسائل الإعلام المرئي.
***
ولكن ما معنى الجمال؟
هو، من دون شكّ، قيمةٌ إنسانيةٌ وفلسفية، وتخضعُ للمفهوم الشخصي والبيئي، وتظلُّ قابلةً للتحوّلِ والتغيير.
***
غالباً ما نسمعُ كلمةَ "جميل"، وتنطلقُ عفواً عندما نُصادفُ ما يروق النظر، ويكونُ مصدرَ فرحٍ وغبطةٍ بعيداً عن النفع المادي".
أما إذا اختلفَ إثنان على مفهوم الجمال، فيكون كلُّ واحد منهما على حَقّ، لأن الجمالَ ليس مسألةً حيادية، بل يخضعُ لتقييم الذوقِ والثقافة.
***
لكن، هل بوسعنا تعريفُ الجمال؟
ويبقى هو المشهدُ الذي تلتقطُهُ العين، لتنفذَ من خلاله الى أعماقِ الشخصية. ومن قولٍ للشاعرِ الإنكليزي "جون كيتز": "إن الشيَء الجميلَ هو فرحٌ أبدي، ويزدادُ تألُّقُهُ مع مرورِ الزمن، ولن يتلاشى كي يُصبحَ اللاشيء".
***
ولكن، ماذا عن فعلِ الزمن؟
وهل أنهُ حقاً عدوُّ الجمال؟
وبالأخص: هل هو عدوٌّ لجمالِ المرأة؟
ربما كان هذا الشعور بتأثير الزمن، ما يدفعُ الفنانَ الى التقاطِ الجمالِ وتخليدِه في لوحةٍ أو في منحوتة.
أي أنه يلتقطُ لحظةً هاربة ويُجمّدها؛ ويعتبرُ فِعلَهُ انتصاراً على الزمن.
***
أما إذا عدنا الى تقييم الجمال، فاننا نجده مثل أي شيء حيّ: له بدايتُه، تألُّقُهُ ثم النهاية.
وهذا يصِحُّ على الجمالِ البشري أو الطبيعي؛ بينما يظلُّ الجمالُ الفنّي يتحدّى الزمن، ويكسبُ الرهانَ، إذ تزدادُ قيمتُه وتألُّقُهُ مع مرورِ الزمن.
***
وبالطبع، يختلفُ مفهومُ الجمالِ من عصر الى آخر؛ إذ لكلِّ زمانٍ مفهومُهُ وتقييمهُ. ولكن من أين ينبع؟ وما هو مصدرُه؟ وهل له قواعدُ معيّنة؟
المرأةُ الجميلةُ لا تحتاج الى لافتةٍ تدلُّ على جمالِها. كذلك نعرفُ ان الجمالَ لم يكنْ في أيِّ وقتٍ مادةً "خام": أيّ خارجةً من أحضانِ الطبيعة، إذ تتدخّلُ يدُ الإنسان في صُنعه؛ وخصوصاً الإنسان الفنان، ويبقى حاضراً ليزيدَ أو يُنقصَ أو يُهذّب.
***
هناك أيدٍ كثيرة تمتدّ لتأخذَ دورَها في إبداعِ جمالِ المرأة، ومنهم صاحبِ الريشة والإزميل، الذي يختارُ نموذجاً بالذات، حتى إذا نجحَ في اختيارِه، يصبحُ إبداعُهُ رمزاً لجمال عصره.
كما أن هناك عدّةَ فنّانين حاضرين في عملية التجميل، من المُزيّنِ، الى الخيّاط، والمخرجِ السينمائي والشاعر، وحتى الجرّاح.
وقد أصبحَ لجراحةِ التجميلِ دورها في هذا الزمان، ويلجأ اليها الرجالُ كما النساء. والصورةُ تتبدَّلُ من عصرٍ الى آخر. ولم يعد النموذج الذي اعتُمِدَ، قبلَ نصف قرن، صالحاً لزمانِنا الحاضر.
***
يبقى سؤالٌ أخير أطرحُهُ في ختام هذه الكلمة: هل يمكنُنا وضعُ خطّ فاصلٍ بين ما يُثير الإعجابَ والدهشةَ في الغربِ، وما يُعتَبَرُ جميلاً ومُثيراً للدهشة في الشرق؟
والجواب: نعم، لأن الجمالَ يخضعُ للذوقِ والمزاجِ والثقافة. وفي الماضي كان ممكناَ وضعُ الحدودِ الممّيِّزة، وذلك قبل ان تتقدّمَ وسائلُ الإعلام، والمصوّرة منها، بوجهٍ خاص، فتمحو الحدودَ، وتجعلُ الصورة تنتقلُ بأسرع من البرق.
وهكذا، لم يعدْ وجهُ جميلةٍ من الغربِ يبدو غريباً لمن يشاهدُهُ في الصين أو اليابان؛ كما تكوَّنَ ذوقٌ جديدٌ لدى الغربيين، ويُرحّبُ بالجمالِ الشرقي.
ويبقى الفنانُ مؤتَمَناً على تسجيل الثوابت، والتقاطِ اللحظاتِ قبل أن يطويها الزمن.
املي نصر الله

Google News