ثم صارت الساعة رملية، هي تجسيد لملل الوجود، وذلك لو تأملتها لرأيت الزمن يمر رملة رملة، كانتظار بلا أمل.
ثم مائية، ثم زنبركية فرقمية، والآن خليوية.
وقبل أن تصير آلة كانت العين هي الساعة: العين والسماء، فحين كان الإنسان الأول يرى الشمس في منتصف السماء؛ كان ذلك يعني أننا في عز الظهر، أو ما نسميه الآن الثانية عشرة ظهرًا، وحين تغيب الشمس أو تشرق نحن في أول النهار أو أول الليل.
لم يكن هناك تحديد دقيق للوقت، لكنك لو عشت مغمض العينين فثمة إدراك للزمن، إن ذلك الإدراك جزء من وظائف المخ، أما الساعة فوظيفتها تحديد الوقت وتقسيمه وتنظيمه.
والساعة تقطع الدقائق الستين بانضباط كامل، أو شبه كامل، إن كانت متأخرة أو متقدمة دقيقة أو اثنتين، مساحة الزمن في كل وحدة قياسية 60 دقيقة لا تختلف أبدًا في الواقع، لكنها تختلف في الإحساس بالواقع.
فهناك فرق بين الزمن والإحساس بالزمن، فإن قضيت ساعتين يا سيدتي بين صديقاتك في نميمة بريئة محببة! فهل تنقضي الساعتان بنفس سرعة –أو بالأصح بطء- ساعتين تقضيهما في عيادة مهما كانت المجلة التي تتصفحينها مسلية.
ويا آنستي الطالبة النجيبة الشاطرة في امتحان طوله ساعتان، لكن الزمن الذي تحتاجه الإجابة ثلاث ساعات، هل يمر الوقت بنفس بطء انتظارك ساعتين لمحطة وصول القطار؟
والولد الذي التقى وردة وجالسها ساعتين، ترى أيهما أطول: وقت اللقاء؟ أم ساعتا انتظار في موعد فيه لم تجئ؟
وأنا إذا انتهيت من هذه المقالة في ساعتين، قبلها تعذبت ساعتين منتظرًا هبوط الفكرة، أي الزمنين يمر دون إحساس بالزمن؟
السعداء هم منْ يشعرون بأن الحياة قصيرة؛ لأنهم يعيشونها، لا ينتظرون أن تأتيهم الأشياء، بل يقطفونها من على غصن الزمن، إنهم جزء من الزمن، يتحركون مع عقارب الدقائق والساعات فيسبقونها، فإذا بهم يكتشفون أن الزمن قصير، فحيويتهم يضيق عنها الزمن؛ لذلك يتمنون أن يكون اليوم تسعين ساعة لا أربعًا وعشرين.
أما الكسالى والمتشائمون فيقعدون يتأملون الحياة لا يعيشونها، ويطلقون عليها الأحكام دون أن يمدوا يدًا تغير ما لا يعجبهم فيها أو تشارك في موسم جني العنب.
إذن فالحياة لا هي بالقصيرة ولا الطويلة، فالفروق بين أعمار الناس متقاربة، إنما إحساسنا بالزمن هو المتفاوت بشدة.
فبوركت الساعة التي تمضي دون أن نحس بها، وبوركت الحياة التي نحس بأنها قصيرة؛ لأن ذلك يعني أننا عشناها طولاً وعرضًا.
وبورك الفعل أيًّا كان، إذا قيس بالقعود والتأمل في الفراغ، فالوقت في الحالة الأولى حصان، أما في الثانية فهو سوط يهوي على حمار أعرج، حمار متسلخ الظهر لا يقوى على جر عربة الزمن ذات العجلات الخشبية.
إن قوام الفلسفة نسبية الأشياء، ولا أشد نسبية من الزمن، حتى آلة الوقت المكونة من تروس وعقارب وزنبرك أيضا نسبية، فهناك فارق كبير بين آلة تدور وأنت تنظرين لها كل دقيقتين، وبينها هي نفسها دائرة في نفس المعصم، وأنت في سهرة تضم الأحباء ويعمرها الضحك والطعام الطيب والصحبة الطيبة.
جعل الله كل ساعاتك طيبة يا سيدتي، عامرة بالأنس والأفراح، لا تشعرين بها؛ لأنك تعيشين كظل ثانية فيها، وأدام أيامنا مليئة بالنشاط والعمل واللعب البريء، والوقت يمر دون أن يمر، وينتهي دون أن يبدأ، ويبدأ دون أن ينتهي، يتحرك بخفتنا نحن ويتوارى حيثُ نظهر، عاملين هانئين لاهين مبتسمين، فما الوقت سوى نحن حين نكف عن الوجود، ولا وجود له إلا إذا تخيلنا نحن وجودنا الإيجابي وجلسنا ننتظر مرور الوقت.

Google News