الطفل القديم

كان قبل زيارتي الأخيرة له طفلاً جميلاً ـ في حياتي ـ يهوى لعب الكرة داخل الشقة، ويشوطها في الأبواب وأحيانًا في الازات والتحف.

لم أدرِ كمْ غِبتُ حتى رأيت وجهه؛ رأيته يكبرني بعامين، أعني يكبر صورتي في ذلك الزمان البعيد حين كنا نلهو معًا.

صار في الأربعين.

يا إلـهي، هل طالت جفوتي إلى هذا الحد؟

نعم، تذكرت، أنا في الستين الآن، فلا عجب أن ابن خالتي الصغيرة ـ طفل العائلة المدلل ـ قد بلغ الأربعين.

ولكن رغم أن الأمر ـ عقلانيًّا ـ لا يدعو للدهشة، فلقد دُهشت، بل صُدمت.

كان محسن يحيا في وجداني مازال بكل ملامحه البريئة المشاغبة، بتهوره الطفلي، بضحكته التي تُصيب بالعدوى كل منْ حوله، بأسئلته العبيطة، والتماع عينيه بنزعة اللعب إلى حدِّ الدمار.

تأملت وجهه الآن: شارب متهدل غير مشذَّب، عينان تحتهما خيوط دقيقة، تكاد لا تُرى، من بشائر الشيخوخة، نظرة عين مثقلة، في يده دبلة، وحوله أطفال يشبهونه.

سلّم عليَّ بحرارة مصطنعة، أو صادقة على السطح فقط، أما أعماقها فيستقر فيها فتور راسخ متراكم، ربما من عشرات السنين.

قال: مرحبًا بأخي الكبير.

قلت:

ـ بل رفيق طفولتك.

ـ (بفتور حزين) نعم. كم لهونا معًا.

ـ كنت طفلاً جميلاً، وكنت تثير داخلي طفولة نامت منذ زمن طويل.

ـ لم أعد ذلك الطفل على كل حال (ثم وهو يتأملني) وأنت أيضا.. عبثت بك أصابع الزمن.

ـ البركة في الأولاد.

ـ نعم، وفي الأحفاد.

ـ صار لي حفيدان.

ـ وأنا أتمنى أن يمتد بي العمر حتى أرى امتداد الذرية.

ـ أنت مازلت شابًّا، سترى أبناء أحفادك بإذن الله.

ـ (وهو ينظر نحوي بحزن): لستُ كما تظن، لقد ساءت صحتي في الفترة التي غبت فيها عنَّا.

أحسست في صياغة العبارة الأخيرة بإيحاء وإيماء لمسؤولية ما ـ يعنيها هو أو أتوهمها أنا ـ مسؤولية أتحملها، كأن غيابي هو الذي حوَّله كهلاً حزينًا يركبه المرض.

خرجت من عندهم، من بيت العائلة التي ذهبت ولم يبق منها إلا محسن أو «سُنسُن» آخر العنقود، خرجت أحمل أثقالاً وأنحني تحت شيخوخة كانت رحيمة بي حتى ذلك الحين.

وفي خيالي كنا لا نزال نلعب بالكرة، محسن وأنا، أنا في الثلاثين وهو في العاشرة، نلعب في الحديقة، ثم ندخل البيت ونواصل اللعب، نشوط الكرة في الأبواب فيشخط فينا الكبار.

ترقرقت دمعة وانسابت على خدي؛ حزنًا على صديقي ورفيق لعبي القديم، الولد الذي أعادني للبراءة والمرح، تُرى.. منْ يعيده هو الآن؟

توقفت عن السير فجأة، لمعت في خيالي ومضة في حدقة سوداء؛ لطفلة صغيرة شعرها حرير أسود، وفي عينيها ميراث تلك اللمعة، لمعة النزق والمرح والفرح بالحياة، إنها عيونه هو، عيونه التي كانت، أورثها تلك الطفلة التي لمحتُ طفولة أبيها فيها وأنا أخرج.

للتفاعل مع الكاتب على البريد التالي [email protected]