mena-gmtdmp

حر نار

يسقط شعاع الشمس عموديًّا على رأسي، تركبني خيالات شتى: عنب الصيف، وطيف يد تقطفه، العنقود في فمي المفتوح، يهبط ببطء حتى يختفي، عصير العنب وقد اندفع إلى رأسي، فتوهج جبيني ونطحت به أعمدة معبد الليل، فتهاوت أعمدته كاشفة عن ليالي شهرزاد، الفسقية والجارية الرومية، أنيس الجليس وقوت القلوب، وشواهي ذات الدواهي.

لم يكن في مقدور رجل، يمشي حافيًا على أسفلت ظهيرة القاهرة في يوليو، أن يسجل بدقة كل ما يخايله من أطياف وأجراس ونايات وألوان ألسنة لهب باطن قدميه، بينما المخ يغلي كلبن فائر، كثيفة قشدته، لكن في مقدوره- وقد وصل البيت، وعالج قدميه من لهب النار، وارتدى جلباب البيت، وتربع على الكنبة، وشرب الشاي بالنعناع- الآن أن يتذكر ما ترسّخ من تلك الهلوسات اللذيذة تحت ضربات الشمس، كأنها ضربات سوط تحث جواد الخيال ليجمح.

ولكن قبل أن أمضي لنهاية شوط الخيال، يجدر بي أن أشرح لك أولاً كيف سرت حافيًا مسافة ثلاثة كيلومترات على أسفلت يوليو في عز الظهر.

كان اليوم جمعة، دخلت جامع الحي للصلاة، وحذائي تحت إبطي؛ خوفًا عليه من اللصوص أو اختلاط الأحذية عند المدخل، وضعته في حرز حريز، لا يبعد عن عيني وقدمي إلا قليلاً، وركعت وسجدت وتشهدت، وبينما أسلم ورأسي يلتفت يمينًا، لمحت بطرف عيني موضع حذائي بجوار الحائط، فلم أجده.

سقط قلبي في قدميَّ، فالبيت بعيد، وليس معي نقود، ماذا أفعل؟ حتى الشراب ينام في الحذاء هانئًا غافلاً عما يحدث لصاحبه.

قررت أن أمشيها والأمر لله، حاولت المشي على الأرصفة بقدر المستطاع، باحثًا عن مواطئ الظل تحت النوافذ والشرفات، كانت الأرصفة مزدحمة بالناس والأشياء بما لا يدع لقدميَّ اللاهبتين موطئًا.

طردني الرصيف الساخن للأسفلت الملتهب، صعد اللهيب من أسفل وهبط من أعلى، فانحصر العقل بين نارين، حينما التقتا تلعب من لقائهما طيوف ومعان وألحان وملامس دافئة وباردة منعشة، ودخلت رموشي مضفورة مع خيوط من ذهب وأرجوان، في نسيج من دمَقْس الحكايات والحرير الدمشقي، أما أنفي فغاب في غابة من الألوان والعطور، والتف حسي وسمعي وبصري في وشيش النار وضحكات الزبد البحري.

أنعشتني رشرشات الموج فبكيت، وكنت جاثيًا على أعتاب البيت، وجهي ورد، وقدماي تنزفان. أنا الآن على الكنبة البلدية في صدر حجرة العيش المشترك، وقد لعب النعناع برأسي وأنا أرشفه مع الشاي، لكن لعب الظل غير هوس الشمس وهي في العنفوان.

أستطيع الآن أن أتذكر وأن أضحك على ورطتي وقد ضاع حذائي، أضحك رغم أني لا أملك غيره، وليس في جيبي نقود، ولولا حريق باطن قدمي لضحكت أكثر، ولولا العيش المشترك لأغرقت في الضحك وأغرقت معي الكون كله.

لكنّ حولي قلوبًا وأرواحًا وأجسادًا، يعاني كل منها حريقًا يخصه ويوجعه، وكلما ضبطت نفسي وقد علت ضحكتي ولو قليلاً، أخفضها فورًا أو أطفئها؛ احترامًا وإجلالاً وحبًّا.

فأنا في الظل عاقل، والعقل مجلبة للأسى.

أما الشمس فهلاوسها مبهجة، لكن ضربتها قاتلة.