لور غريّب البطلة


بعدما قرأت الوصف المُسهب لمراحل المرض والشفاء، وقد عرضتْها الأديبة والفنانة لور غريّب في الصحيفة التي تحرّر فيها منذ زمن بعيد، (النهار) وجدتني أحاورها بصمت، ثم مضيتُ في كتابة هذه الرسالة، لأهنئها بخروجها من تلك التجربة القاسية، معلنة انتصارَها على داء السرطان؛ ثم لأُثني على شجاعتها في ما كتبت.

<<<

 

لقد فتحتْ لور غريّب، في ما كتبته من وصف لمعاناتها وصراعها مع المرض، سبيلاً جديداً في التعامل مع أحوال تعوّد الناس ان يلزموا حَيالها الصمتَ والتهرُّب من المواجهة.

<<<

 

وقد تجلّتْ جرأةُ لور، ومن أول عبارة كتبتها: «كم أكره جملة بعد صراع طويل مع المرض، وكأنّ الجميع يخاف أن يلفظَ كلمةَ سرطان».

أما هي فقد تجرّأتْ على لفظها بأسلوبٍ واقعي، مُفصّل وغير انفعالي.

ومثلما تعوّدتْ تدبيج مقالاتها في النقد الأدبي أو الفنّي، أكبّتْ على نقد الحالة التي ألمّتْ بها، ومنذ اليوم الأول، عندما عرفتْ أنها مصابة بالداء الذي يتهرّب الناس من ذكر اسمه، فيشيرون إليه بعبارات غامضة مثل «ذاك المرض» أو كما يقولون في بعض البلدان «المرض اللّي ما يتْسمّاشْ».

<<<

 

لكن لور لم تكتفِ بذكر ما أصابَها، ووصفِه، بل قرّرتْ ان ترافقَ مسار الداء، وتدخل في كل تفاصيل الاستشفاء، وتصفها بدقّة وواقعية، وأسلوب لا يثير الحزنَ أو الشفقة، بقدرِ ما يثيرُ الإعجابَ بالقلمِ الشجاع الذي يعلمُ، حقَّ العلم، مدى قدرةِ الإنسان على المواجهةِ والمجابهة، واستنهاض طاقاتٍ تظلُّ في الأحوال العادية، كامنةً ونائمة، الى أن يجيءَ التحدِّي، فتنهض وبكلّ العدّة والعتاد.

<<<

 

وهذا ما فعلتْه صاحبة القلم الناقد والمواجه، وبكل القوّة والإرادة في سبيل التغلّب.

أو كما تقول انها قررت ان تعتبرَ المرأةَ الخاضعة لذلك العلاج الطويل والمعقّد هي إمرأة بديلة منها. لذا استطاعتْ ان تمضي في وصفِ مسار العلاج وكأنها تتنقّل في معرضِ فنون من بعضِ المعارض التي لا يُحصيها عدّ، قامت بزيارتها ووصفها، ونقدها ونقلِ تفاصيلها الى القرّاء.

<<<

 

هناك أعداد كبيرة من البشر تُصيبها هذه الحالة، وتُلزمها الدخولَ الى المستشفى، والخضوع للعلاج الكيميائي أو بالراديو. وتبقى تلك كلمات مبهمة حتى على من يواجهها أو يمرّ بها.

لكن الناقدة الفنية الذكية والواقعية راحتْ تشرح وتصف المشاهدَ والأحوالَ بكلماتٍ بسيطة، وبكل الدقة والتفصيل، فجاء الوصفُ عفوياً، واقعياً، لا يدعو الى الحزن أو الشفقة والخوف، بقدر ما يثير الإعجاب بقدرة الإنسان على الصمود عندما يستنفر طاقات تظلّ كامنة الى أن تواجهها التجارب الصعبة.

<<<

 

ومثلما وصفت لور بواقعية حالات الإستشفاء، كذلك رسمت الحالة الإنسانية، وبالأخصّ علاقتها بزوجها الفنان أنطوان كرباج، الواقف معها؛ ومما كتبتْه في ذلك عندما جاءت نتيجة الفحص «أنا وأنطوان
لا ننظر الى بعضنا البعض. يقول لي فجأةً نحن مؤمنون. الله كبير. أُجيبه بصوت خافت: إيه. الله كبير».

<<<

 

وبعدما تدخل عالم الإستشفاء لا تهمل وصف ما يحيط بها، من الناس الخائفين مثلها، الى الأطباء، والممرضين والآلات التي تستخدم في شتى مراحل العلاج بكل دقائقها؛ حتى ليكاد ما تكتبه أن يكون دليلاً للمرضى، يُمهّد لهم السبيل، فلا يغرقون في ظلام القلق والجهل.

<<<

 

ولا يفارقها حسُّها الأنثوي حتى في أصعب اللحظات:

«لم أهتمّ كثيراً للشروح الطبية؛ لكني تأكّدتُ بان الشيموترابي لن تتسبب بسقوط شعري. شعري المنكوش دائماً سيبقى على حاله».

<<<

 

لقد تعوّدَ الناس ان يُواروا ضعفَهم، ويدفنوا المرض في سراديب مظلمة من الكيان، وكأنه السقوط أو العار.

لكن لور غريّب سارت عكس ذلك التيّار. ولم يكن في ما كتبتْه أي تحدٍّ. بل بقي سردُها موازياً للواقع وللحقيقة. ومن بعض رفضها للاستسلام انها تابعتْ حياتَها العملية في البيت كما في المكتب والمرسم:

«بقيتُ أرسم. أكتب. أقرأ. أطبخ. أهتم بشؤون العائلة والبيت بنسبٍ متفاوتة».

<<<

 

وتختم مقالها بدعوة خلاصتها «إن السرطان ليس مرضاً معيباً يجب التستّر عليه وكأنّه من المحرّمات» وبذلك تضع سنّةً جديدة في التعامل مع أحوال المرض إذ جعلتنا نعتبرها حالة إنسانية بامتياز.