مدونات سيدتي /خواطري

الذاكرة البيضاء

 

للأطفال ذاكرة بيضاء، تلتصق بها بعض الأحداث بقوة وترتسم فيها التفاصيل بوضوح شديد، كتلك الأحداث التي تتحول مع الأيام إلى جزء من الذاكرة لا يمكن استئصاله أو التخلص منه، فذكريات الطفولة ليست دائماً مؤقتة أو سريعة الانطفاء.
فالأطفال قد يفشلون في التخلص من ذكريات تلك الأحداث المبكرة التي تتعرض لها أرواحهم في بدايات تعاملهم مع الحياة والناس، فهم لا ينسون تلك المواقف القاسية التي غرست بهم استفهامات كانت إجاباتها أكبر من رصيد خبرتهم في الحياة، ولا الوجوه الطيبة التي مرت بهم في طفولتهم، ولا تلك الوجوه الشريرة التي ملأت قلوبهم بالرعب في موقف ما.
فكل تلك الأحداث تتحول في دواخلهم إلى كتلة من الذكريات، تتولى الأيام مسح بعضها، بينما يبقى بعضها الآخر كجزء من الذاكرة يصعب التخلص منه رغم تراكم أحداث الحياة عليه، فهناك ذكريات تكبر معنا، ولا تسقط على قارعة العمر مهما قطعنا من مسافات، وهناك وجوه تُنحَت في خيالنا بقوة ولا تبهت ملامحها في ذاكرتنا بسهولة، كتلك الوجوه التي منحتنا في طفولتنا ذلك الفرح الذي كنا نحتاجه لطفولة آمنة.
وكان وجه معلمتي الباسم في مراحلي الدراسية الأولى من الوجوه التي لم تفقد بريقها في خيالي، فذلك الوجه سكن ذاكرتي لسنوات طويلة، وحين أتذكره ينتابني ذلك الشعور الغريب الذي ينتابنا حين نسترجع ذكرى جميلة في خيالنا.
لذا حملت ذلك الوجه الطيب معي من طفولتي دون أن يساورني الأمل أن السنوات ستمنحنى حين أكبر فرصة أخرى للقاء مختلف بتلك المعلمة.
حتى ذلك الصباح الذي تفاجأت فيه بسيدة فاضلة تجاوزت الستين من عمرها، تدخل مكتبي بذات الابتسامة الخالدة في ذاكرتي، لتقترب مني وتحدثني عن متابعتها لكتاباتي منذ بداية علاقتي بالنشر والقلم.
فكانت تتحدث عن النصوص بحب، بينما كنت أنا أنظر إليها بدهشة، فهي تعرفت عليّ بصفتي (كاتبة) حرصت على متابعتها سنوات طويلة، وأنا تعرفت عليها بصفتها (معلمة) عربية جاءت إلى وطني بصحبة زوجها وهي ترتدي فستان زفافها لتساهم في بناء وطن أبيض كان في بداية خطواته نحو العالم.
لذا كان من السهل وبرغم بُعد مرحلة الطفولة عني أن أتعرف عليها من النظرة الأولى إليها، فهي كانت طيبة جداً، راقية جداً، أحببتها في طفولتي كثيراً، فكنت أتقمص شخصيتها أثناء اللعب مع رفيقاتي، حين كانت كل طفلة تؤدي دور المعلمة الأقرب إليها.
وسردت عليها قبل أن تغادر كل تلك الذكريات البيضاء التي أحملها لها في ذاكرتي، كما حرصت هي على توصيتي بإصدار كتابي الأول قبل عودتها إلى موطنها لبلوغها السن القانوني للتقاعد، فوعدتها أن أفعل، لكنها غادرت أسرع مما توقعت.
فقد غادرت إلى السماء تاركة خلفها ذكريات بيضاء لروح نقية.
قبل النهاية بقليل:
لا تستهينوا بذاكرة الأطفال البيضاء، فذلك البياض يُخزن الأحداث والتفاصيل أعمق مما تظنون.

أضف تعليقا

مقالات اخرى للكاتب

X