فتاة المرايا

شهرزاد



هل كَسرتَ المرآة يوماً لأنها أهدتكَ وجهاً غريباً عنك؟ فأغمضت عينيك في محاولة منك لتغيير تفاصيل اللحظة التي وجدت نفسك عاجزاً عن الانغماس فيها؟
هي فعلت ذلك، كسرت مرآتها بعدد المرات التي كُسرت فيها، فعند كل سقوط لها كانت تقف أمامها بوهن، تدقق النظر في وجه الأنثى المطلة عليها من بقايا قطعة الزجاج التي ألصقتها على جدار غرفتها، هي تتساءل: أين التقت هذه المرأة من قبل؟
فرغم يقينها أن المرايا لا تكذب أبداً، ولا تتغير كالأصدقاء الذين يتغيرون حين تتوالى مراحل العمر، ويفقدون الكثير من ملامحهم القديمة، والكثير من قيمهم، والكثير من أحلامهم، ويفشلون في الاحتفاظ بنسخ أرواحهم وقلوبهم الأولى.


إلا أنها كانت ترمي مرآتها بالكذب في كل مرة تقف فيها أمامها، فالوجه الذي تراه في المرآة لا يشبه وجهها الذي تحبه، ذلك الوجه الذي تعمدت أن تخفيه في بيت والدها، الوجه الذي دفنته تحت تلك (السدرة) المسنة التي كانت تتوسط المنزل القديم، والتي صنعت والدتها بين أغصانها أرجوحة من الحبال، كانت تتأرجح عليها كلما شعرت بالاختناق، وترتفع مع حبالها أكثر كلما شعرت برغبة في البكاء، وتغمض عينيها بقوة كي تسافر خيالاً إلى تلك المدينة التي تمنت السفر إليها منذ أن شاهدتها في الصور التي التقطتها صديقتها العائدة من إجازتها الصيفية، فتقف على حافة النهر، تطيل النظر إلى ذلك القارب المهجور، ثم تتمدد فيه على ظهرها، تنظر إلى السماء، وتحاول إحصاء عدد النجوم، بينما القارب يبتعد بها في رحلة هروب بلا نهاية.
ثم تفتح عينيها على صوت والدها الغاضب، ليختفي النهر، والقارب، والنجوم، وتفاصيل تلك المدينة الحلم، وتبقى أمامها أُرجوحة الحبال، وشجرة السدر، ووجه والدتها الوهن والذي تغيرت ملامحه في المرآة كثيراً، دون أن تفكر بكسر المرآة يوماً، كما فعلت هي حين أصبحت في سن والدتها... المرأة التي مرت الحياة وغادرتها دون أن تكتشف أن هناك حياة أخرى، هي تلك الحياة التي يأخذنا إليها الخيال.
وأن الخيال هو وسيلة ناجحة للهروب من واقع مُر...
فالخيال (صديق) الهاربين...


قبل النهاية بقليل:
المرايا لا تتغير، نحن الذين نتغير، ونرفض تغيراتنا التي تظهرها لنا المرايا بوضوح.