يُعَدُّ اختيار المسار المهني من أكثر القرارات المصيرية التي يواجهها الإنسان في حياته، لما له من تأثير مباشر في مستقبله، واستقراره النفسي، وشعوره بالرضا والنجاح؛ فالمهنة ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل هي جزء من هوية الإنسان، تعكس ميوله وقدراته وطموحاته، وتشكل جانباً كبيراً من نمط حياته وتفاعله مع المجتمع.
من هنا تبرز أهمية الوعي المهني القائم على فهم الذات، ودراسة الواقع، وتحقيق التوازن بين الطموح الشخصي ومتطلبات سوق العمل؛ فاختيار المسار المهني السليم لا يكون قراراً عشوائياً أو لحظة اندفاع، بل هو عملية واعية تتطلب تفكيراً عميقاً، وتقييماً مستمراً، ومرونة في التعامل مع التغيرات. وهذا ما يدفعنا إلى البحث في الأسس والمعايير التي تساعد الفرد على اختيار مساره المهني بوعي، دون ضياع أو ندم.
وجهة نظر أهل الاختصاص في اختيار المهنة المناسبة

فريال عبد الله حلاوي دكتورة محاضرة ومستشارة في تقدير الذات تشرح لـ"سيدتي" حول هذا الموضوع.
وتوضح: في ظل العالم المتسارع الذي نعيشه اليوم، أصبحت عملية اختيار المسار المهني أكثر تعقيداً من أي وقت مضى؛ فالتطور التكنولوجي المتلاحق، وتغير متطلبات سوق العمل، وظهور مهن جديدة واختفاء أخرى، كلها عوامل تضع الشباب أمام حالة من الحيرة والقلق، وتجعلهم يتساءلون: كيف نختار مسارنا المهني دون ضياع؟ وكيف نتخذ قراراً واعياً في عالم يتغير باستمرار؟
يمكنك متابعة: المهارات التي يحتاجها كل شاب للنجاح في سوق العمل
أولاً: تغير سوق العمل وغموض مستقبل المهن
وتشير حلاوي إلى أننا "نعيش اليوم في عالم سريع التغير، حيث يشهد سوق العمل تحولات مستمرة.
فبعض المهن مهددة بالاندثار، في حين تظهر مهن جديدة تفرضها التطورات التقنية؛ ما يثير الكثير من التساؤلات والقلق لدى الشباب حول مستقبلهم المهني."
ثانياً: فهم الذات بوصفه أساساً للاختيار المهني
- أهمية الوعي الذاتي: يُعَدُّ فهم الذات العنصر الأهم في اختيار المسار المهني، وهو عنصر مفقود لدى كثير من الشباب.
- أسئلة جوهرية لا بُدُّ من طرحها : قبل اتخاذ أي قرار مهني، يجب على الفرد أن يسأل نفسه: ما قدراتي؟ ما مهاراتي؟ ما ميولي واهتماماتي؟ هل يتناسب هذا المسار مع شخصيتي؟
- غياب التقييم الذاتي تكمن المشكلة في أن كثيراً من الأشخاص لا يجرون تقييماً ذاتياً حقيقياً؛ فيتخذون قراراتهم دون وعي كامل بذواتهم.
ثالثاً: تأثير الأسرة والمجتمع في الاختيار المهني
في مجتمعاتنا العربية، كثيراً ما يكون الاختيار المهني مفروضاً من الأهل أو المجتمع، وليس نابعاً من رغبة الفرد الحقيقية. وغالباً ما يصل الشخص إلى وظيفة جيدة من حيث المكانة أو الدخل، لكنه يفتقد الشعور بالرضا والسعادة، لأن هذا الحلم ليس حلمه، بل حلم الآخرين.
رابعاً: مفهوم التوجيه والاختيار المهني
- أهمية دراسة سوق العمل. لا يكفي أن يعرف الإنسان ميوله وقدراته فقط، بل يجب أن يسأل:
- هل هذا التخصص مطلوب في سوق العمل؟
- هل هناك اكتظاظ في هذا المجال؟
- ما فرص التوظيف المستقبلية؟
- مشكلة فائض الخريجين
يتجه كثير من الطلاب إلى تخصصات معينة دون دراسة واقعها، ليكتشفوا لاحقاً وجود فائض كبير في عدد الخريجين؛ ما يؤدي إلى البطالة أو العمل في مجالات بعيدة عن التخصص.
خامساً: اختيار المهنة من جميع الجوانب

- يُضرب بمهنة التمريض مثالاً على المهن المطلوبة عالمياً، لكن:
- هل تتناسب مع قدرات الشخص؟
- هل يمتلك مهارات التواصل؟
- هل يستطيع العمل تحت الضغط؟
- هل السوق ما زال بحاجة فعلية إلى هذا العدد من الخريجين؟
- أهمية المعايشة الميدانية: من الضروري التعرف إلى المهنة عن قرب، مثل زيارة أماكن العمل، ومراقبة طبيعة المهام والضغوط اليومية، قبل اتخاذ القرار النهائي.
سادساً: العامل المادي بين الأهمية والمبالغة
- لا يمكن إنكار أهمية الدخل المادي، لكنه يجب ألا يكون العامل الحاسم الوحيد.
- فاختيار مهنة فقط لأنها تدر مالاً أكثر، مع تجاهل التوافق مع الشخصية والقدرات، غالباً ما يؤدي إلى فقدان الرضا الوظيفي.
سابعاً: الخوف من الفشل وتأثيره في القرار المهني
- الخوف من الفشل يدفع كثيرين إلى اختيار مسارات “آمنة” مفروضة من المجتمع، بدل السعي وراء ما يحبونه فعلاً.
- إعادة تعريف الفشل لا يوجد فشل حقيقي في الحياة، بل تجارب ودروس نتعلم منها، وكل تجربة تضيف معرفة تساعدنا على إعادة التوجيه والتطوير.
ثامناً: المرونة والتقييم المستمر للمسار المهني
- التغير سمة العصر نعيش في عالم متغير؛ لذلك لا ينبغي الجمود عند اختيار مسار واحد من دون مراجعة.
- أهمية النقد الذاتي البناء من الضروري إعادة تقييم الخيارات المهنية باستمرار، ومواكبة التغيرات في سوق العمل، والحذر من الانجراف وراء المهن “الرائجة” مؤقتاً.
قد يهمك الاطلاع على مقابلة العمل قد تخسرك وظيفتك.. كيف تتجاوز نقاط الضعف وتظهر قوتك؟
وتختم حلاوي: نحن بحاجة إلى وعي مهني حقيقي يقوم على: فهم الذات معرفة القدرات والميول دراسة سوق العمل المرونة والتقييم المستمر؛ فالاختيار المهني السليم هو ذاك الذي يوازن بين تحقيق الذات ومواكبة متطلبات العصر، بعيداً عن الضغوط الاجتماعية والمكاسب المادية المؤقتة.





