mena-gmtdmp

هدوؤك ليس انسحاباً من الحياة

أبرار آل عثمان
أبرار آل عثمان
أبرار آل عثمان

نعيشُ في زمنِ الاندفاعِ للحياةِ حيث لم تعد السرعةُ خياراً، بل أصبحت معياراً خفياً للقيمة! نعيشُ في سباقِ مَن يُنجِز أولاً، ومَن يظهرُ كثيراً، ومَن يردُّ سريعاً! ومع الوقتِ، يتحوَّلُ كلُّ ذلك إلى عبءٍ صامتٍ، نحمله دون أن نسأل إن كان مناسباً لنا أم لا!

تمتلئ أيامُك بالتفاصيلِ، وأحياناً، لا بدافعِ الشغفِ بل بدافعِ الخوفِ من الفراغِ وعدمِ الإنجازِ والفشل، تخشى اللحظاتِ الهادئة، لأنها ستكشفُ ما تُؤجِّله، وتُدرك تعبك الحقيقي، وأشياءَ عدة، لن تعرفَ كيف تُواجهها دون ضجيجٍ، يُخفِّف من حدَّتها عليك. تظنُّ بأن الإحباطَ، والإرهاقَ الذي تشعرُ به، يأتيك فجأةً، لكنَّه يتسلَّلُ داخلك ببطءٍ، يختفي خلفَ الاعتيادِ على الركضِ مرَّاتٍ لأمورٍ تجهلها حتى تُصبح مُتعباً دون سببٍ واضحٍ، ومُثقلاً دون حدثٍ كبيرٍ، وكأنَّ أنفاسك استُهلكت، وطاقتك نفدت من لا شيء!

تكتشفُ بأن الهدوء، لم يعد رفاهيَّةً، ولا حالةً، تصلُ إليها عند تفرُّغك، بل بات ضرورةً نفسيَّةً، أنت في حاجةٍ إليها لتستمر، وهو لا يعني انسحابك من الحياة، ولا تقليلاً من طموحك، وأن توقُّفك قليلاً لا يعني بأن الجميع سيسبقك ويصل، ربما لما لا تريدُ الوصولَ إليه، لكنَّك اعتدت على أن ترى الجميع يسعى بسرعةٍ تُخيفك من فواتِ الأوان، فالهدوءُ هو ضبطٌ للعلاقةِ مع ذاتك، ووقتك، ومع ما تسمحُ له بأن يقتربَ منك، وتقتربَ منه، وتعرفُ جيداً ما تودُّ الركضَ إليه، والوصول في حينه، وما اعتدت فقط عليه.

وأنت لست مُطالباً بأن تكون في أفضلِ حالاتك دائماً، ولا بأن تملأ كلَّ لحظةٍ بالإنجازِ، أو التفاعلِ، أو أي شيءٍ لمجرَّد أن تكون موجوداً، فبعضُ الفتراتِ في الحياةِ، وُجِدَت لتكون أخفَّ وأقلَّ وأبطأ. هي فتراتٌ تُواجه فيها نفسك دون قسوةٍ. نعم، العالمُ لن يتوقَّف حين تهدأ، لكنَّك تتوقَّفُ عن الاستنزافِ الصامتِ الذي لا يراه أحدٌ. تعرفُ متى تستمرُّ، ومتى تُخفِّف، ومتى تحتاجُ إلى التوازنِ في الحياةِ، وإلى عودةٍ أعمقَ لذاتك.