ميراي وهبي مهندسةٌ معماريَّةٌ داخليَّةٌ ومصمِّمةُ منتجاتٍ وفنَّانةٌ بريطانيَّةٌ لبنانيَّةٌ، تُعرَف بفخامةِ مشروعاتها مع ظهورها في الوقتِ نفسه في صورةٍ بسيطةٍ وأنيقةٍ، كما تشتهرُ بسعةِ ثقافتها، فالحديثُ معها لا يخلو من استشهاداتٍ بكتبٍ طالعتها، ونظرياتٍ تُؤمن بها، وقفزها إلى الحياةِ اليوميَّةِ حيث تجدُ صعوبةً في تربيةِ طفلَين توأمٍ، وُلِدا حديثاً في لندن. وقد أطلقت ميراي أخيراً مجموعةً من اللوحاتِ الزيتيَّةِ التي رسمتها خلال فترةِ حملها، أمَّا على صعيدِ العمارةِ الداخليَّة، فتنضحُ المشروعاتُ التي تتولَّاها بالرقي مع إيلاءِ الشكلِ والوظيفةِ أهميَّةً كبيرةً، وتُؤكِّد المهندسةُ في هذا السياق، أن المساحاتِ الداخليَّة، ليست مجرَّد أماكنَ نسكنها، بل هي بيئاتٌ، نعيشُ فيها، ونعملُ، ونتعلَّمُ، ونجتمعُ، ونرتاحُ، ونصنعُ الذكريات، ونحلم، بمعنى أنها قادرةٌ على تشكيلِ سعادتنا في كلِّ اللحظات. عن كلِّ ذلك وأمورٍ أخرى دارَ حوارنا معها في «سيدتي».
الرسم مساحة للاستقرار
كنتِ حاملاً حينما قرَّرتِ البدءَ في الرسمِ بالزيت، حدِّثينا أكثر عن هذه المرحلةِ التي يُقال إن مشاعرَ المرأةِ فيها تكون فوضويَّةً عادةً؟
يُنظَرُ إلى الحملِ بأنه فترةٌ للتقلُّبات العاطفيَّة، لكنَّه، بالنسبةِ لي، جلبَ شعوراً غير متوقَّعٍ بالوضوح. مع التغيُّرِ الجسدي، شعرتُ بالحاجةِ إلى التمهُّلِ، والاستماعِ إلى نفسي بتمعُّنٍ، وهنا، انبثق الرسمُ الزيتي بشكلٍ عفوي بوصفه استجابةً طبيعيَّةً، وليس قراراً. وعكسَ هندسةِ العمارةِ الداخليَّة التي تتَّسمُ بالهيكليَّة، وتخضعُ لرغباتِ العميل، أتاحَ لي الرسمُ العملَ مع عدمِ اليقين، والصبرِ، والتدرُّج. لقد عكَسَ ما كنت أختبره داخلياً، فبدلاً من أن تغمرني المشاعرُ، منحني الرسمُ مساحةً للاستقرار، وأصبح وسيلةً حدسيَّةً وهادئةً للتعاملِ مع التغيير.
بين المرحِ والألوانِ الصريحة، ولحظاتِ ومواقفِ الحياةِ اليوميَّة، قرأتُ لوحاتكِ الزيتيَّة، كيف تصفينها بدوركِ؟
أرى لوحاتي وسيلةً لإضفاءِ لمسةٍ من المرحِ على الحياةِ اليوميَّة. أنا أستلهمُ من لحظاتٍ عاديَّةٍ، وإيماءاتٍ بسيطةٍ، ومَشاهِدَ مألوفةٍ، ثم عبر المبالغةِ، والألوانِ الجريئة، والخطوطِ المُعبِّرة، تتحوَّلُ اللحظاتُ إلى قصصٍ مرحةٍ. لا أهتمُّ بالدقَّةِ بقدرِ اهتمامي بالشخصيَّة، فمن خلال تضخيمِ المشاعرِ والغرائب، يكشفُ العملُ عن جانبٍ إنساني عميقٍ حيث يتفوَّقُ كلٌّ من الفكاهةِ، وسردِ القصصِ على صرامةِ الواقع.
قد يهمك الاطلاع أيضاً على النسخة الديجيتال من عدد فبراير/ سيدتي 2026
مشاهد من الحياة اليومية

لماذا عُدتِ إلى الحقبةِ الجورجيَّة؟
ما يجذبني إلى عصرِ الريجنسي «فترةٌ فرعيَّةٌ من الحقبةِ الجورجيَّةِ الأطول»، وبشكلٍ أوسعَ إلى المطبوعاتِ الساخرةِ البريطانيَّةِ في القرنِ الـ 18 رصدُها الدقيقُ للمجتمع، واستعدادها للمبالغةِ فيه، فخلفَ الأناقةِ، والقواعدِ الاجتماعيَّة، كانت هذه الأعمال تُمعِن النظرَ في الحياةِ اليوميَّة مُحتضنةً الفكاهةَ، والإسرافَ، والتناقض. يُتيح لي الرسمُ الزيتي إعادةَ النظرِ في هذه اللغةِ البصريَّةِ بحريَّةٍ وثراءٍ مُترجمةً حساسيَّةً تاريخيَّةً إلى شيءٍ يبدو مُعبِّراً ومعاصراً، ويتناغمُ بشكلٍ طبيعي مع المساحاتِ الحديثة.
هندسةُ العمارة الداخلية والرسم
هل تُمثِّل اللوحاتُ الزيتيَّةُ تطوُّراً في مسيرتكِ بمجالِ هندسةِ العمارة الداخليَّة، أم أنها مجرَّد محطَّةٍ؟
أرى في اللوحاتِ تطوُّراً طبيعياً أكثر منه قطيعةً. لقد درَّبتني هندسةُ العمارةِ الداخليَّة على التفكيرِ في المساحةِ، والتناسبِ، والجوِّ العام، فيما الرسمُ يُوسِّع هذا المنظورَ نحو اتِّجاهٍ أكثر حدسيَّةً وسرديَّةً. هي ليست محطَّةً مؤقَّتةً، وإنما طبقةٌ أخرى من الممارسةِ نفسها، طبقةٌ لا تزالُ تُؤثِّر في طريقةِ تفكيري بالتصاميمِ الداخليَّة، والأشياءِ والقصصِ التي يمكن للمساحاتِ أن تحملها.
قطعِ أثاث أيقونية
في جلسةِ التصويرِ الخاصَّةِ بهذه اللوحات، حرصتِ على تنسيقِ قطعِ أثاثٍ أيقونيَّةٍ معها، لماذا؟
تنسيقُ اللوحاتِ مع قطعِ الأثاثِ المميَّزة كان مقصوداً. لقد أردتُ أن تتفاعلَ الأعمالُ الفنيَّةُ مع قطعٍ مصمَّمةٍ، تحملُ هويَّةً وتاريخاً عريقَين. يشملُ الأثاثُ الذي وفَّرَته «جاليري إن آوت» In Out Gallery في بيروت قطعاً عدة مثل كرسي PL61، وكرسي Egg الجلدي، وكرسي الاسترخاء PP225 بإطاره المصنوع من الفولاذِ المقاومِ للصدأ «ستانلس ستيل»، ومقعده المنسوج يدوياً، والمُغطى بغطاءٍ من جلدِ الغنم، إضافةً كرسي الاسترخاء PK24 الذي تجعله منحنياتُه الناعمةُ وشكلُه العضوي تصميماً فريداً ومميَّزاً. هذه الكراسي منحوتةٌ، ومعبِّرةٌ، وخالدةٌ تماماً مثل اللوحات. ويُبرِزُ وضعُ الأعمالِ الفنيَّةِ إلى جانبها كيف يمكنها أن تتعايشَ بشكلٍ طبيعي في المكان، وتُضيف طابعاً مميَّزاً، وسرداً دون أن تطغى عليه. وبفضلِ خلفيَّتي في الهندسةِ المعماريَّةِ الداخليَّة أُولي اهتماماً دائماً بكيفيَّةِ تعايش الفنِّ مع الأثاث، وكان هذا التنسيقُ وسيلةً للتعبيرِ عن هذه العلاقةِ بوضوحٍ وثقةٍ.
قد يهمك الاطلاع ايضاً على: شقة بيروتية تعانق البحر وتزخر بأعمال فنانين من العالم
حضور عاطفي على المكان
في مشروعاتِ هندسةِ العمارةِ الداخليَّةِ التي تحملُ توقيعكِ، تحرصين على جعلِ الفخامةِ بارزةً، والثقافةِ واضحةً من خلال تكليفِ مواهبَ تصميميَّةٍ وفنيَّةٍ شابَّةٍ بإعدادِ الإكسسواراتِ واللوحات، ما رابطُ ما تقدَّم مع لوحاتكِ الزيتيَّة؟
يكمنُ الرابطُ في إيماني بأن الفخامةَ تتجاوزُ الموادَّ، والتراث، وأنها متجذِّرةٌ في المعنى والأصالة. في مشروعاتي على صعيدِ هندسةِ العمارةِ الداخليَّة، أركِّزُ على كمالِ الموادِّ، والهندسةِ النظيفة، والوضوحِ المكاني لخلقِ بيئاتٍ متوازنةٍ حيث يتناغمُ الشكلُ والوظيفة. في هذا الإطار، أتعاونُ غالباً مع مصمِّمين وفنَّانين شبابٍ، لأن أعمالهم تُضفي نضارةً، وسرداً، وعمقاً ثقافياً. لوحاتي الزيتيَّةُ تنبثقُ من الفلسفةِ نفسها، فمثل القطعِ الفنيَّة، والأشياءِ المختارةِ بعنايةٍ التي أضعها في المساحاتِ الداخليَّة، تهدفُ الرسومُ إلى إضفاءِ طابعٍ مميَّزٍ، وروايةٍ قصصيَّةٍ، وحضورٍ عاطفي على المكان. إن فلسفتي في التصميمِ تقومُ على فنِّ العيش أي أن المكانَ قادرٌ على تشكيلِ سعادتنا، والتأثيرِ في سلوكنا سواء من خلال تصميمٍ داخلي، أو لوحةٍ فنيَّةٍ. مهتمَّةٌ بالأعمال التي تبدو نابضةً بالحياة، ومتفاعلةً ثقافياً، وقادرةً على الارتقاءِ بالمكانِ إلى أبعدِ من مجرَّد كونه مكاناً للزينة.
ليوناردو دافنشي
لو طلبتُ منكِ أسماءَ رسَّامين تُفضِّلينهم، هل سيكونون جميعاً، أو أحدهم على الأقلِّ من عصر الريجنسي؟
ليس تماماً. لقد دفعتني إقامتي في لندن إلى استكشافِ التاريخِ البريطاني، وكان عصرُ الريجنسي مرجعاً مهماً لهذه السلسلة، لا سيما أسلوبُه في رصدِ الحياة اليوميَّةِ بروحِ الدعابةِ والمبالغة. أردتُ فهمَ الثقافةِ البصريَّةِ الكامنةِ وراءَ ما ألهم اللوحات، وفي الوقتِ نفسه، أن تتَّسعَ مصادرُ إلهامي، لتشملَ مجالاتٍ أكبر. بصفتي مهندسةً معماريَّةً داخليَّةً، تعملُ على الصعيد الدولي، أستلهمُ من فنَّانين من عصورٍ مختلفةٍ، غيَّروا نظرتنا إلى الفن، بدءاً من ليوناردو دافنشي، ووصولاً إلى تيرنر، ومونيه، وفان جوخ، وسيزان. ما يهمني ليس العصرَ بحدِّ ذاته، بل كيف يرصدُ الفنَّانون الواقعَ، ويُحوِّلونه إلى شيءٍ مُعبِّر وذي معنى.
