mena-gmtdmp

أم الدنيا.. لماذا يُطلَق على مصر هذا اللقب؟ 5 محطات تكشف الأسرار!

يعد لقب أم الدنيا ختماً لجودة تاريخية منحته الإنسانية لمصر
يعد لقب أم الدنيا ختماً لجودة تاريخية منحته الإنسانية لمصر

نرددها دائماً بعفوية، نكتبها في تعليقاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي، وتتغنى بها الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج: "مصر أم الدنيا"، لكن، هل توقفت يوماً لتسأل نفسك: لماذا "أم" تحديداً؟ ولماذا لم تُوصف أي دولة أخرى في العالم بهذا الوصف الدافئ والعميق؟

في هذا الموضوع قررنا أن نبتعد عن التفسيرات التقليدية والكتب المدرسية المعقدة؛ لنأخذكم في رحلة صحفية مشوِّقة، نغوص فيها في عبقرية المكان، ونكشف أسراراً مدهشة عن البلد الذي قرر أن يكون "أماً" لملايين البشر عبر التاريخ. جهزوا فنجان القهوة، واستعدوا لاكتشاف الوجه الآخر لـ "أم الدنيا".

أهرامات الجيزة وأبو الهول بشموخهما الخالد؛ شاهدان على أسرار الحضارة الأولى التي توجت مصر بلقب أم الدنيا (Photo by Spencer Davis on Unsplash)

المحطة الأولى: موت.. عندما تكون الأم نسراً يحمي الجميع!

لنتخيل معاً بدايات التاريخ الإنساني، حيث كانت اللغة المصرية القديمة مرآةً تعكس عمق تفكير هذا الشعب. هل تعلمون كيف كتب المصري القديم كلمة "أم"؟ لقد استخدم رمزاً صوتياً يُنطق "موت" (Mwt)، والمفاجأة أن الرمز التصويري المستخدم لتمثيل هذه الكلمة كان طائر "الرخمة" أو ما يُعرف بـ "العقاب المصري".
​لماذا هذا الطائر تحديداً؟ لأن القدماء راقبوا الطبيعة بذكاء؛ فوجدوا في أنثى العقاب رمزاً للتفاني، فهي تمتلك جناحين واسعين تستخدمهما كـ "مظلة" طبيعية تحتضن بها صغارها وتحميهم، تماماً كما تفعل الأم. ومن هنا، تبلورت فكرة أن مصر هي "النسر الأم" (بالمفهوم الرمزي للحماية) التي تظلل بأجنحتها على كل من يحتمي بها، وهي العقيدة التي تجسدت في الايقونة "موت".
​ولم يتوقف دور مصر كـ "أم" عند حدود الحماية، بل امتد ليكون "أماً للعلم والحكمة". ففي الوقت الذي كانت فيه حضارات العالم تهمش المرأة، كانت مصر تمنحها أرفع الألقاب الطبية القيادية. وهنا تبرز القصة الحقيقية للطبيبة "بسشيت" (Peseshet) التي عاشت في عصر الأسرة الرابعة (حوالي 2500 ق.م). لم تكن "بسشيت" مجرد ممارسة للمهنة، بل حملت لقباً رسمياً بالهيروغليفية هو (imy-r swnwt) أي "مشرفة الطبيبات"، مما يؤكد وجود كادر طبي نسائي منظم كانت هي رئيسته.
​لقد كانت مصر، ومنذ فجر التاريخ، هي "الأم" التي تداوي وتعالج وتعلّم العالم، مستمدةً قوتها من علم "بيت الحياة" الذي خرّج للعالم أولى القيادات النسائية في تاريخ الطب البشري.

جدارية فرعونية تُظهر المرأة المصرية القديمة لتعكس مكانتها الرفيعة كشريكة أساسية في بناء حضارة أم الدنيا (Photo by Lea Kobal on Unsplash)

المحطة الثانية: روما كانت تجوع.. ومصر هي "الأم المُغذية"

دائماً ما ترتبط الأمومة بالعطاء والإطعام. وإذا نظرنا إلى نهر النيل؛ فسنجد أنه كان أشبه بـ"شريان حياة" يتدفق بانتظام شديد، ليعلِّم المصريين الصبر والتخطيط والزراعة.

لكن الأمومة المصرية لم تقتصر على أبنائها فقط؛ ففي عصر الإمبراطورية الرومانية، كانت مدينة روما تعج بمئات الآلاف من السكان الجائعين. ولتجنب الثورات، ابتكر الأباطرة الرومان نظاماً يُعرف بـ"الأنونا" (Annona)، وهو نظام لتوزيع القمح والمؤن المجانية على أكثر من 200 ألف مواطن روماني. من أين كان يأتي هذا القمح؟ جزء كبير يأتي من خصوبة أرض مصر وحصاد فلاحيها!

لقد كانت مصر تدفع ضريبة باهظة من الغلال لإطعام عاصمة الإمبراطورية. تحولت مصر فعلياً إلى "سلة غلال العالم"، وكانت تقوم بدور الأم المغذية، التي لو توقفت عن العطاء لأسابيع قليلة؛ لتأزم العالم القديم  بأكمله جوعاً. أليست هذه هي أقصى درجات الأمومة؟ أن تحمل عبء إعاشة الآخرين على كتفيك!

مشهد ساحر للقاهرة التاريخية وقت الغروب، حيث تتعانق المآذن مع سماء العاصمة لتجسد عظمة وعراقة الدفء في حضن "أم الدنيا"

المحطة الثالثة: حضن دافئ لـ72 جنسية مختلفة!

التاريخ مليء بالدول القوية والإمبراطوريات العظمى، لكن القليل منها يمتلك "طاقة الاحتواء". في العصور الوسطى والحديثة، لم تكن مصر مجرد وجهة سفر، بل كانت "ملاذاً".

يقول مؤسس علم الاجتماع، ابن خلدون، عندما زار القاهرة، إنها "بستان العالم ومحشر الأمم". ولاحظ أن الناس من كل مكان يسافرون إليها هرباً من الفقر أو بحثاً عن العلم، لأنهم يعرفون أن هذه المدينة الكبيرة لن تخذلهم. وفي مذكرات الرحالة القدامى، ذُكر صراحة أن سبب تسمية مصر بـ"أم الدنيا" هو احتواؤها على 72 أمة وجنسية مختلفة، يعيشون جميعاً بسلام دون أن يشعر أحد بأنه غريب.

هل تذكرون الإسكندرية؟ في القرن العشرين، كانت رحماً ثانياً لآلاف اليونانيين، والطليان، والأرمن. الفنانة العالمية "داليدا"، التي وُلدت في شبرا، ظلت حتى آخر يوم في حياتها تقول إن مصر هي "أمي وبلدي". والشاعر اليوناني العظيم "كفافيس" كتب قصائد خلدت الإسكندرية، معتبراً إياها الأم التي لا يمكن الفرار من سحرها. مصر تفتح ذراعيها دائماً، تستقبل الهاربين من جحيم الحروب أو الباحثين عن لقمة العيش، تدمجهم في نسيجها، وتجعلهم "مصريين" بالروح، وهذا هو سر التسمية الحقيقي.

كانت الإسكندرية في القرن العشرين رحماً ثانياً لآلاف اليونانيين، والطليان، والأرمن

المحطة الرابعة: "ماما" التي شكلت وجداننا العربي

في العصر الحديث، لم تَعُد الأمومة تُقاس بتصدير القمح، بل بتصدير الثقافة. من منا لم يضحك من قلبه على إفيهات مسرحيات عادل إمام وسعيد صالح؟ من منا لم تبكِ والدته أمام دراما فاتن حمامة وعمر الشريف؟ ومن لم يدندن مع روائع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ؟ لقد دخلت السينما المصرية والمسرح والأغنية إلى كل بيت عربي. هذا الفن لم يكن للترفيه فقط، بل كان يشكل "الوجدان العربي".

بفضل هذا الإشعاع الفني والثقافي، أصبحت اللهجة المصرية بمنزلة "اللغة الأم" الموازية التي يفهمها الجميع دون الحاجة إلى مترجم. لقد ربت مصر أجيالاً عربية متعاقبة على مفاهيم الحب، الوطنية، الشجاعة، والفكاهة أيضاً. وكما تقوم الأم بغرس القيم والأخلاق في أبنائها، قامت الشاشات وأثير الإذاعة المصرية بهندسة العاطفة والذوق العربي لعقود طويلة.

كوكب الشرق.. صوت "أم الدنيا" الذي شكّل الوجدان العربي (Photo by AFP)

 

النيل العظيم.. شريان العطاء ونبض الحياة لـ "أم الدنيا"

ختاماً.. عبقرية العطاء التي لا تنضب

يعد لقب أم الدنيا ختماً لجودة تاريخية منحته الإنسانية لمصر

لم يكن لقب "أم الدنيا" مجاملة لطيفة أو منحة مجانية؛ بل هو "ختم جودة تاريخي" منحته الإنسانية لمصر.

هي "أم" في اللغة والفلسفة منذ أيام المصريين القدماء، هي "أم" في إطعام العالم القديم من طمي نيلها، هي "أم" في احتضانها لـ72 جنسية دون تفرقة، وهي "أم" في تربيتها الفنية والثقافية للوجدان العربي.

 فتحية لـ"أم الدنيا"، مهد الحضارة المفتوح التي تصدق دائماً وعدها بتجديد الحياة.

تابعوا المزيد عن السياحة في مصر: 7 فنادق ومنتجعات سياحية في أسوان ترسم لك ذكريات لا تُنسى