يأتي "اليوم العالمي للتوحد" هذا العام تحت شعار "التوحد والإنسانية.. لكل حياة قيمة"، وهو شعار يجسد أهمية استثمار السمات الفريدة لذوي التوحد، وضمان بيئة اجتماعية تمكنهم من الازدهار وإحداث فرق ملموس في مجتمعاتهم.
وفي المملكة العربية السعودية، وفي ظل الحراك الكبير في مجالات الدمج والتدريب والتأهيل لذوي الاضطرابات المختلفة تحت مظلة رؤية 2030، نشهد تحولاً في النظرة المجتمعية لاضطراب طيف التوحد من كونه "عائقاً" إلى كونه "طاقة إبداعية"، مما ساهم في تحويل التحديات إلى قصص نجاح ملهمة في مختلف الميادين...
وفي هذا السياق تبرز الجمعيات كركيزة أساسية في دائرة الدعم والتوعية، ولتسليط الضوء على هذا الدور، نستضيف في حوار خاص الدكتور طلعت بن حمزة الوزنة، الأمين العام للجمعية السعودية للتوحد، واستشاري أمراض المخ والأعصاب.
حراك نوعي ومتسارع

هل تغيرت الصورة النمطية التي ترى التوحد كعائق، ليصبح طاقة دافعة نحو التميز والإبداع؟
لا يمكن الجزم بأن الصورة النمطية تغيرت بصفة كاملة، لكن ولله الحمد أصبح عدد كبير من المجتمع ينظر لهذه الفئة بصورة إيجابية ويتقبل سلوكها وتصرفاتها، وكلما تفاعل معها بطريقة إيجابية واحتوى هذا السلوك، تحسن الأداء والتفاعل المشترك.
والأمر يحتاج طبعاً إلى المزيد من الجهد في نشر هذه الثقافة والوعي، والتوسع في تقديم الخدمات الشاملة لذوي اضطراب طيف التوحد من خلال مراكز متخصصة، والسعي لتأهيل المزيد من الكوادر البشرية المتخصصة في مختلف التخصصات التي تخدم ذوي اضطراب طيف التوحد.
كيف تقيّمون الحراك الذي تشهده المملكة العربية السعودية لدعم ذوي اضطراب طيف التوحد؟ وإلى أي مدى تحقق الدمج الاجتماعي الشامل اليوم؟
تشهد المملكة العربية السعودية حراكًا نوعيًا ومتسارعًا في دعم ذوي اضطراب طيف التوحد مع التركيز على استمرارية الكشف المبكر وبرامج التدخل المبكر، وتمكينهم عبر مراكز متخصصة للرعاية والتأهيل، وإصدار بطاقات التسهيلات عبر وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. وتبرز جهود الجمعية السعودية الخيرية للتوحد في تقديم الدعم النفسي والتربوي، مع مساعٍ حثيثة لزيادة الوعي المجتمعي والدمج التعليمي والاجتماعي، مع وجود نمو محدود في أعداد مراكز الرعاية النهارية التي تقدم الخدمات الشاملة لذوي اضطراب طيف التوحد في إطار الدعم الحكومي والتسهيلات التي توفرها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، ويمثلها في الجانب الإشرافي المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
ويمكن تقييم حراك الدعم من خلال النقاط التالية:
- الخدمات التأهيلية والتربوية: تزايد مراكز الرعاية النهارية الخاصة برعاية وتأهيل فئات اضطراب طيف التوحد سواء التابعة لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، أو وزارة الصحة، أو وزارة التعليم، مع إتاحة وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية إصدار بطاقة توحد إلكترونية لتسهيل الخدمات.
- الدعم المؤسسي والتمكيني: العمل على استراتيجية متكاملة تشمل التدريب والبحث وتأهيل الكوادر البشرية والوطنية.
- التشخيص والتدخل: إعداد بروتوكول موحد للتشخيص والبرامج العلاجية من قبل برنامج الأمير محمد بن سلمان للتوحد وبرنامج المركز الصحي السعودي.
- أبحاث ومبادرات نوعية: التأكيد على أهمية إجراء دراسة مسحية ميدانية على مستوى المملكة للوقوف على نسبة انتشار الاضطراب، والتي تعتبر أولى خطوات التخطيط الاستراتيجي والذي يتوافق مع حجم المشكلة.
أما بالنسبة للدمج الاجتماعي لفئات اضطراب طيف التوحد، فقد حقق تقدماً ملحوظاً بفضل زيادة الوعي المجتمعي والكشف والتدخل المبكر، مما أدى لاعتماد سياسات واستراتيجيات تعليمية ومجتمعية. ومع ذلك، لا يزال الدمج يواجه تحديات تتعلق بنقص الكوادر البشرية المؤهلة وصعوبات التفاعل الاجتماعي والحاجة إلى دعم أكثر تخصصاً.
ويشمل الدمج حالياً:
- الدمج التعليمي: وضع العديد من الحالات في فصول التعليم العام (دمج جزئي أو كامل) مع التركيز على التدخل المبكر الذي يحسن النتائج الدراسية والاجتماعية.
- الدمج البيئي/المجتمعي: توفير بيئات مناسبة كالحدائق والأماكن الترفيهية.
- الدمج المكاني/المهني: لزيادة الاستقلالية.
اقرأوا أيضاً: كيف أعرف أن طفلي مصاب بالتوحد في عمر سنة ونصف؟
استراتيجيات وبرامج

ما أبرز الاستراتيجيات والبرامج التي تتبناها الجمعيات لتحويل (التحدي) إلى (إنجاز) ملموس على أرض الواقع؟
- البرامج التأهيلية المنظمة: تفعيل برامج مثل ABA (تحليل السلوك التطبيقي) لتعديل السلوك وتنمية المهارات، والتعلم بالملاحظة، والمحاكاة لتعزيز المهارات الاجتماعية.
- استراتيجيات الدمج (الأكاديمي والاجتماعي): مشاريع تهدف لدمج الأطفال في مدارس التعليم العام وتهيئة بيئات تعليمية مرنة تدعم احتياجاتهم الخاصة.
- تمكين الأسر والتدريب: إطلاق مبادرات لزيادة الوعي الأسري وتقديم الدعم النفسي والتدريب للأسر لرفع كفاءتهم في التعامل مع سلوكيات التوحد لتخفيف الضغوط الأسرية.
- استخدام التقنيات الحديثة (التكنولوجيا المساعدة): تبني تطبيقات ذكية لتنمية المهارات واستثمار التقنية لتوفير بيئات عمل ووسائل مساعدة.
- التأهيل المهني والتوظيف: توفير برامج تدريبية وتأهيلية تمكن ذوي اضطراب طيف التوحد من الوصول إلى الاستقلالية المالية والانخراط في سوق العمل.
- الشراكات والاستراتيجيات التوعوية: التعاون مع الجهات ذات العلاقة لتنظيم حملات توعوية مستمرة وتأسيس أوقاف لضمان استدامة الخدمات.

ما أكبر العقبات التي لا تزال تواجه ذوي اضطراب طيف التوحد في بيئتنا الاجتماعية وكيفية تذليلها لضمان جودة حياتهم؟
أبرز التحديات والعقبات الاجتماعية هي:
- ضعف الوعي والقبول المجتمعي: يواجه ذوو اضطراب طيف التوحد سوء فهم لطبيعة اضطرابهم.
- عقبات التواصل والتفاعل: صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية، وتعابير الوجه واللغة غير اللفظية مما يسبب عزلة اجتماعية.
- التحديات الحسية والسلوكية: الحساسية المفرطة تجاه الأصوات أو الأضواء أو الروائح التي قد تسبب نوبات غضب أو سلوكيات انسحابية.
- ضعف فرص الدمج وقلة التسهيلات في الأماكن العامة والمدارس وصعوبة الحصول على وظائف مناسبة مما يحدّ من استقلاليتهم.
- ضغوطات أسرية: تواجه الأسر تحديات مالية ونفسية واجتماعية في رعاية وتأهيل أبنائهم.
أما سبل تذليل العقبات فتكمن في:
- نشر الوعي المجتمعي: حملات توعوية مستمرة لتصحيح المفاهيم الخاطئة.
- تعزيز الدمج التعليمي والوظيفي: توفير بيئات تعليمية مهيأة وتدريب العاملين وتطبيق برامج توظيف شاملة.
- التدريب على المهارات الاجتماعية: تقديم جلسات تأهيلية لتعليم مهارات التواصل وإدارة السلوك والتفاعل الاجتماعي.
- توفير الدعم لأسرالحالات: تقديم الدعم النفسي والمالي وتوفير مراكز تأهيلية متخصصة.
- تهيئة البيئة (التصميم الشامل): تصميم أماكن عامة تراعي الحساسية الحسية (هدوء، إضاءة مناسبة) وتوفير أدوات مساعدة.
سمات تفرد ونقاط قوة
من خلال مواكبتكم الميدانية، حدثونا عن أبرز قصص النجاح التي رصدتها الجمعية لأشخاص تحدوا طيف التوحد وحققوا طموحات استثنائية؟
إحدى الحالات الملهمة، شاب ولد في بداية التسعينيات، عانى منذ ولادته من مشاكل في النمو وتم تشخيصه باضطراب طيف التوحد. ساعدت الجمعية السعودية الخيرية للتوحد والديه بإرساله إلى مركز متخصص في الولايات المتحدة الأمريكية. تدرج في المراحل الدراسية والتأهيلية هناك حتى حصل على درجة البكالوريوس والماجستير من الولايات المتحدة الأميركية، وماجستير آخر من أستراليا. يبلغ عمره الآن ما يقارب 35 سنة، وهو حالياً من رواد الأعمال الناجحين في مجال التصميم الجرافيكي.
ما السمات الإيجابية والقدرات الخاصة التي تجعل من بعض ذوي التوحد شخصيات فريدة ومبدعة في مجالات معينة؟
يتميز بعض المصابين باضطراب طيف التوحد بـ:
- التركيز المفرط والانتباه للتفاصيل الدقيقة: قدرة فائقة على الانغماس التام في مهمة معينة لساعات طويلة مع دقة ملاحظة مذهلة للتفاصيل الصغيرة التي قد يغفل عنها الآخرون.
- الذاكرة القوية والمعرفية: يمتلكون ذاكرة انتقائية قوية جداً للمعلومات، والأرقام، والأحداث خاصة في مجالات اهتمامهم.
- التفكير البصري والقدرات المكانية: يتميز العديد من حالات اضطراب طيف التوحد بالقدرة على تصور الأمور بصرياً مما يساعدهم في الرسم، التصميم، الهندسة، حيث يرسمون ما تقع عليه العين بدقة كاميرا التصوير.
- الصدق والالتزام: يتسمون بصدقهم الشديد ووفائهم في العلاقات مع الالتزام بالمهام المسندة إليهم.
- المنظور الفريد والإبداع: يميلون إلى التفكير خارج الصندوق، مما يوفر رؤى إبداعية وحلولاً مبتكرة للمشكلات المعقدة.
- حساب التقويم والمواهب الموسيقية: تظهر بعض المواهب النادرة (توحد عبقري) في الحسابات الذهنية أو العزف الموسيقي.
أما المجالات التي يتألق فيها ذوو اضطراب طيف التوحد فهي:
- المجالات التقنية: البرمجة، علوم الكمبيوتر، تحليل البيانات.
- الفنون والتصميم: الرسم، التصوير الفوتوغرافي، التصميم الجرافيكي.
- العلوم والبحث: البحث العلمي، الرياضيات، المجالات التي تتطلب بحثاً عميقاً.
- الموسيقى: العزف.

من واقع تواصلكم المستمر مع الأهالي، ما هي الجوانب الجوهرية والنصائح التي توجهونها للأهالي لدعم مسيرة أبنائهم بمناسبة اليوم العالمي للتوحد؟
- إنشاء روتين يومي منظم: يميل المصابون بالتوحد إلى التمسك بروتين محدد، لذا يجب وضع جدول ثابت للأكل والدراسة واللعب، وتنبيه الطفل مسبقاً قبل أي تغيير.
- استخدام الوسائل المرئية (القصص الاجتماعية): تساعد الصور والرسوم البيانية في شرح المواقف الاجتماعية وتفاصيل اليوم، خاصة قبل الزيارات أو التنقلات مثل التسوق.
- فهم الاحتياجات الحسية: قد يعاني الأطفال من حساسية تجاه الأصوات، الأضواء، أو الروائح، لذا يجب تهيئة بيئة منزلية هادئة ومريحة حسياً.
- تعزيز الاستقلالية: تشجيع الطفل على القيام بمهامه الشخصية بنفسه لتنمية ثقته بنفسه ومهاراته اليومية.
- التدريب على التواصل: استخدام لغة بسيطة أو الصور أو أجهزة التواصل لمساعدتهم على التعبير عن احتياجاتهم.
- الدمج في الأنشطة العائلية: إشراك الطفل في أنشطة حركية كالمشي والركض أو اجتماعية لتعزيز التواصل وتقليل التوتر.
- البحث عن الدعم النفسي والاجتماعي: الانضمام إلى مجموعات دعم الآباء والاستعانة بالمختصين النفسيين وتبادل الخبرات مع أسر أخرى.
- العناية الذاتية لمقدمي الرعاية: يجب على الأهل تخصيص وقت للراحة والاسترخاء لتجنب الاحتراق النفسي، وطلب المساعدة من الأصدقاء والأقارب.
- التعرف إلى الحقوق القانونية: الاطلاع على الخدمات والتعليم الخاص وحقوق الرعاية المتاحة في منطقتك لضمان بيئة آمنة وداعمة.
وأخيراً نصيحة ذهبية: تقبّل طفلك كما هو، ركّز على نقاط قوته، واحتفل بإنجازاته الصغيرة.
