يتم الاحتفال بيوم الصحة العالمي في السابع من أبريل من كل عام ، وهو التاريخ الذي أُسِست فيه منظمة الصحة العالمية؛ ويهدف هذا اليوم إلى زيادة الوعي حول القضايا الصحية المختلفة، وتحفيز الأشخاص والمؤسسات على اتخاذ خطوات فعالة لتحقيق الصحة العامة.
ومن أهم المواضيع التي يركز عليها هذا اليوم في العام 2026 هي الكشف المبكر عن السمع عند الأطفال.
الدكتور داني السلوم من قسم طب الأطفال وحديثي الولادة في مستشفى ميد كير للنساء والأطفال في دبي، يحدثنا عن هذه التفاصيل.
في يوم الصحة العالمي، تتجدد الدعوة للتفكير في مفهوم الصحة بمعناه الشامل، الذي لا يقتصر على ما نراه بالعين المجردة، بل يمتد ليشمل الجوانب غير المرئية التي تؤثر بشكل عميق في جودة حياتنا. ومن بين هذه الجوانب، تبرز حاسة السمع كعنصر أساسي في نمو الأطفال وتطورهم، إذ تمثل البوابة الأولى التي يتعرفون من خلالها إلى العالم من حولهم، ويتعلمون عبرها اللغة والتواصل وبناء العلاقات.
كثيراً ما يتردد على ألسنة الآباء تساؤلات تحمل القلق والحيرة، مثل: "لماذا لا يستجيب طفلي عندما أناديه؟" أو "هل من الطبيعي أن يتأخر في الكلام مقارنةً بأقرانه؟".
وعلى الرغم من أن هذه التساؤلات شائعة، إلا أن السمع غالباً لا يكون أول ما يُفكر فيه كسبب محتمل، ما يؤدي إلى تأخر اكتشاف المشكلة، وبالتالي تأخر التدخل المناسب.
أول 1000 يوم: أساس النمو السليم

تشكل السنوات الأولى من حياة الطفل، وخاصة أول عامين، مرحلة حاسمة في بناء الدماغ وتطوره. ففي هذه الفترة، تتكون ملايين الروابط العصبية التي تعتمد بشكل كبير على التحفيز الحسي، وعلى رأسه السمع. فالأصوات التي يسمعها الطفل يومياً – من كلمات الأم، ونبرة صوت الأب، والأصوات المحيطة – تسهم في تشكيل إدراكه وفهمه للعالم.
ولا يقتصر دور السمع على مجرد استقبال الأصوات، بل يتعداه ليشمل:
- تنمية المهارات اللغوية والتعبير اللغوي
- تعزيز الذاكرة والقدرة على الفهم
- بناء الروابط العاطفية مع الوالدين ومحيط الأسرة
- تطوير المهارات الاجتماعية والتفاعل مع الآخرين
وعندما يكون السمع ضعيفاً أو غير واضح، فإن هذه العمليات الحيوية قد تتأثر، مما ينعكس سلباً على تطور الطفل بشكل عام، وقد يؤدي إلى تأخر في الكلام وصعوبات في التعلم، بل وحتى تحديات سلوكية نتيجة الإحباط أو عدم القدرة على التعبير.
مراحل تطور السمع: مؤشرات لا بد من الانتباه لها

يمر الطفل بمراحل تطورية واضحة فيما يتعلق بالسمع والتفاعل مع الأصوات، ويمكن للوالدين ملاحظة هذه المؤشرات بسهولة إذا كانوا على دراية بها:
من الولادة حتى 3 أشهر:
- يستجيب للأصوات العالية من خلال الارتجاف أو البكاء
- يهدأ عند سماع صوت مألوف، خاصة صوت الأم
من 4 إلى 6 أشهر:
- يبدأ بالالتفات نحو مصدر الصوت
- يصدر أصواتاً بسيطة ويبدأ في "المناغاة"
من 7 إلى 12 شهراً:
- يتعرف إلى اسمه ويستجيب له
- يفهم بعض الكلمات البسيطة ويبدأ بالتفاعل معها
من سنة إلى سنتين:
- يبدأ بنطق كلمات واضحة
- يستطيع اتباع تعليمات بسيطة مثل "تعال" أو "اجلس"
إذا لاحظ الأهل أن طفلهم لا يحقق عدداً من هذه المؤشرات في الوقت المتوقع، فقد يكون ذلك إشارة تستدعي إجراء تقييم سمعي شامل.
إشارات تحذيرية قد يغفل عنها الكثيرون

لا تظهر مشكلات السمع عند الأطفال دائماً بشكل واضح، بل قد تتخفى خلف سلوكيات يظنها البعض طبيعية أو مرتبطة بشخصية الطفل. ومن أبرز هذه الإشارات:
- تجاهل النداء أو عدم الاستجابة المتكررة
- تأخر في النطق أو صعوبة في نطق الكلمات
- الحاجة إلى رفع صوت التلفاز أو الأجهزة اللوحية
- صعوبة في فهم التعليمات أو تنفيذها
- التشتت أو الظهور بمظهر غير منتبه
في كثير من الحالات، يتم تفسير هذه السلوكيات على أنها عناد أو قلة تركيز، بينما يكون السبب الحقيقي مرتبطاً بضعف في السمع.
أسباب شائعة يمكن علاجها

تتعدد الأسباب التي قد تؤدي إلى ضعف السمع لدى الأطفال، ومن المهم معرفة أن العديد منها قابل للعلاج، خاصة عند اكتشافه مبكراً. ومن أبرز هذه الأسباب:
- التهابات الأذن الوسطى، التي تؤدي إلى تراكم السوائل وضعف مؤقت في السمع
- انسداد قناة الأذن بالشمع
- فقدان السمع الخِلقي
- ما يُعرف بـ"الأذن اللاصقة" نتيجة وجود سوائل مستمرة
- التعرض المستمر للأصوات العالية من الألعاب أو الأجهزة الإلكترونية
الوعي بهذه الأسباب يساعد الأهل على اتخاذ خطوات وقائية، كما يسهم في سرعة التوجه إلى المختصين عند الحاجة.
العلاقة بين السمع والكلام: سلسلة مترابطة
يعتمد تطور اللغة لدى الأطفال على سلسلة مترابطة تبدأ بالسمع وتنتهي بالكلام. ويمكن تلخيص هذه العملية في ثلاث مراحل رئيسية:
- استقبال الصوت عبر الأذن
- معالجة الصوت وفهمه في الدماغ
- تقليد الأصوات وتحويلها إلى كلمات وجمل
أي خلل في هذه السلسلة، خاصة في المرحلة الأولى، قد يؤدي إلى تأثير مباشر على المراحل التالية. ولهذا، فإن الطفل الذي لا يسمع بشكل واضح قد يواجه صعوبة في النطق أو تكوين الجمل، حتى وإن كانت قدراته العقلية طبيعية.
وقد يظهر هذا الأمر على شكل عدم استجابة أو ضعف في التفاعل، ما قد يُساء تفسيره على أنه مشكلة سلوكية، بينما الحقيقة أن الطفل لا يسمع بشكل كافٍ ليتمكن من التفاعل.
أهمية الفحص الدوري: الوقاية أفضل من العلاج

رغم أن فحص السمع عند الولادة أصبح إجراءً شائعاً ومهماً، إلا أنه لا يكفي لضمان سلامة السمع طوال مراحل الطفولة. فقد تتغير الحالة السمعية للطفل نتيجة التهابات متكررة أو عوامل بيئية.
لذلك، يُنصح بإجراء فحوصات دورية للسمع، خاصة في حال وجود أي من العلامات التحذيرية. وتكمن أهمية هذه الفحوصات في:
- الكشف المبكر عن أي مشكلات محتملة
- بدء العلاج أو التدخل في الوقت المناسب
- تقليل التأثيرات طويلة المدى على التعلم والتطور
التدخل المبكر لا يحسن فقط من قدرات الطفل اللغوية، بل يعزز أيضاً ثقته بنفسه وقدرته على الاندماج في المجتمع.
دور الأهل: خط الدفاع الأول
يلعب الوالدان دوراً محورياً في ملاحظة أي تغيرات في سلوك الطفل أو تطوره. وهناك مجموعة من الخطوات العملية التي يمكن اتباعها لدعم صحة الطفل السمعية:
- التحدث مع الطفل بشكل مستمر، حتى في سن مبكرة، لتحفيز اللغة
- قراءة القصص والغناء له لتعزيز التفاعل السمعي
- الحفاظ على مستوى صوت معتدل عند استخدام الأجهزة الإلكترونية
- مراقبة الأنماط السلوكية بشكل مستمر، وليس الاعتماد على مواقف فردية
- استشارة الطبيب فور الشك بوجود مشكلة
- الثقة بحدس الأهل، فهو غالباً ما يكون دليلاً مهماً
وفي ظل التطور التكنولوجي وانتشار الأجهزة الذكية، أصبح الأطفال أكثر عرضة لمصادر الصوت المرتفعة، ما يزيد من أهمية التوعية بالصحة السمعية. كما أن تسليط الضوء على هذا الجانب في المناسبات الصحية العالمية يساهم في تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الفحص المبكر، كما أن بناء جيل صحي لا يعتمد فقط على التغذية الجيدة أو النشاط البدني، بل يشمل أيضاً الاهتمام بالحواس الأساسية، وعلى رأسها السمع، الذي يشكل حجر الأساس في التعلم والتواصل.
في يوم الصحة العالمي، من الضروري أن نعيد النظر في فهمنا للصحة، وأن ندرك أن ما لا نراه قد يكون له تأثير عميق على حياة أطفالنا. فالسمع ليس مجرد حاسة، بل هو أداة أساسية لبناء مستقبل الطفل. لذلك فإن الاهتمام المبكر، والمتابعة المستمرة، والتدخل في الوقت المناسب، كلها عوامل تضمن نمواً سليماً ومتوازناً. ومن خلال وعي الأهل ودعمهم، يمكن للأطفال أن ينطلقوا بثقة نحو عالم مليء بالأصوات والمعاني والفرص.
إنها مسؤولية مشتركة تبدأ من المنزل وتمتد إلى المجتمع، لضمان أن كل طفل يُمنح الفرصة ليس فقط ليرى العالم، بل ليسمعه بوضوح ويكون جزءاً فاعلاً فيه.
أهمية الفحوصات الروتينية للأطفال بعد الولادة

