برحيل الموسيقار المغربي عبد الوهاب الدكالي، لا تفقد الساحة الفنية مجرد مطرب أو ملحن كبير، بل تودّع زمنًا كاملًا من الأصالة والرقي الموسيقي، وأحد أبرز الوجوه التي صنعت الهوية الحديثة للأغنية المغربية، وحملتها من حدود المحلية إلى فضاء الانتشار العربي الواسع.
رحل «مرسول الحب» عن عمر ناهز 85 عامًا، بعدما أمضى أكثر من نصف قرن وهو يكتب تاريخه الفني بصوت دافئ وألحان تحمل ملامح المغرب وروحه وحنينه، تاركًا خلفه أرشيفًا موسيقيًا هائلًا تحول إلى جزء من الذاكرة الجماعية العربية.
كان عبد الوهاب الدكالي واحدًا من الفنانين الذين لا يُشبهون أحدًا؛ صوته وحده كان كافيًا ليصنع حالة من الشجن الراقي، فيما جاءت ألحانه وكلمات أغانيه كأنها امتداد طبيعي للحياة المغربية بكل تفاصيلها الإنسانية والعاطفية والوطنية.
من أزقة فاس إلى مجد الأغنية العربية
وُلد عبد الوهاب الدكالي يوم 2 يناير عام 1941 بمدينة فاس، خلال سنوات الحماية الفرنسية على المغرب، داخل أسرة محافظة كان أحد أبنائها الثلاثة عشر.
في تلك المدينة العتيقة، تشكّلت ملامحه الأولى؛ هناك تعلّم الرسم والمسرح والموسيقى، واكتشف مبكرًا أن الفن ليس مجرد موهبة، بل طريقة كاملة لفهم العالم والتعبير عنه.
كانت فاس بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ كانت خزانًا روحيًا وموسيقيًا ظل حاضرًا في معظم أعماله، سواء عبر المقامات الشرقية أو الإيقاعات المغربية الأصيلة التي ستصبح لاحقًا بصمته الفنية الخاصة.
الرباط والدار البيضاء.. البدايات الأولى لصوت مختلف
في نهاية الخمسينيات، انتقل عبد الوهاب الدكالي إلى الرباط، وعمل لفترة قصيرة في الإذاعة والتلفزيون المغربي، لكنه لم يجد نفسه في الوظيفة التقليدية، فكان الفن بالنسبة إليه أكبر من مجرد عمل يومي.
لاحقًا، شدّ الرحال إلى الدار البيضاء، وهناك بدأت رحلته الحقيقية مع الموسيقى والاحتكاك بالمشهد الفني المغربي المتنامي آنذاك.
وفي عام 1959 سجّل أولى أغانيه الشهيرة «مول الخال»، قبل أن تأتي أغنية «يا الغادي في الطوموبيل» لتعلن رسميًا ولادة صوت مختلف، يمتلك قدرة نادرة على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى حالة فنية خالدة.
القاهرة.. البوابة العربية لعبد الوهاب الدكالي
لم يكتفِ عبد الوهاب الدكالي بالنجاح المحلي، ففي عام 1962 قام بأولى جولاته إلى الشرق العربي، وأقام لفترة طويلة في القاهرة، حيث اقترب من المشهد الموسيقي العربي الكبير، وتأثر بعمالقة الطرب والتلحين.
لكن المدهش أن الدكالي لم يذب داخل القالب الشرقي التقليدي، بل عاد ليقدم مشروعًا فنيًا حافظ فيه على روح المغرب، مع تطوير شكل الأغنية المغربية لتصبح أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور العربي.
وهنا تحديدًا بدأت الأغنية المغربية تكتسب ملامحها الحديثة.
«مرسول الحب».. أغنية تحولت إلى لقب
حين قدّم عبد الوهاب الدكالي أغنية «مرسول الحب» عام 1972، لم يكن يدرك أن الأغنية ستتحول لاحقًا إلى لقب يرافقه حتى رحيله.
كانت الأغنية حالة شعرية كاملة؛ مزيجًا من الرومانسية المغربية والإحساس الشرقي العذب، وهو ما جعلها تعيش لعقود طويلة بوصفها واحدة من أهم كلاسيكيات الغناء المغربي.
لكن «مرسول الحب» لم تكن سوى محطة داخل رحلة طويلة من الأغاني التي شكّلت وجدان الجمهور، مثل:
- «أنا مخاصمك»
- «العاشقين»
- «أنا والغربة»
- «أنا وقلبي»
- «تعالى»
- «سوق البشرية»
- «كان يا ما كان»
- «كتعجبني»
- «لا تتركيني»
- «ما أنا إلا بشر»
- «أجي نتسالمو»
- «الليل والنجوم»
- «رجانا فالله»
- «ديني معاك»
- «الولف صعيب»
- «قصة الغرام»
- «عيني ميزاني»
- «قلت لازم»
- «وحداني»
كل أغنية من هذه الأغنيات كانت تحمل عالمًا كاملًا من الحنين والشجن والدفء الإنساني، لذلك ظل الدكالي قريبًا من أجيال مختلفة، رغم تغيّر الأزمنة والأذواق.
الأغنية الوطنية.. عبد الوهاب الدكالي صوت المغرب في لحظاته الكبرى
لم يكن عبد الوهاب الدكالي مطرب حب فقط، بل كان أيضًا صوتًا وطنيًا حاضرًا في لحظات المغرب الكبرى.
فقدّم مجموعة من الأغاني الوطنية التي ارتبطت بالوجدان المغربي، من بينها:
- «العهد»
- «حبيب الجماهير»
- «العامل والفلاح»
- «رحلة النصر»
- «حبيبي يا وطني»
- «الزربية المغربية»
وفي هذه الأعمال، نجح في الجمع بين الحس الشعبي والبعد الوطني، دون الوقوع في الخطابية المباشرة، وهو ما منح أغانيه عمرًا أطول وتأثيرًا أعمق.
السينما أيضًا كانت جزءًا من حكايته
امتدت موهبة عبد الوهاب الدكالي إلى السينما، حيث شارك في عدد من الأعمال التي عكست حضوره الفني المتعدد، من بينها:
- «الحياة كفاح»
- «رمال من ذهب»
- «أين تخبئون الشمس؟»
- «الزر الأخضر»
- «أيام شهرزاد الجميلة»
- «خفايا»
ورغم أن حضوره السينمائي لم يكن بحجم حضوره الغنائي، فإن ظهوره على الشاشة ظل امتدادًا طبيعيًا لكاريزمته الهادئة وشخصيته الفنية الراقية.
عميد الأغنية المغربية.. جوائز صنعتها المسيرة لا الألقاب
على مدار عقود، حصد عبد الوهاب الدكالي عشرات الجوائز والتكريمات العربية والدولية، لكن أهم تكريم حقيقي ربما كان حب الجمهور واستمرارية أعماله حتى اليوم.
ومن أبرز الجوائز التي نالها:
- الجائزة الكبرى لمهرجان الأغنية المغربية عام 1985
- اختياره شخصية العام العربي من هيئة الإذاعة البريطانية عام 1991
- الجائزة الكبرى لمهرجان المغرب الدولي بمراكش عام 1993
- جائزة أتلانتيك سيتي الفخرية عام 1995
- لقب أفضل مبدع موسيقي من مهرجان القاهرة الدولي للأغاني عام 1996
- لقب «عميد الأغنية المغربية» عام 2001
- الجائزة الذهبية للفنون والحرف من فرنسا عام 2004
- الجائزة الفرنسية الكبرى للإنسانية عام 2006
- دكتوراه فخرية من البابا بندكت السادس عشر عام 2011
- وسام المكافأة الوطنية من درجة قائد عام 2013
- كما كرّمه الفاتيكان أكثر من مرة، في اعتراف نادر بمكانته الإنسانية والفنية.
حين يرحل الكبار تبقى أصواتهم
رحل عبد الوهاب الدكالي جسدًا، لكن صوته سيظل حاضرًا كلما دارت أغنية قديمة في مقهى مغربي، أو تسللت «مرسول الحب» من مذياع بعيد، أو عاد عاشق ليستمع إلى «أنا والغربة» و«الليل والنجوم» في لحظة حنين.
كان الدكالي واحدًا من آخر الفنانين الذين غنّوا بصدق كامل، دون ضجيج أو استعراض، لذلك بقي قريبًا من الناس، وبقيت أغانيه قادرة على لمس القلب حتى بعد مرور عقود.
ومع رحيله، تطوي الموسيقى العربية صفحة من صفحاتها الأكثر أناقة وصدقًا ودفئًا.
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي»
وللاطلاع على فيديوجراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي»
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن»

Google News