فكَّرتُ فيمن كان له الأثرُ الأكبرُ في حياتي، فاختلطت في رأسي قليلٌ من الأسماءِ وكثيرٌ من المواقف! لا أذكرُ حقاً تفاصيلَ الأشخاصِ الذين كانوا جزءاً منها، لكنْ ما بقي، هو أثرهم الكبيرُ، وكيف أنهم جعلوني أفضلَ، وأعمقَ، وأكثرَ نضجاً.
قد يكون شخصاً عابراً، تلتقيه في يومٍ عادي، ثم بنظرةٍ منه، أو كلمةٍ قيلت لك دون تفكيرٍ، ولا سببٍ يُذكَر حينها، أو موقفٍ واحدٍ بسيطٍ جداً، يبقى الأمرُ في ذاكرتك سنواتٍ طويلة.
أنت قد تنسى تماماً مَن هم هؤلاء الأشخاص، وتنسى حتى أسماءَهم، لكنَّك لن تنسى، ولن يُمحى من ذاكرتك ما تركوه فيك من شعورٍ، ومن تغييرٍ، وكيف أصبحت بعد تلك اللحظةِ! والغريبُ في الأمرِ أن صاحبَ هذا الموقفِ يجهلُ أنه كان سبباً في هذا الأثرِ، وقد تكون أنت منهم!
أحياناً، كنتُ أعتقدُ أن الأثرَ لابدَّ أن يكون مرتبطاً بشخصٍ بعينه، بشخصٍ واحدٍ أحدثَ الفرق، والحقيقةُ أن كلَّ ما تمرُّ به في يومك يترك شيئاً في داخلك.
وأعتقدُ أننا جميعاً مررنا بأشخاصٍ، لم يطل وجودهم في حياتنا، ومع ذلك كان لهم نصيبٌ في تشكيلِ جزءٍ من شخصيَّاتنا، ليس لأنهم حاولوا تغييرنا، بل لأنهم تصرَّفوا بعفويَّةٍ، فتركوا في داخلنا ذلك الأثرَ الذي لم يكن في حسبانهم.
لذا، أؤمنُ بأن الكلماتِ ليست عابرةً كما نظنُّ، ويجبُ أن نُفكِّر فيها قبل النطقِ بها، وما الشعورُ الذي سيصيبُ متلقيها، ثم إن أبسطَ التصرُّفاتِ قد تحملُ قيمةً لا يُدركها صاحبها. وأجملُ ما يمكن أن يتركه الإنسانُ خلفه، ليس اسمَه، ولا شهرتَه، ولا عددَ الأشخاصِ الذين عرفوه، بل ذلك الأثرُ الذي يزرعه في نفوسِ الآخرين دون أن يشعر. نحن ربما نُغادر حياةَ أحدهم سريعاً بينما تبقى كلمةٌ قلناها، أو موقفٌ فعلناه حاضراً في ذاكرته للأبد، ويُرافقه كلما تذكَّر تلك اللحظة، وهذا في نظري الأثرُ الحقيقي، وهو بأن تترك شيئاً جميلاً في حياةِ إنسانٍ.
