mena-gmtdmp

مهندسة التصميم الداخلي السعودية نبراس الجعيب: أجمل المنازل تصبح أكثر ثراءً مع مرور الزمن

نبراس الجعيب صوتٌ سعودي يؤمنُ بأن للثقافاتِ أثراً في تصميمِ منازلنا، وأن التراثَ ليس دستوراً جامداً، وإنما كتابٌ مرجعي ملهمٌ ومرنٌ وقابلٌ للتطويعِ مع الحياةِ المعاصرة. بالتالي، لا عجبَ بأن تُغادرَ تعاوناتُ المهندسةِ من خلال الاستديو التصميمي الخاصِّ بها أسوارَ وطنها إلى العالميَّة، وأن تأتي إجاباتها عن أسئلةِ «سيدتي» في مقابلةٍ، دارت بمنزلها، بهذا العمق.

 

المهندسة السعودية نبراس الجعيب
المهندسة السعودية نبراس الجعيب تؤمن بأن للثقافات أثراً في تصميمِ منازلنا

 

القصص الكامنة وراء الأشياء

 

 

يُطلَق على مُصمِّمي الديكورِ الداخلي لقبُ «مُحقِّقي الأحلام» و«علماءِ النفس»، فهم يقرؤون ما بين السطورِ عن شخصيَّاتِ الآخرين، ويُترجمون ذلك إلى مساحةٍ تُشبههم حقاً، عليه، كيف تصفين عملكِ؟

لطالما آمنتُ بأن المنزلَ يجبُ أن يعكسَ شخصيَّةَ صاحبه، وما يُحبُّه، وكيف يعيش. دوري ليس فرضَ أسلوبٍ مُحدَّدٍ، وإنما اكتشافُ ما يُميِّز كلَّ عميلٍ، وترجمته إلى مساحةٍ، تُشعِرُه بحقيقته. يبدأ ذلك بالاستماعِ، والملاحظةِ، وطرحِ الأسئلةِ الصحيحة، لكنَّني لا أسألُ أحداً قط عن لونه المُفضَّل، بل عن الفندقِ الذي لا يزالُ عالقاً في ذاكرته. أستفهمُ عن الشيءِ الذي يحمله معه أينما ذهب من أعوامٍ وذكرياتٍ مرتبطةٍ به. أنا مهتمَّةٌ بالقصصِ الكامنةِ وراءَ الأشياء التي يعتزُّون بها، فهذه القصص تكشفُ أكثر مما تُظهِرُه الأذواقُ الجماليَّة. التصميمُ ليس مجرَّد اختيارِ أثاثٍ، أو تشطيباتٍ، بل هو فهمُ كيفيَّةِ إدراك الناس للعالم، وخلقُ مساحاتٍ تعكسُ حياتهم بصدقٍ وعمقٍ. إن أنجحَ التصاميمِ الداخليَّة ليست تلك التي تُبهِر من النظرةِ الأولى، بل تلك التي تظلُّ تُشِعر بأنها في مكانها الصحيحِ بعد أعوامٍ لاحقةٍ، لأنها متجذِّرةٌ في الأشخاصِ الذين يعيشون فيها.

آثار الماضي

 

 

يغوصُ عملكِ عميقاً في المراجعِ الثقافيَّة، هل يحملُ كلُّ تصميمٍ، مهما كان معاصراً، بعضاً من آثارِ الماضي في داخله؟

لا أعتقدُ أن التصميمَ المعاصرَ موجودٌ دون تاريخٍ. كلُّ مساحةٍ، وكلُّ قطعةٍ، وكلُّ مادةٍ تحملُ ذكرى ما جاء قبلها. نحن جميعاً نتشكَّلُ من خلال الثقافةِ، والهندسةِ المعماريَّة، والحِرفيَّة، والطقوسِ، والسفرِ، والطريقةِ التي ننشأ عليها في اختبارنا للمساحات. هذه التأثيراتُ تبقى معنا، غالباً دون وعي، وتجدُ طريقها حتماً إلى المنازلِ التي نبنيها اليوم. ما يهمُّني ليس إعادةَ خلقِ الماضي، أو الفراغاتِ الداخليَّة التي تُثير الحنين، وإنما فهمُ جوهرِ تلك المراجع، وإعادةُ تفسيرها بطريقةٍ تتناسبُ مع الطريقةِ التي نعيشُ بها راهناً. حينما تُعامل التقاليد بوصفها مصدراً للإلهام لا بوصفها دستوراً جامداً، تظلُّ حيَّةً.

قد يهمك الاطلاع أيضاً على: من منازل الجدات إلى اتجاهات ديكور 2026: أسرار توظيف الفخار

إلى أي مدى أسهمت ثقافاتُ الشعوبِ المختلفة في تشكيلِ الطريقةِ التي نُصمِّم بها منازلنا؟

 

لطالما فُتِنتُ بالحوارِ بين الثقافات. من خلال التاريخِ، انتقلت الأفكارُ، والموادُّ، والحِرفيَّةُ عبر الحدود، وأثَّرت باستمرارٍ في بعضها. التصميمُ لم يتطوَّر أبداً بمعزلٍ عن الآخرين، وأعتقدُ أن منازلنا تُصبح أكثر ثراءً عندما تعكسُ هذا التبادل.
بالنسبةِ لي، أرقى التصاميمِ الداخليَّة وأكثرها خلوداً، هي التي تُشِعر بأنها متجذِّرةٌ في التاريخِ، هذا مع بقائها معاصرةً بشكلٍ لا لبسَ فيه.

تصميم وفيّ لبيئته

 

 

من المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّةِ إلى العالميَّة، غدت بصمتُكِ في عالمِ التصميم لا تُخطئها عينٌ، ما الذي يمنحُ عملكِ هويَّتَه الفريدةَ في سوقٍ باتت تسودها النمطيَّة؟

لا تنبعُ الأصالةُ من محاولةِ الاختلاف، بل من رؤيةٍ ثابتةٍ للعالم لا مجرَّد جماليَّاتٍ مكرَّرةٍ. إن الركيزةَ الدائمةَ في عملي، هي الاحترامُ العميقُ لسياقِ المكان وطبيعةِ المواد، والإتقانُ الحِرفي. أنا لا أؤمنُ بالمساحاتِ الهلاميَّة، فكلُّ مشروعٍ يجبُ أن ينتمي لبيئته، وأن يعكسَ هويَّةَ قاطنيه، وأن يحملَ حسَّ الديمومة. أعمالي شكَّلتها كلٌّ من البيئةِ التي نشأتُ فيها، والعمارةِ التي صاغت ذاكرتي البصريَّة، إضافةً إلى الحِرفيين الذين أتعاونُ معهم، وشغفي بالثقافاتِ الأخرى. هذا سرُّ هويَّتي: ابتكارُ مساحاتٍ أصيلةٍ وخالدةٍ، تبدو وكأنَّها جُمِعَت بعنايةٍ عبر الزمن، ولا تلهثُ وراءَ النزعاتِ العابرة.

«سرّ هويتي التصميمية ابتكار مساحات أصيلة وخالدة تبدو وكأنها جُمعت بعناية عبر الزمن ولا تلهث وراء النزعات العابرة»

 

حدِّثينا أكثر عن تعاوناتكِ الأخيرةِ بعد عملكِ مع Artemest في ميلانو 2025، هل هناك شراكاتٌ أخرى تلوحُ في الأفق؟

أصبحتُ انتقائيَّةً بشكلٍ متزايدٍ، فأنا مهتمَّةٌ بالعملِ مع الأشخاصِ، والعلاماتِ التجاريَّةِ التي تشترك في القيمِ نفسها حيث تكون الحِرفيَّةُ، والجودةُ، والحوارُ الثقافي في قلبِ العمليَّة. بالنسبةِ لي، خيرُ الشراكاتِ تلك التي لا تكتفي بضمِّ الأسماء، بل وتجمعُ أيضاً بين وجهاتِ نظرٍ مختلفةٍ لإنشاءِ شيءٍ لا يمكن لأي منهم تحقيقه بمفرده. أمَّا عن الجديد، فهناك عددٌ من المشروعاتِ المثيرةِ قيد التنفيذ، لكنَّني أفضِّل أن أتركها تتحدَّثُ عن نفسها عندما يحين الوقتُ المناسب.

قد يهمك الاطلاع أيضاً على أسبوع ميلانو للتصميم 2026: مشاركة لبنانية تترك بصمتها

ديمومة الحجر

 

ما التقاليدُ الحِرفيَّةُ التي تعودين إليها كثيراً في عملكِ؟

لطالما شدَّني الحجر، وأجدني أعودُ إليه مراراً وتكراراً. يتمتَّعُ الحجرُ بإحساسٍ لا يُصدَّق بالديمومة، ويختزنُ ذاكرةَ الزمنِ بطريقةٍ لا يستطيعها إلا قليلٌ من المواد. هناك شيءٌ مؤثِّرٌ للغايةِ في العمل باستخدامِ مادةٍ كانت موجودةً عبر التاريخ، ومع ذلك لا تزالُ تستجيبُ لليدِ البشريَّة. لكنْ، أبعد من المواد، يُبهرني الحِرفيون الذين يتوارثون المعرفةَ عبر الأجيال، لأن كلَّ علامةٍ، ومفصلٍ، وتشطيبٍ يروي قِصَّةً من الصبرِ والإتقان. إن هذا الحوارَ بين التصميمِ المعاصر، والحِرفيَّةِ التقليديَّة أمرٌ أسعى إليه باستمرارٍ في عملي.

«الحوار بين التصميم المعاصر والحِرفية التقليدية أمر أسعى إليه باستمرار في عملي»

 

تصميم الأثاث

لقد أضفتِ أخيراً خطَّ تصميمِ الأثاثِ إلى خدماتِ الاستديو الخاصِّ بكِ، ما الذي ألهمكِ لهذه الخطوة، وإلى أين تأملين أن تُفضي بكِ؟

كان التوجُّه نحو تصميمِ الأثاثِ خطوةً حتميَّةً، فهذه القطعُ ربما تُمثِّل النطاقَ الأكثر حميميَّةً للهندسةِ المعماريَّة. إنها المكانُ الذي تجتمعُ فيه خواصُّ المادةِ، والتناسبُ، والحِرفيَّة. لقد سمحَ لي تصميمُ الأثاثِ باستكشافِ تلك الأفكار عن كثبٍ، هذا مع الحفاظِ على وفائي للمبادئ نفسها التي تُوجِّه عملي في التصميمِ الداخلي. آملُ أن تنمو المجموعةُ، لتُصبحَ قطعاً تبدو خالدةً، وتشغلُ بهدوءٍ جزءاً من حياةِ الناس، وتدومُ إلى ما هو أبعدُ من الاتِّجاهاتِ العابرة.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

أخبري القرَّاء المزيدَ عن منزلكِ في الرياض، وهو كان موضوعَ تصويراتٍ كثيرةٍ، كيف يعكسُ هويَّتكِ، وما القِصَّةُ التي يحكيها، وما الموادُّ التي تصفه أكثر؟

منزلي، هو المشروعُ الأكثر شخصيَّةً الذي قمتُ بتصميمه على الإطلاق، لأنه لم يكن ثمَّة موجزٌ تصميمي يُوجِّهني سوى أسلوبِ حياتي. لم أتصوَّر التصميم يدورُ حول مفهومٍ واحدٍ، بل تطوَّر الأخيرُ بمرورِ الوقتِ من خلال السفرِ، واقتناءِ القطع، والعيشِ وسطَ أشياءَ تحملُ معنى. أصفه بأنه مساحةٌ، جُمِعَت مقتنياتُها بعنايةٍ، ولم تُنسَّق لمجرَّد الزينة. أردتُ أن تكون له روحٌ، وأن تُشِعر كلُّ غرفةٍ بأنها مسكونةٌ بالحياة، ومريحةٌ، وشخصيَّةٌ للغاية حيث لا يُوجد مقتنى أثمنُ من أن يُستَخدم، وحيث يُسمَح للوقتِ بترك بصماته. أعتقدُ أن أجملَ المنازلِ، هي تلك التي تُصبح أكثر ثراءً مع مرورِ الزمن. لوحةُ الموادِّ تعكسُ تلك الفلسفة، فالتصميمُ يرتكزُ على الحجرِ الطبيعي الذي يُخفِّفه الخشبُ، والجصُّ الجيري، والقطعُ المصنوعةُ يدوياً. أنا أهتمُّ بالموادِّ التي تتقادمُ برشاقةٍ، وتحملُ معها الذاكرةَ، والشخصيَّة. من نواحٍ عدة، يُعدُّ المنزلُ انعكاساً لكيفيَّةِ رؤيتي للتصميمِ نفسه: هادئ، ومتعدِّدُ الطبقات، وخالدٌ، ومتَّصلٌ بعمقٍ بالأشخاصِ الذين يعيشون فيه.

__

  • الصور لأعمال استديو مهندسة التصميم الداخلي السعودية نبراس الجعيب

سيدتي - نسرين حمود

محررة أولى

صحافية ومحررة أولى في سيدتي. عملت في عدد من الصحف قبل انضمامها إلى سيدتي، حيث تركز في عملها على قصص الناس، وتأثير التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على المجتمع. تمتاز بأسلوب تحريري يجمع بين الحس الإنساني والموضوعية الصحفية.