تتميز البندقية (فينيسيا) بروح روائية فريدة جعلت منها عاصمة أبدية للإلهام الأدبي عبر القرون، فتفاصيلها الساحرة تنبعث من ثناياها عوالم ممتدة تبدو بمثابة خلفية درامية ومصدر إلهام للشعر والمسرحيات والروايات. وفي هذا الفضاء العائم، تذوب حكايات التاريخ القديم في ضباب المساءات الساحرة لتنسج خلفية درامية مثالية أثارت شجون الشعراء واستفزت مخيلة الروائيين عبر العصور؛ لتتحول قنواتها المائية المنسابة بين الجدران العتيقة إلى شرايين تتدفق عبرها الحكايات والأقاصيص، ملهِمةً قاماتٍ أدبية بارزة وجدوا في تلك التفاصيل منبعاً سرمدياً للفكر والتامل وجذوةً لا تخبو للخيال والإبداع.
بالسياق التالي ومع انطلاق الدورة الثالثة والثمانين (الـ83) من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي سيدتي تعرفك (من موقع courtauldian.com) على عدد من أشهر الأدباء الذين وقعوا تحت تأثير سحر هذه المدينة المدهشة واستمدوا إبداعهم من تألقها وزخمها فصاغوا من عبق أزقتها رواياتٍ خالدة، وحوّلوا صمت مياهها إلى حوارات مسرحية وقصائد شعرية ترددت أصداؤها عبر الأجيال.

فينسيا السحر والجمال.. الحاضرة العائمة لم تقف يوماً عند حدود الجغرافيا، بل ظلت بيئة حية خالدة تنبض بالصراعات الإنسانية المعقدة، وما تموج به النفس من مشاعر متناقضة؛ تتأرجح بين حب جارف، وغيرة قاتلة، وأسرار دفينة تخبئها أقواس الجسور على مر الزمان. بحسب موقع courtauldian.com، فقد ألهمت أضواء القصور التاريخية لمدينة فينيسيا، بإطلالتها العتيقة، المسرحيين وكبار الأدباء في العالم؛ إذ جسّدت أمامهم لوحاتٍ بصرية تأسر الألباب، بَنَوْا من خلالها عوالم سحرية تتأرجح بين الواقع والخيال. وفي هذا الفضاء المهيب، يبرز مزيج فريد بين الجمال الآسر والهدوء المريب الذي يلف قوارب "الجندول"، ليهب السرد القصصي عمقاً نفسياً يستكشف تداعيات الزمن والموت والخلود لتظل هذه الحاضرة البحرية ملجأً سرمدياً وملاذاً آمناً للفكر البشري؛ تعيد برونقها صياغة الكلمات وتدثر بتفردها النصوص الأدبية بهالة من السحر لا تبلى على مر العصور، مؤكدةً للعالم أن تفاصيلها المعمارية وجاذبيتها الغامضة هي، في الحقيقة، البطل الخفي وراء أعظم روائع الأدب العالمي.
توماس مان (Thomas Mann)
أبرز الأعمال: رواية "الموت في البندقية"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: حوّل الأديب الألماني المدينة إلى رمز فلسفي للجمال المطلق والتلاشي المحتوم، حيث تدور أحداث روايته حول كاتب يزور البندقية بحثاً عن تجديد إلهامه، ليعلق في أجوائها الضبابية والوباء الصامت الذي يجتاحها، مستعرضاً تداعيات الفن والشيخوخة والنهايات الفاجعة.
لورد بايرون (Lord Byron)
أبرز الأعمال: قصيدة "رحلة تشايلد هارولد"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: (Childe Harold's Pilgrimage) هي قصيدة سردية طويلة ومؤثرة كتبها الشاعر الرومانسي الإنجليزي اللورد بايرون ونُشرت بين عامي 1812 و1818، واستعرض فيها مشاهداته وتأملاته في مناظر الطبيعة الخلابة وآثار الحضارات القديمة في بلدان مثل البرتغال، إسبانيا، اليونان، وإيطاليا (عبر أناشيد القصيدة الأربعة) وخص بالحديث مدينة البندقية عند حديثه عن إيطاليا والتي عاش فيها لسنوات، فقد أسهمت المدينة في صياغة روحه الشعرية المتمردة؛ حتى أنه وصف في قصائده قصورها المتآكلة وجسورها الغامضة، معتبراً البندقية مدينة تحتضر لكنها تحتفظ بسحر رومانسي خالد لا يموت.
إيتالو كالفينو (Italo Calvino)
أبرز الأعمال: رواية "مدن غير مرئية"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: صاغ الروائي الإيطالي حواراً متخيلاً يروي فيه الرحالة "ماركو بولو" لملك التتار عن مدن عجيبة وغريبة زارها، ليقود القارئ في نهاية المطاف إلى اكتشاف مذهل؛ وهو أن كل تلك المدن الخيالية والخرائط السحرية ما هي إلا تجليات متفرقة وأوجه متعددة لمدينة واحدة تسكن ذاكرة الراوي، وهي مسقط رأسه البندقية.
مارسيل بروست (Marcel Proust)
أبرز الأعمال: رواية "البحث عن الزمن المفقود"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: زار الكاتب الفرنسي البندقية وتأثر بعمارتها المخملية وأضوائها السابحة فوق الماء، فجعل من المدينة في ملحمته الروائية فضاءً لاستعادة الذكريات واكتشاف الذات؛ حيث تتبع بدقة متناهية أثر الضوء على قصر دوق البندقية وتأثير حركة "الجندول" الانسيابية على وعي ونفسية بطل الحكاية.
والرباط التالي يعرفك أكثر لغرائب وعجائب قصر دوجي في فينيسيا

وليام شكسبير (William Shakespeare)
أبرز الأعمال: مسرحيتا "تاجر البندقية" و"عطيل"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: اتخذ شكسبير، هذا المسرحي الإنجليزي الخالد، من البندقية رمزاً للمدينة التجارية الكوزموبوليتانية ذات القوانين الصارمة والصراعات العميقة؛ فصاغ على ضفافها صراع العدالة والطمع في مواجهة "شايلوك"، وجعل من رصيف بحرها وأزقتها مسرحاً للمكائد السياسية والعاطفية والغيرة القاتلة التي أودت ببطل تراجيديته "عطيل".
إرنست همنغواي (Ernest Hemingway)
أبرز الأعمال: رواية "عبر النهر ونحو الأشجار"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: كتب الأديب الأمريكي روايته وهو يقيم في البندقية غداة الحرب العالمية الثانية، مجسداً فيها الأيام الأخيرة لجنرال أمريكي عجوز يزور المدينة ليمارس الصيد؛ حيث يسترجع ذكريات الحرب الدامية وقصص الحب الرومانسية، وسط أجواء الشتاء الفينيسي الهادئ والمشبع بالمرارة الشجية.
هنري جيمس (Henry James)
أبرز الأعمال: رواية "أوراق أسبرن"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: اعتبر الكاتب الأمريكي البندقية مسرحاً مثالياً لاستكشاف الغموض الاجتماعي والسرائر النفسية؛ ففي "أوراق أسبرن" تدور الأحداث المشوقة داخل قصر فينيسي متداعٍ، حيث يحاول البطل انتزاع رسائل سرية لشاعر راحل، مستغلاً هدوء المدينة وعزلتها المريبة التي تخفي أكثر مما تظهر.
جاكومو كازانوفا (Giacomo Casanova)
أبرز الأعمال: كتاب مذكراته الشهير "قصة حياتي"
أثر مدينة البندقية في إبداعه: وثّق هذا المغامر والكاتب الفينيسي الحياة الاجتماعية والسياسية للمدينة في القرن الثامن عشر بأسلوب أدبي رفيع؛ حيث أصبحت أزقة البندقية الخلفية، وصالوناتها المخملية، وسجونها المحصنة (التي فر منها بطريقة درامية) جزءاً من نص أدبي نابض بالحياة يجسد روح المغامرة والتمرد التي تميزت بها المدينة.
رجوعًا للحديث عن مهرجان فينيسيا الدولي يمكنك من الرابط التالي التعرف على المزيد عن مهرجان فينيسيا السينمائي منذ بداياته حالة فنية مدهشة تمزج الثقافة بالسينما

Google News