mena-gmtdmp

إذا كنتِ تُعيدين قراءة رسائلكِ قبل إرسالها دائماً.. ماذا يعني ذلك؟

قراءة الرسائل قبل إرسالها أكثر من مرة حالة متكررة - المصدر magnific
قراءة الرسائل قبل إرسالها أكثر من مرة حالة متكررة - المصدر magnific

تكتبين الرسالة، تقرئينها، تغيرين كلمة، تحذفين أخرى، ثم تعودين إلى أول السطر. تبدو واضحة، ومع ذلك لا تضغطين "إرسال". تقرئينها مرة ثانية، وربما ثالثة، وكأنكِ لا تراجعين الكلمات وحدها، بل تحاولين أن تتوقعي كيف ستصل، وكيف ستُفهم، وماذا سيظن الطرف الآخر عنك بعد قراءتها.
لفهم هذا السلوك التقت "سيدتي" مع فاطمة كرم، مدربة معتمدة وكوتش ACC، و التي استهلت حديثها بالقول: "هذا السلوك معتاد أكثر مما نتصور، خصوصاً في زمن أصبحت فيه مساحات واسعة من علاقاتنا الشخصية والمهنية تُدار عبر شاشة صغيرة وكلمات مكتوبة. لكنه لا يحمل تفسيراً واحداً، ولا يصلح وحده للحكم على شخصية صاحبه أو حالته النفسية". وأضافت "فالسلوك الواحد قد تقف خلفه دوافع مختلفة، وما يمنحه معناه هو مقدار تكراره، والسياق الذي يظهر فيه، والمشاعر المصاحبة له، وتأثيره في وقت الشخص وراحته وطريقة تواصله".

ما الدوافع وراء قراءة الرسالة أكثر من مرة قبل إرسالها؟

وهنا تقول "كرم": "من الطبيعي أن نراجع ما نكتب قبل إرساله. فنحن نريد أن تكون الفكرة واضحة، وأن نتجنب عبارة ملتبسة أو معلومة ناقصة أو نبرة تبدو أكثر حدة مما قصدناه. بل إن القدرة على قراءة الرسالة بعين المتلقي قد تكون علامة على النضج التواصلي والوعي بأثر الكلمات".
وعن الدافع توضح "لكن الدافع لا يكون دائماً لغوياً. لدى بعض الأشخاص قد تدخل الحساسية تجاه تقييم الآخرين، أو الخوف من الرفض، أو التفكير الزائد، أو النزعة إلى الكمال، أو الرغبة في تجنب الندم بعد الإرسال. وقد تلعب الخبرات السابقة دوراً أيضاً؛ فمَن سبق أن أسيء فهم رسالة له، أو تعرض لنقد بسبب عبارة كتبها، قد يصبح أكثر حذراً في المرات التالية".

التردد في إرسال الرسائل يعكس دوافع داخلية - المصدر magnific

المراقبة الذاتية

وهنا يظهر مفهوم "المراقبة الذاتية": أي انتباه الإنسان إلى الطريقة التي يقدم بها نفسه ويتكيف بها مع المواقف الاجتماعية. هذا الانتباه ليس سلبياً في ذاته؛ فنحن جميعاً نضبط لغتنا بدرجات مختلفة بحسب الشخص والموقف. لكنه يصبح مرهقاً عندما تتحول الرسالة من وسيلة للتواصل إلى اختبار مستمر للصورة التي نريد أن نبدو بها أمام الآخرين.

متى يتحول الحرص إلى عبء؟

وعن تحول هذا السلوك إلى عبء، تقول المدربة المختصة "الفاصل ليس عدد مرات القراءة وحده. قد يحتاج بريد مهني مهم إلى ثلاث مراجعات، بينما قد تستنزف رسالة بسيطة عشرين دقيقة من التردد. الإشارة الأهم هي: ماذا تفعل المراجعات بك؟".
إذا كانت تساعدك على التصحيح ثم تنتهي، فهي غالباً مراجعة وظيفية. أما إذا دخلت في حلقة من الحذف وإعادة الكتابة، وتأجيل الرسائل البسيطة، والبحث عن الصياغة "المثالية"، والخوف المستمر من أن تُفهم كل كلمة بطريقة خاطئة، ثم استمر القلق حتى بعد الإرسال، فهنا لم تعد المسألة مرتبطة بجودة الرسالة وحدها، بل بحجم التوتر المصاحب لها.

ماذا يحدث داخلكِ وأنتِ تُراجعين؟

في الكوتشينج لا يكون السؤال: "كيف أتوقف عن مراجعة رسائلي؟" بقدر ما يكون: "ماذا أحاول أن أضمنه حين أراجعها؟"
يمكن أن تسألي نفسك: هل أراجع وضوح الفكرة، أم أحاول التحكم في الصورة التي سيكوِّنها الطرف الآخر عني؟ ما أسوأ شيء أتوقعه إذا أرسلت الرسالة كما كتبتها أول مرة؟ هل أريد أن أتواصل بوضوح، أم أريد أن أتأكد من أن الطرف الآخر لن ينزعج مني مطلقاً؟ متى يتحول الحرص لدي إلى قلق؟ وهل أراجع رسائلي مع بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يخبرني هذا عن طبيعة العلاقة أو عن موقعي النفسي داخلها؟
قيمة هذه الأسئلة أنها تنقلنا من الحكم على السلوك إلى فهم الدافع. فالوعي لا يقول: "أنا أبالغ"، بل يسأل: "ما الذي أحاول حمايته الآن؟ وضوح رسالتي؟ علاقتي؟ صورتي؟ أم إحساسي بالأمان؟"

في العمل المراجعة قد تكون مهارة

لكن "كرم" تفرق بين هذه العادة في الحياة العادية والعلاقات، وبين ما إذا كانت مرتبطة بالعمل. وتقول "في البيئة المهنية تحديداً، التفكير قبل الضغط على "إرسال" ليس علامة تردد بالضرورة؛ بل قد تكون جزءاً من الاتصال الفعال والذكاء العاطفي والتنظيم الانفعالي".
وتوضح "رسالة مكتوبة في لحظة غضب قد تصعد خلافاً كان يمكن احتواؤه. وتعليمات غير واضحة قد تنتج أخطاء عملية. ورد مقتضب على عميل أو زميل قد يحمل نبرة لم يقصدها صاحبه. لذلك فمراجعة الرسالة هنا تعني التحقق من الهدف، والوضوح، والنبرة، وملاءمة اللغة للمتلقي والسياق والثقافة التنظيمية". ولهذا ترى أن التمييز الأهم هو بين "المراجعة الواعية" و"المراجعة القَلِقة".

فاطمة كرم، مدربة معتمدة وكوتش ACC

المراجعة الواعية

المراجعة الواعية تسأل: هل رسالتي واضحة؟ هل تُحقق الهدف؟ هل لغتها مناسبة؟ وهل هذا هو التوقيت الأنسب لإرسالها؟

المراجعة القلِقة

أما المراجعة القلِقة فتدور غالباً حول أسئلة أخرى: هل عبرت عن نفسي بالطريقة الصحيحة؟ هل يمكن أن تفهم رسالتي على نحو لم أقصده؟ هل قلت أكثر مما ينبغي؟ هل ستؤثر هذه الرسالة في صورتي أو علاقتي بالطرف الآخر؟
الأولى تستخدم المراجعة لتحسين التواصل. والثانية قد تستخدمها لمحاولة السيطرة على رد فعل لا نملك السيطرة عليه أصلاً.

لماذا يبدو الأمر أكثر حضوراً لدى الشباب؟

تقول المدربة "يصعب الحديث عن الشباب بوصفهم مجموعة واحدة، لكن بيئة التواصل التي يعيشون فيها تمنح الكلمات المكتوبة وزناً كبيراً. جزء مهم من العلاقات والصداقات والعمل والتعارف يمر عبر الرسائل؛ حيث تغيب نبرة الصوت وتعبيرات الوجه ولغة الجسد، ويصبح على النص أن يحمل المعنى والانفعال معاً".
إلى ذلك، يمكن للرسالة أن تبقى، وأن تُلتقط صورتها، وأن تُعاد مشاركتها خارج سياقها. ومع ثقافة الحضور الرقمي والمقارنة والانطباع الاجتماعي، قد يشعر بعض الشباب بأن كل كلمة ليست مجرد تواصل عابر، بل جزء من صورتهم أمام الآخرين. وهكذا يجتمع تناقض لافت: أدوات تواصل أسرع من أي وقت مضى، مقابل تفكير أطول في الطريقة التي ستُستقبل بها الرسالة.
اقرئي أيضاً الحيلة العبقرية لمنع المشاحنات البسيطة مع الأصدقاء