تكتب رسالة وتُعيد قراءتها أكثر من مرة قبل الإرسال، تتردد في الرد على تعليق على السوشيال ميديا، تؤجل قراراً بسيطاً لأنك لا تعرف كيف سيراه منْ حولك. هذا التردد المتكرر في تفاصيل يومية صغيرة، سواء في الكلام أو الكتابة أو حتى القرارات العادية، له غالباً جذر نفسي واحد، وهو الخوف من حكم الآخرين.
ويرى الخبراء أن ارتباط التردد بالشباب شيء يبدو طبيعياً ومتكرراً، لكن على الأقل يجب فهم الأمر جيداً، للوقوف عليه والتعامل معه بالطريقة الصحيحة. وللحديث عن هذا الأمر التقت "سيدتي" مع فرح ياغي، مدربة ومؤسسة Healing Hands by Farah، والتي كشفت عن أسباب التردد لدى الشباب وكيفية التعامل مع هذه الحالة.
إعداد: إيمان محمد
لماذا ينتشر التردد بين الشباب تحديداً؟
توضح ياغي أن هذا القلق يزداد وضوحاً في المساحات التي تبقى أثراً يمكن الرجوع إليه، كالرسائل النصية والمنشورات؛ حيث يشعر الشخص أن ما يكتبه أو يفعله سيتحول إلى سجل دائم يمكن أن يُقيم لاحقاً. وتشير إلى أن "العقل، في غياب أدوات التواصل الطبيعية كنبرة الصوت وتعابير الوجه، يحاول تعويض هذا النقص بالتحكم المفرط في كل تفصيلة متاحة له، فيتحول التردد إلى محاولة دائمة لضبط كل شيء قبل أن يظهر للعالم".
وتوضح ياغي أسباب التردد عند الشباب بالتالي:

القلق من التقييم الاجتماعي
تؤكد ياغي أن خلف معظم حالات التردد يقف سؤال واحد متكرر وهو "كيف سيراني الآخرون بعد هذه الخطوة؟". فحين يكون تقدير الذات معلقاً بدرجة كبيرة على أحكام منْ حولنا، تتحول أبسط المواقف اليومية، من رسالة نصية إلى قرار بسيط، إلى ما يشبه اختباراً صغيراً في اللباقة والكفاءة، فيصبح التردد والمراجعة المستمرة محاولة لضمان "علامة كاملة" في امتحان لم يطلبه أحد أصلاً.
الشخصية الكمالية
وبحسب المدربة المختصة، فإن «الكمال» لدى الشخصية الكمالية لا يقتصر على كون الخطوة أو الكلمة مجرد وسيلة عادية، بل تصبح كل تفصيلة جزءاً من صورتها أمام العالم. لذلك، قد تتحول أي هفوة بسيطة، سواء كانت إملائية أو سلوكية، في نظرها إلى «فضيحة» تستحق كل هذا التردد والتفكير المفرط. وتوضح ياغي أن الكمالية لا تؤدي غالباً إلى نتائج أفضل، بقدر ما تجعل صاحبها أكثر إنهاكاً واستنزافاً على المستوى النفسي.
السيطرة
الحاجة إلى السيطرة تجعل اتخاذ أي خطوة، صغيرة كانت أو كبيرة، لحظة تخلٍّ عن التحكم في رد فعل الآخرين وتوقيته ومزاجهم. ويصبح التردد رد فعل يمنح شعوراً وهمياً بالسيطرة على الجزء الوحيد المتبقي بين أيدينا قبل أن يخرج الأمر من نطاقنا.
الاجترار الذهني
الاجترار الذهني لدى كثير من الشباب، لا تنتهي القصة عند اتخاذ قرار معين، بل تبدأ جولة جديدة من الأسئلة حول رد الفعل المتوقع، وهو ما تصفه ياغي بأنه "وجه آخر لعملية التفكير الزائد نفسها".
متى يكون التردد صحياً.. ومتى يصبح عبئاً؟
تؤكد ياغي أن التروي قبل اتخاذ أي خطوة ليس عيباً في حد ذاته، بل قد يكون مهارة تعكس النضج والوعي بتأثير أفعالنا على الآخرين. لكن المدربة تقترح أسئلة فاصلة لمعرفة الحد الصحي للتردد:
- هل أتروى لأتخذ القرار الأنسب، أم لأتفادى حكماً أخشاه؟.
- وهل يأخذ التردد ثواني معدودة، أم يؤجل قرارات بسيطة لساعات أو أيام؟.
فإذا كانت الإجابات تميل نحو الخوف والتأجيل المستمر، فالمسألة لم تعد حرصاً، بل قلق ولكن لا تريد مواجهة نفسك به.

خطوات عملية للتخلص من التردد
وتقدم فرح ياغي مجموعة من النصائح للشباب من شأنها أن تحد من حالة التردد، مثل:
فرصة واحدة هادئة
امنح نفسك فرصة واحدة واعية قبل أي قرار، وقم بمراجعة واحدة هادئة هدفها الوضوح فقط، ثم تحرك. فالمراجعة الثانية والثالثة نادراً ما تُحسن النتيجة، بل تطيل عمر القلق فقط.
فهم الخوف ودوافعه
حدد شعور الخوف بوضوح، بدلاً من أن تعيشه قبل التردد مجدداً، اسأل نفسك: "ما أسوأ ما أخشى حدوثه لو تصرفت كما أشعر؟". تسمية الخوف بوضوح تخرجه من منطقة الضباب الداخلي إلى مساحة يمكن التفكير فيها بعقلانية.
اختبار التوقعات
اختبر توقعاتك بالواقع، تذكر آخر مرة أساء فيها أحدهم فهم كلمة أو قرار لك فعلاً، في الغالب كانت خطوة توضيحية بسيطة كافية لإنهاء أي التباس، فعقولنا تميل لتضخيم كلفة الخطأ وتنسى قدرتنا الحقيقية على إصلاحه.
تدرج المواجهة
تدرج في المواجهة، ابدأ بتطبيق هذا الوعي على المواقف منخفضة المخاطر، كرسالة لصديق مقرب أو قرار بسيط، قبل الانتقال لمواقف أكثر حساسية، فالثقة مهارة تبنى بالتكرار، لا قراراً يتخذ مرة واحدة.
وتختم ياغي بأن التردد الزائد ليس عيباً في الشخصية، بل غالباً دليل على الاهتمام بأثر أفعالنا في الآخرين، وهذا في أصله شيء جميل. لكن حين يتحول هذا الاهتمام إلى خوف دائم يعطل الحياة اليومية، وهنا يستحق الأمر التوقف والسؤال: ما الذي أحتاجه فعلاً كي أشعر بالأمان في تعاملي مع الناس؟.
اقرئي أيضاً قانون الاستغناء وعدم التعلق.. الحيلة النفسية التي توقف قلقك من كل شيء

Google News