mena-gmtdmp

كِبَرُنا أسلوبُ حياة

قبل البدء بكلمتي دعوني أعترف لكم أني في حالةٍ لم يسبقْ لي أن عرفتُها من قبل. ومن يشغَلُني لم يجاوز الشهر السادس من عمره، ويستحوذُ على مشاعري، ويبيتُ في أحلامي؛ وينهضُ باكراً، مع زقزقة أول عصفور فوق شجرة الكينا بجوار داري، ويوقظني من نومي؛ ثم يُشيرُ بأنامله الطفلة الى موضع انبلاج الفجر الجديد لذلك النهار ويغمزني بطرف عينه، فأفهم ما يشاهد؛ وهو يريدني ان أقومَ مثلَهُ لاستقبال نهار آخر من أيام الفرح والصحّة، والتفاؤل بالحياة؛ وذلك برغم كلِّ ما يتكاثفُ في الجواءِ من حولنا، من غيوم سوداء، وملوَّثة بأوبئة جرثومية وسياسية؛ لأن السياسة في هذا الزمان، تحوّلت أيضاً الى وباءٍ أين منه وباء «انفلونزا» الطيور أو الخنازير!...


ولكي تصدّقوا كلامي، ما عليكم إلاّ ان تفتحوا إحدى وسائل الإعلام المقروء أو المسموع أو «المقْشوع» لتسمعوا وتُبصروا تفَشّي أوبئة الكراهية والحقد والطمع والعدوان، وكلّ ما يحفلُ به قاموسُ اللغة من مفرداتٍ ابتكرها الإنسان في أوقات الظُلم والظلام، ويحتفظْ بها في خلايا سرّية من كيانه، وتظلُّ كامنة ما دامت شمس المحبة والرضا والإلفة مشرقة؛ حتى إذا تبدّلَ المُناخ، وعصفتْ رياحُ الأثَرة والطمع والأنانية، أفلتت تلك الأوبئة من مكامنها، لتطفو فوق السطح، وتتفشّى أمراضاً تفتك بكل ما وهبنا الله من مشاعرَ سامية ونبيلة.

<<<

 

ولذلك كلِّه، سوف أظلُّ لاطيةً خلفَ جدارِ الصداقة الجديد، وأنهلُ من ينبوعه الحيويّة، التفاؤل وحبّ الحياة؛ وأشعرُ بأني أعود الى مطلع الشباب؛ وكأنما تلك العلاقة هي نبعٌ عرفتُه من خلال قصّةٍ يابانية، وتروي كيف ان جَرعَةً واحدة من مياهه تردُّ الشيخَ الى صباه؛ حتى اذا دفعه الطمعُ الى تناولِ أكثرَ ممّا ينقعُ الغُلَّة، عاد طفلاً عاجزاً عن الحبو.

<<<

 

وهنا أذكر نظريةً لعالمة الإنسانيات (أنثروبولوجي) مرغريت ميد في العلاقة الضرورية واللازمة بين الأجداد والحفداء وتقول: «إن الأجدادَ بحاجةٍ الى الحفداءِ كي يظلَّ العالمُ المتحوّلُ بهم نابضاً بالحياة...

كما ان الحفداءَ يحتاجون الى الأجدادِ كي يساعدوهم على معرفة أصلهم، ويَمنحوهم شعوراً بالتجربة الإنسانية في عالمٍ قديمٍ
لا يعرفون عنه شيئاً».

وكانت العالمة قد كوّنت نظريتها تلك، في إِثْرِ ولادةِ أوّل حفيدة لها من ابنتها، مما دفعها لتقول: «ومن دون أيّ تدخّل مني، صرتُ متصلةً عضويّاً بإنسانٍ جديد».

نعم، نحتاج الى الرجوع الى منابعِ العلم، الذي دفعَ، ولا يزال يقود الإنسانية، فوق سلالم التقدّم، من أجلِ فهمٍ أعمق للوجود والكيان.

<<<

 

وهذا ما يجعلني أنظر بتقدير جمّ، الى هذا اللقاء حول كبارنا، والعمل والتوعية على واقعهم، وأهميّة الالتفات اليهم، لا لنضعهم في «مأوى العجزة» كما كانت تُسمّى مؤسّسَات الرعاية، بل لنُفيدَ من خبرتهم وتجاربِهم في كل حقل ومجال.

وحتى أولئك الذين لم يسمح لهم الحظ بدخول المدارس، وقراءة أحرف لغاتِهم، لأن كتبَ الحياة التي ضلعوا في قراءتها، راكمتْ في وعيهم وكيانهم من الخبرة والمعرفة ما تعجز عن توفيره، في بعض الأحيان، أبرعُ الكتب والتجارب العلمية.

<<<

 

وتحضُرني، للمناسبة، ذكرى زيارة، قمتُ بها قبل عَقْدين من الزمن، للتعرّف على تراث «الإنويت» وهم سكان القطب الشمالي في كندا؛ وتعلّمتُ، في حينه، كيف تُختزنُ المعرفة، خصوصاً القصّة والأسطورة، في صدور المسنين وبالأخص المسنّات، حين
لا تكون هناك لغةٌ مكتوبة.

وقد أعادتني وجوه السيّدات الى حضور جدّتي، في طفولتي؛ وكيف كانت حكاياتُها، مهدَ أمْني، والينبوعَ الثري الذي منه نهلتُ أولى القصص والحكايات.

<<<

 

أما كتابُ «نور»، جمعية المرأة العربية، الذي نحتفل اليومَ بإطلاقه تحت عنوان «كِبَرُنا أسلوبُ حياة» فهو ثمرةٌ خيِّرة من ثمار العلمِ والمعرفة، وخَطوةٌ جديدة، أرجو ان تُصبحَ قدوة، وتكون اللبنةَ المؤسِّسةَ لوعي جديد حَيال الكبار في مجتمعنا. ولا أقولُ «المسنّين» لأني أرفض ان أعتبرَ عُمْرَ الإنسان محدوداً بعدد السنين، بل بكل الثمار البنّاءة والإنسانية والأفعال...

ومن بعض تلك الأفعال الرائدة والنبيلة، توجُّه جمعية المرأةَ العربية الى إصدار كتب تفيدُ المرأة والمجتمع قاطبة. ومنذ أن أصدرت دليلَ المرأة العربية للتغذية تحت عنوان «بالصحّة والهناء»؛ الى الكتاب القيِّم في الصحّة النفسية تحت عنوان «النفسُ تشكو والجسدُ يُعاني»، حتى هذا الإصدار الأخير، الذي يحتفلُ بعمر الإنسان، ويُقدّرُه، ويدعونا، كلَّ واحدٍ خطا خطوةً متقدِّمة في العمر، ليَقفَ أمام مرآةِ ذاته، ويُحصي البركاتِ المغروسة في كل ثنيّة من ثنايا الوجه والجسد، ويُدركَ قيمتها؛ ويعلم بأنه رابحٌ في جولات سباقٍ بدأه منذ أن فتحَ عينيه على نور الحياة.