mena-gmtdmp

كفانا الله شره

المرض نعمة ربانية في أوله، إذْ ينبهنا إلى اختلال ما في جسمنا، وإلى وجوب تغيير سلوكنا للوقاية من هذا الاختلال أو تجنب مضاعفاته، والمرض في وسطه اختبار لقوة تحملنا، وفي نهايته إما انتصارًا وشفاءً وحصانةً من ذلك المرض، وإما جاءنا ما كفانا الله شره!

والأمراض أنواع، منها الخفيف ومنها الشديد وما بينهما، وكذلك هنالك أمراض مأساوية، وأمراض كوميدية يكثر فيها التمخط ومناديل الورق، كما في دور البرد البريء بتاع زمان قبل أن تشاركنا مخلوقات الله فيه، أو البطن المنتفخ كالطبلة من الإفراط في الطعام.

والمرض الأخير هو ما أُعاني منه الآن.

ولذلك قصة يا سيدتي يسرني أن أحكيها.

أمي مسَّاها الله بالخير تحب أن تعبر عن حبها وحنانها في صورة طعام، ومنذ صباي المبكر كنت موهوبًا في اختيار الطعام غير المناسب في الوقت غير المناسب؛ فبدلًا من أن أتعشَّى كبقية خلق الله الجبن والمربى أو البيض وما شابه، كنت أصر على أن أُعيد الغداء على مائدة العشاء، وكانت أمي المحبة توافقني.

ربما لأني مصري، فقد كنت مغرمًا كباقي المصريين بالملوخية، وهي خضار قوي - إنْ صحَّ التعبيرـ  يُؤكل بالأرز أو دونه، وغرامي كان الأرز بالملوخية، وهكذا ـ وقد مدوا لي في حبل غيِّي- كنت أفعلها غداءً وعشاءً، وأنام وفي بطني ترقد الملوخية الذائبة في أحضان الأرز.

ومرَّ نصف قرن على بطن متمرد، غير معترف بأي أعراف غذائية، قانونه أن يأكل ما شاء وقتما شاء، وما كان جائزًا في العاشرة أو في العشرين، صار كارثة في الأربعين، ثم استقر في كتاب العمر -بعد ما جاوزت الخمسين- تراجيديا مضحكة من تأليفي وإخراجي، وها أنا أكتب فيها مقالة نقدية، لكنها ليست جادة جدًّا جدًّا، بل الغرض منها التسلية أيضًا.

هناك طائفة من الناس ابتلاهم الله بحب كل ما يضر من أنواع الطعام، وكراهية كل ما يفيد، على سبيل المثال؛ أحب كل أنواع النشويات من أرز ومكرونة وخبز وبطاطس، وكل أنواع الحلويات، بينما لا «أعز السلطة»،عكس الفنان عادل إمام، أما الفواكه فأحب فيها المليء بالسكر كالعنب والبلح والمانجو، ولا أستلذ التفاح ـ عكس معظم الناس ـ لأن سكره قليل.

وقد ابتلاني الله أيضًا بأني كنت من المدخنين، وتمكنت للمرة الألف بعد عذاب من التوقف عنه، لكني عوضت هذا الاختلال في ميزانية الألم بأن أودعت ما قيمته عشرون كيلو جرامًا زائدًا من اللحم والشحم في ستة أشهر، تلك سخرية اللعبة حين يكف شخص بدين عن التدخين، فكأنك «يا أبو زيد ما غزيت».

وإني أدعو الله هذه المرة أن يكرمني فلا أعود ثانية للسيجارة، وأن تكون هذه الطلقة الألف هي البائنة، فالذي يحمل فوق كتفه رجلًا في مثل حجمه من الوزن الزائد يسعده كثيرًا ألا يضيف إلى صدره مترًا مكعبًا من الدخان كل يوم، فعنده من اللهاث ما كفاه.

كفاكِ الله وكفانا يا سيدتي شر المرض.

وهناك مرض غير لطيف ومنتشر وقانا الله شره أيضًا، وهو الأكل كنوع من التعبير عن التوتر، وأحيانًا عن الخواء الروحي، وربما الحاجة إلى الحنان واستعادة لصيغته الأولى، وهي الطعام لغة الحب بين الرضيع وأمه.

هكذا يدور كل شيء ويلف ليعود ويحط فوق رأس الأم المسكينة، منذ أن أطلق أخونا الخواجة فرويد صيحته الأوديبية، وكل مصيبة تحدث لأي فرد من أفراد الأسرة أو حتى عند الجيران يفسرها تلاميذ فرويد بأنها عقدة أوديب.

هذا أيضًا كله من تحت رأس الأم، يفرط السيد الكبير العاقل في الطعام لكن الذنب ذنب أمه التي أرضعته الدفء والحنان طعامًا، فهو يُكثر من البصل والثوم ولحم الضأن والفتة حنينًا لأمه وكله من اللاوعي!

كم من الجرائم تُرتكب باسمك أيها اللاوعي.