بلس /أخبار

للمرة الثالثة.. «شباب جدة» ينقذون العروس من الغرق

بعيداً عن المجموعات المؤسسية وعن التنظيمات الحكومية وفرق الطوارئ، نجدهم في أهبة الاستعداد؛ لجعل عواتقهم سنداً وعوناً لأرضهم، لوطنهم، للإنسانية.


شباب جدة.. هم الشريان النابض والبنية التحتية الأصيلة والحقيقية للمدينة، ففي كل مرة تستغيث جدة غرقاً، هم أول من يلبون ويخرجون من كل فج وفي أي حين، دون أن ينظروا خلفهم أو يبحثوا عن من المسؤول، ففي حينها إغاثة جدة في نظرهم مسؤوليتهم الأولى، ليتواجدوا في الميدان قبل أي جهة مخولة بالإنقاذ وحل الأزمة.


«سيدتي» التقت عدداً من هؤلاء الشباب المتطوعين الذين شاركوا بإغاثة المتضررين ومساعدتهم، بعدما تحولت شوارع جدة إلى برك مياه ضخمة؛ بسبب هطول الأمطار.

منافذ مغلقة وتكدس وغياب مسؤولين
هذا ما رواه عبدالرحمن شنواز، 27 عاماً، «موظف»، عن ذلك اليوم الذي لم يعد فيه إلى المنزل حتى الساعة الثالثة صباحاً، حيث قال: «خرجت من عملي صباحاً، وتفاجأت بغرق حي الحمراء وإغلاق جميع منافذه، وشارع الأندلس بالذات كانت حالته مزرية، فالسيارات متكدسة فوق بعضها، وبعض أصحاب السيارات مازالوا ملازمين أمكنتهم دون حراك، ولامتلاكي سيارة دفع رباعي كبيرة، قررت المساهمة مع بعض الشباب لسحب تلك السيارات وأصحابها لبر الأمان، وما يحزنني فعلاً هو تأخر الجهات المسؤولة في الوصول لهذه المناطق المنكوبة، فلم يصلوا ويباشروا أعمالهم إلا بعد صلاة المغرب، كما أسفت حقيقة على تلك السيارات الفارهة التي فرّ أصحابها إنقاذاً لأرواحهم، وتركوها غارقة في المياه، مما جعل بعض النفوس الضعيفة تستغل الوضع وتحطم زجاج النوافذ وتسرق جميع ما في داخلها، فقررت تصويرها عبر «سناب شات» وعرضها؛ ليتعرف عليها أصحابها، وعلى ما آلت إليه سياراتهم».

رسائل شبابية وتنبيهات بالأماكن المتضررة
بهجت آل طاهر، 30 عاماً، «موظف»، هو أيضاً كان يملك سيارة دفع رباعي، وردته رسالة المتطوعين من فرق سيارات الدفع الرباعي، فقرر نشرها والمساهمة في العمل معهم، ويحكي: «في الصباح الباكر وأنا متوجه إلى عملي، كانت الأجواء طبيعية جداً حتى الساعة العاشرة، وبدأت الأمطار بالهطول وداهمت المياه الشوارع؛ لتتضرر بعض المركبات وتتوقف عن الحركة وتشل الحركة المرورية بالكامل، سحبت سيارات المتضررين بربطها بسيارتي وقيادتها لضفة أخرى أقل ضرراً، وبما أن الوقت مازال في بدايته، قررت نشر رسائل تنبيهية بكل الشوارع والطرق المتضررة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ ليتحاشاها الآخرون، وبعد فترة وجيزة انضم إليَّ أحد أقاربي للمساعدة بسيارته الجيب والعديد من الشباب».

سيدة مسنة تُحتجز داخل سيارة أجرة
وعن أسوأ المواقف، ذكر بهجت: «في شارع الأمير سلطان، كان منسوب المياه عالياً، وتعطلت إحدى سيارات الأجرة التي كانت تقل سيدة مسنة، الماء غمر السيارة من الداخل، فاضطررنا للتدخل وإخراج السيدة منها، وحالتها كانت محزنة، وأيضاً في شارع حلمي كتبي سقطت أعمدة الإنارة، وشكلت خطراً كبيراً على المارة، فبإمكانها أن تصعق أي شخص يمر بجانبها، لكننا رصدنا المكان ونبهنا الجميع».

أعوذ بالله من قهر الرجال!
جملة رددها بمرارة حكيم باقبص، 26 عاماً، صاحب مطعم بجدة، عندما كان يروي لنا عن أصحاب السيارات، وخاصة من كان يملك سيارة لا يقل مبلغها عن نصف مليون ريـال، أو من يقود سيارة تابعة لشركة وليست من ملكه الخاص، ويقول: «لا يبارح ذهني منظر أولئك الرجال الذين شعروا لفترة باليأس من إنقاذ سياراتهم، وبعد مساعدتهم بإخراجها من المياه، تمتلئ أعينهم بالفرحة وألسنتهم بالدعاء لنا بما يشرح الصدور، خاصة عندما صادفنا قائد شاحنة تابعة لإحدى الشركات منهاراً؛ لتورط شاحنته داخل المياه، وكان يردد (مستحيل تطلع.. خلاص راحت) لكن بكلماتنا معه أقنعناه بالتجربة للمرة الأخيرة، ونجحنا بسحب سيارته، وكاد يسجد من فرحته».

رغم تنبيه الإدارة لم أعد للمنزل
ماهر بخاري، 30 عاماً، موظف، يعمل بميناء جدة الإسلامي، وردته رسالة تنبيهية عبر البريد الإلكتروني من إدارته بترك العمل والعودة للمنزل لسوء الأحوال الجوية، لكن أكد لـ«سيدتي» قائلاً: «عندما غادرت العمل كان المطر يهطل بغزارة، وبدأت الشوارع تغرق، خاصة شارع الملك عبدالله وشارع الأندلس، وكان منظر السيارات مرعباً، فلم أستطع العودة للمنزل، وانضممت لمجموعة من الشباب ومساعدتهم في سحب السيارات للمناطق المرتفعة».
واستطرد ماهر في حديثه عن الفرق التطوعية الشباب الذين تركوا منازلهم وأعمالهم للخروج للشارع: «الشباب لم يتردد للحظة بمساهمته في الحد من الضرر الذي شاهدناه في الأعوام الماضية، حتى وإن كانت أدوات الإنقاذ لدينا محدودة، فشباب جدة في كل الأحياء، الجنوبية والشمالية والشرقية والغربية، تراهم منتشرين وعلى استعداد تام للمساعدة و(الفزعة)».

ارتفاع كفاءة العمل التطوعي لدى الشباب
أوضح رئيس ومؤسس مبادرة « كايزنها» التطوعية، المهندس صالح السلمي، أن الشباب السعودي أصبح أكثر كفاءةً لمواجهة الأزمات، وكان للسلمي دور كبير في مساندة هؤلاء الشباب؛ بنشر رسائلهم وأرقام هواتفهم ودعمهم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وفي حديث خاص مع «سيدتي» قال م. صالح: «في مثل هذه الأزمات تعتمد الدول على شبابها، وكان شباب جدة في ذلك اليوم حاضراً بالعمل، مما أسهم في تخفيف الضرر الناجم عن الأمطار، لتتنوع جهود الشباب التطوعية؛ ما بين استقبال البلاغات والتنسيق والدعم والمساندة، وصولاً إلى الإيواء، حتى ساعات صباح اليوم التالي. واللافت جداً في هذه الجهود التطوعية هو ارتفاع كفاءة العمل التطوعي لدى الشباب؛ بفضل التجارب السابقة».

X