أسرة ومجتمع /ثقافة وعلوم

مدرسة حواء .. وقدرات آدم المحدودة

بعد أن نشرنا قصة قصيرة بعنوان «أريد أن أتزوج يا أبي»، نتابع الحوار الدائر بين الأب وابنه المقبل على الزواج، ونتعرف على نصائح جديدة، وذكريات سعيدة؛ يقدمها الأب في قالب قصصي ممتع، توضح كيفية العلاقة الصحيحة بين الأزواج، وكيف علينا التروي قبل الإقدام على الارتباط، واختيار الشخص المناسب.

- هل تعلم ما الذي كان يدور بخاطري، عندما كانت أمك تصرخ بوجهي؛ شاكية متذمّرة؟
- لا.. أخبرني
- في كل مرةٍ كانت تغضب ويعلو صوتها؛ كنتُ أتذكّر مواقفها الرائعة معي، وأنفصلُ بأذنيّ تماماً عما تقول وعن حالة التوتر المصاحبة لكلامها.. هذا لا يعني بالطبع تقليلي من أهمية حديثها، إلا أنه خلال غضبها؛ يكون حديثها انفعالياً؛ تفرّغ من خلاله شعورها بالضغط والتعب، ولا تعني أغلب ما تقوله. لذلك لا أركّز على معاني كلماتها في هذه الحالة.

- أخبرني أكثر؛ كيف كنتَ تنفصل عن التوتر، وتتذكر مواقفها الرائعة؟
- بأن أعطي لها عذرها؛ بأنها تحمل مسؤولياتٍ لا أستطيع تحمّلها، وتعتني بي وببيتي وبأولادي، وأدرك أن من حقها التفريغ والتعبير عن الضغط الذي يرهقها، وأسرح بذاكرتي مبتسماً لإضاءاتٍ عشتها معها منذ أيام الخطوبة، عندما قالت لي بابتسامةٍ طفولية: «أنا عصبية أحياناً، هل ستتحمّلني؟» فجاوبتها ضاحكاً: «عصبيتك الطفولية تروقني وتضحكني، لذا؛ أكثري منها» .. كما أتذكّر أنها بعد أيامٍ من إنجابك، سألتني: «أختي قالت إني خلال الولادة شتمتك بألفاظٍ شائنة!! هل هذا حقيقي؟» أومأتُ برأسي بالإجابة؛ فذُهلت وأخذت تعتذر من فظاعة الألفاظ، وقالت لي: هل ستسامحني؟ حينها ضممتُ رأسها إلى صدري، وقلتُ لها حرفياً: لو كنتُ عانيتُ ماعانيتِه خلال الولادة؛ لسبقتكِ في الشتيمة بأشواطٍ كبيرة، وربما كنتُ ألقيتُ بكِ من النافذة.. نظَرَت لي بدهشة، ثم انفجرت ضاحكة، ثم قالت لي: «كم أنا محظوظة لأنك زوجي وأبُ أولادي».. هكذا عبارات لاتمرّ بي مرور الكرام؛ بل تعلقُ في تلابيب الذاكرة لتنعش الروح وقت الحاجة.

- كم أنتَ رائعٌ يا أبي، كم يعجبني سلوكك في معالجة الأمور، لكني لم أكن أعلم أنك بهذه البراعة مع الجنس الآخر «بضحكة ماكرة» أبي، اعترف بالحقيقة، هل كانت أمي أول امرأة في حياتك؟ لا أعتقد ذلك؛ فمن خبرتك في فهم حواء؛ يبدو أنك كنتَ دونجواناً قبل الارتباط بها.

- «يضحك بعمق»، أيها الشقي، لاتجعلني أبدو مثالياً بلا أخطاء، لم أكن دونجواناً بالمعنى الحرفي للكلمة، لكني كنتُ مهتماً بطريقة تفكير حواء، ومراقباً لكل مايقع تحت يدي من قصصٍ وتجاربَ وملاحظات عن هذا الموضوع، والحافز لذلك كان يقيني العميق أن عقل حواء مركّب بطريقةٍ لا تشبه بحالٍ من الأحوال عقل آدم! لذا؛ كان الإعجاز الإلهي البديع في تكاملهما معاً؛ لعمارة الأرض، وخلق مجتمعٍ بشريّ؛ ينمو يومياً؛ معتمداً على علاقة هذين المخلوقين! كما أني لستُ منزّهاً عن الخطأ؛ فلطالما أخطأتُ في حق أمك، ولطالما وجد الشيطانُ طريقه بيننا، لكني كنتُ أنجحُ في تطييب خاطرها والاعتذار لها ونيل السماح، لم أكن مكابراً ولا عنيداً، كعشرات الأصدقاء من حولي؛ ذوي العقلية الذكورية السلطوية! أنا أؤمن أن الخطأ عنصرٌ بشريّ طبيعي، غير متعلقٍ بجنسٍ معيّن، وأن الأقوى والأفضل هو من يبادر للاعتذار والاعتراف بخطأه بشجاعةٍ ومسؤولية.
- «سارحاً بصمت»
- مالي أراك صامتاً يابنيّ؟
- عقلي يعملُ بطاقته القصوى في تخيّل حياتي القادمة.. أتخيّل سلوكي مع زوجتي؛ بناءً على كلامك، في الواقع أن عقلي ربط حديثك بحكمةٍ أؤمن بها كثيراً، ولا أعلم إن كان ربطي في محله أم لا؟
- عن أي حكمةٍ تتحدّث؟
- الأكثر مرونة.. هو الأكثر قوة.
- ربطكَ في محله، الفكرة هنا المرونة في فهم الأمور، وفي الاعتراف بالجهل، والحاجة للاستزادة والمعرفة والاطلاع، والمرونة في تقييم النفس بين الإفراط والتفريط.
- أبي .. كيف تعرّف الزواج؟
- حياة ثنائية معقّدة بين شخصين، ستكون جحيماً لو ركّز كلٌ منهما على سلبيات الآخر، ونعيماً لو ركّزا على جماليات بعضهما والنواحي الجميلة في حياتهما.
- كيف أعلمُ أنها مناسبة لي يا أبي؟
- راقبها حينما تختلفان.. ماذا تقول، وماذا تفعل، وكيف تصفكَ حينها؟ ففي أجواء الود؛ الكل يبدو كالملائكة، لاحظ طبيعة تحمّلها للمسؤولية، وكيف تسعد نفسها، وما الذي يشقيها؟
- وكيف أتأكّد أني مستعدٌ للزواج؟
- هل تستطيع تحمّل مسؤولية طفلة في السادسة، لمدة شهر؟
- «بعد طول تفكير» مممم... لا أعتقد.
- البناتُ أطفالٌ.. كم كنتَ أنتَ ممتعاً ومسلياً عندما كنتَ طفلاً!! وكم كنتَ متعباً أيضاً!!
- فهمت.. فهمت يا أبي.. أشعرُ أني اختصرتُ سنين من الخبرة في هذا الحديث.
- لا يزال لديك بعض الأسئلة.. اسأل.
- «بمرح» كيف عرفتَ يا أبي؟ هل لديك أصدقاء من العفاريت؟
- ليس لديّ عفاريتُ غيرك «يضحك»
- هل المرأة «ناقصة» عن الرجل؟
- نعم، لكنه نقص الاختلاف وليس التفاضل، عقلها أي «منطقها»؛ يقل عن الرجل، بمقابل زيادة عاطفتها عنه. عاطفتها التي تجمّل الحياة، وتربّي بها الأطفال، وتسعد بها من يحبها، وتتحمّل بها العقوق والظلم والضغوط. المرأة كلما قست عليها الحياة؛ أحبّت أكثر.. هل تقدر أنتَ على ذلك؟
- يبدو هذا مستحيلاً.. يبدو أن عاطفة المرأة؛ شيء أشبه بالمعجزة!
- هو كذلك.. معجزة.. تخيّل الحياة لو أن النساء كما الرجال في شخصياتهن وعقولهن وتفكيرهن.. تخيّل معي!! هل لاحظت كم الحياة باتت مقرفة؟
- يا إلهي، نعم.. أعتقد أننا سننقرض؛ فلن يتزوج أحد بهذا الوضع!!
- «يضحكان».. إذن، احمد الله على هذه النعمة.
- أبي .. ماتفسير «واضربوهن»؟
- بالعودة للتفاسير؛ نجد أن المقصود هو الضربُ بالسواك، وليس على الوجه، مما يجعل أولي الألباب يستنتجون أن الضرب للمرأة الناشز هنا، معنويّ وليس جسديّاً، ويأتي بعد العظة والهجر، إلا أن ديننا يجرّم التعدي الجسدي، كما تعلم.
- شكراً لك يا أبي.. شكرٌ لا حدود له على هذا الحديث الممتع المفيد.. سوف أتريّث في قرار الزواج، وستكون أنت مستشاري حين أنويه.
- «يضحك». هذا يسعدني يابنيّ، على الرُّحب والسعة.

مواضيع ممكن أن تعجبك

أضف تعليقا

X