القوارير

شهرزاد

 

في داخل كل امرأة هناك مجموعة من النساء، لكل منهن شخصية مختلفة تظهر حسب الموقف؛ فالموقف هو مسرح الشخصيات الذي تؤدي عليه دورها المطلوب منها في الحياة.
لذا لا أجد صعوبة في التعرف إلى هوية الأنثى التي خرجت من داخلي هذه الليلة، ووضعت القلم بين أصابعي؛ كي أكتب رسالة ورقية.


فالنساء في داخلي توقفن عن استخدام الأوراق والأقلام في كتابة رسائلهن منذ زمن بعيد، إلا تلك الأنثى المناقضة لهن بكل شيء، المحلقة خارج السرب، السابحة ضد التيار.
إنها الصبية التي تعشق الشمس، وتنفر من الأماكن المغلقة، ولا تحب إسدال الستائر، ولا إشعال الشموع، ولا النوم على صوت الموسيقى.


الصبية التي ما زالت ترتدي نظارات بعدسات سميكة، وتجمع شعرها بكلتا يديها؛ كي تحوله خلف رأسها إلى كتلة دائرية من الصعب تبعثرها وإفساد متعة القراءة عليها، وتتذمر كثيراً حين لا تجد بين أرفف الكتب ما تبحث عنه، وتشعر بالبرد حين تقرأ الصحف من موقع إلكتروني، وتنتظر صحف الصباح الورقية بلهفة، وتعشق رائحة المطبوعات الجديدة، ولا تنتظر أمام المرآة طويلاً، ولا تنسى نفسها في محال التجميل، وتفضل الأحذية الرياضية في أثناء التسوق، وتنعت حذاء سندريللا الذهبي بـ«وهم الحالمات».


هي الأنثى التي تغافلني دائماً؛ لتسحب أصابعي من برودة الأجهزة إلى دفء الأوراق، كي تكتب حين تشعر برغبة الكتابة إليك.
فأنا، يا سيدي، ما زلت أكتب الرسائل، وأستهلك الكثير من الوقت في انتقاء الكلمات المناسبة، وأكرر المسح وإعادة الكتابة؛ كي يبدو خطي أجمل، وأرتب الورقة وألون العناوين الرئيسية، وأستخدم الكثير من النقاط والفواصل وعلامات التعجب والاستفهام، وأحرص على أن تكون الهمزة في مكانها الصحيح، وعلى ألا أرتكب الجريمة اللغوية في الخلط بين الضاد والظاء.
وأتحايل على اللغة كثيراً، وألفُّ طويلاً كأنني في متاهة متعددة الأبواب الخاطئة.


فأكتب لك عن كل الأشياء إلا أنت، وأصف لك ملامح الحنين بعد الفراق، وأفسر لك معنى أن نبكي بلا سبب، وأن نغضب بلا سبب، ومعنى أن نرغب أحياناً بالعزلة، وبالهجرة، وبالغناء في الأماكن المغلقة، وبالجري في المساحات الفارغة أمامنا.
ومعنى أن نشعر بالوجع أحياناً حين ندندن بأغنية قديمة، ومعنى أن نعجز عن المرور من بوابة حكاياتنا الفاشلة بسلام، فنبقى كالمعلقين على عتبات أبوابها تأكل طيور الأيام من رؤوسنا، ونحن نقاوم الوجع بصبر، وحين يرعبني تخيل ذلك، أسارع لرسم نافذة مفتوحة أعلى الورقة، كي أطل منها برأسي وأتنفس بعمق، ثم أعود لمتاهة الكتابة، وأعاود اللف والدوران؛ كي أقول لك في النهاية إني أحبك، وإنك حكاية شوق موجعة.


قبل النهاية بقليل:
فقط وددتُ إخبارك أن النساء في داخلي لم يتفقن على شيء، إلا حبك!