mena-gmtdmp

في ذكرى سرقة الموناليزا.. قصة اللوحة التي غادرت جدارها لتصنع أول ترند في التاريخ

لوحة الموناليزا
زائر يلتقط صوراً للوحة "لا جيوكوندا" (الموناليزا) للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي في متحف اللوفر في باريس في 28 يناير 2025- المصدر: (Photo by Bertrand GUAY / AFP)

قبل صباح الحادي والعشرين من أغسطس عام 1911، لو سألت عابر سبيل في شوارع باريس عن "الموناليزا"، لربما هزّ كتفيه جهلاً، وربما لم يكن يعلم من الأصل أنها لوحة فنية لأحد أهم فناني التاريخ؛ فقد كانت مجرد لوحة هادئة تقبع ساكنة بين آلاف التحف في متحف اللوفر الفرنسي. لكن في ذلك الصباح، حدثت المفارقة التاريخية الكبرى؛ فلم تولد شهرة الموناليزا من وجودها؛ بل وُلدت من "غيابها". فقبل "تيك توك" بقرن كامل، حطمت سرقة اللوحة خوارزميات الصحافة التقليدية؛ مطلقةً عصر الانتشار الفيروسي قبل صياغة مصطلح "الترند" بعقود. لقد حدث كل هذا الهوس العالمي قبل أن يعرف العالم معنى الويب أو شاشات اللمس، وقبل أن يبدأ عصر الهاشتاغ وخوارزميات السوشيال ميديا؛ بل وقبل أن تتحول هواتفنا الحالية إلى حلبة يومية للركض خلف المجهول. كيف ذلك؟ تابعوا لتعرفوا!

قصة اختفاء اللوحة الأشهر عالمياً

لوحة الموناليزا للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي في متحف اللوفر بباريس بتاريخ 28 يناير 2025- المصدر: (Photo by Bertrand GUAY / AFP)


في أحد الصباحات الباريسية الهادئة وتحديداً في 21 أغسطس/ آب من العام 1911 ؛ حيث متحف اللوفر كان يغط في سكونه المعتاد. تسلل رجل ضئيل البنية يُدعى "فينشينزو بيروجيا" عبْر الأبواب؛ مرتدياً المعطف الأبيض الخاص بالعمال؛ ليذوب بين الحشود من دون أن يثير أدنى شبهة. لم يكن بيروجيا قرصاناً إلكترونياً، ولم يكن يملك أدوات اختراق معقدة، كل ما كان يملكه هو معرفة وثيقة بزوايا المكان بصفته عاملاً سابقاً بالمتحف. انتظر حتى خلت قاعة "الصالون المربع" من الحراس والزوار، واقترب من الجدار، وبحركة واحدة سريعة ومباغتة، نزع لوحة الموناليزا من إطارها الخشبي الثقيل، ولفها بمعطفه، وخرج بها إلى شوارع باريس تحت أشعة الشمس الصباحية ببساطة لا تصدَق؛ ليخفي أشهر وجه في التاريخ تحت سرير غرفته المتواضعة.
الغريب أن أحداً لم يلاحظ غيابها طوال يوم كامل؛ فقد ظن الحراس أن اللوحة نُقلت إلى مرسم التصوير بالمتحف. لكن في صباح اليوم التالي، انهار هذا الهدوء الكاذب عندما صرخ أحد الفنانين وهو يتأمل الحائط: "الموناليزا ليست هنا!".

الجدار الصامت يتحول إلى الشاشة الأكثر قراءة في العالم

بحسب موقع pariscreationsvirtuelles.com؛ فبمجرد أن تم الإعلان عن اختفاء لوحة الموناليزا، أصيبت وسائل الإعلام العالمية بحالة من الهستيريا الرقمية المبكرة، واجتاحت صورتها الصفحات الأولى للجرائد كالفيروس المستعر الذي لا يمكن إيقافه. فقد حطمت هذه السرقة خوارزميات النشر التقليدية التي كانت تقدس السياسة؛ حيث كانت الصحف صارمة وصامتة في ذلك الوقت، تحجز صدارتها للحروب والصراعات الكبرى فقط، لكن غياب اللوحة أجبر رؤساء التحرير على وضع مادة فنية ترفيهية في قمة أولوياتهم لأسابيع متتالية؛ ليتحول الجدار الصامت فجأة إلى الشاشة الأكثر قراءة في العالم. وامتدت طوابير البشر لأسابيع طويلة لا لتأمل الفن؛ بل لتحديق النظر في المسمار الفارغ وصناعة محتوى من العدم (سرق اللص اللوحة تاركاً أربعة مسامير على الجدار الفارغ).
عندما لم يجد الإعلام أخباراً جديدة عن السارق، كسر قاعدة "نقل الحقيقة" وبدأ في "تخليق المحتوى" عبْر نشر الشائعات والتحليلات النفسية لوجه المرأة الغامضة، تماماً كما تفعل المواقع اليوم للحفاظ على "نسبة المشاهدة"؛ مجبرةً الملايين على الركض وراء أول "ترند" جماعي في التاريخ، يثبت أن الشهرة أحياناً لا تصنعها عبقرية الفرشاة؛ بل يصنعها ضجيج الغياب. ولو كان هناك "وسم" متصدر عالمياً في ذلك الصيف، لكان بالتأكيد #أين_الموناليزا.
ومع تفاقُم الأمر وغياب الإجابات، بدأت الصحافة الجائعة للتفاعل في توجيه اتهامات عشوائية لأسماء ثقيلة في عالم الفن تلبيةً لنظريات المؤامرة؛ فكان الضحية الأبرز هو الشاعر الفرنسي غيوم أبولينير الذي اعتُقل وأُودع السجن لأيام تحت وطأة الشبهات، ولم تتوقف تلك الهستيريا البدائية عند هذا الحد؛ بل جرّت خلفها رسام القرن العشرين العبقري بابلو بيكاسو، الذي اقتيد إلى قاعة المحكمة ليتم استجوابه قبل أن تتدخل العدالة وتعلن براءتهما.

نهاية الترند: كيف سقط اللص في فخ الشهرة؟

لم تكن نهاية الأسطورة تكنولوجية؛ بل جاءت نتيجة للمفارقة الساخرة التي وقع فيها السارق الإيطالي فينشينزو بيروجيا. فبعد عامين كاملين قضتهما الموناليزا مخبأة في صندوق خشبي رخيص تحت سريره بباريس، ظن اللص أن "الترند" قد مات وأن الخوارزميات نسيت وجه ضحيته. في أواخر عام 1913، سافر إلى مدينة فلورنسا الإيطالية وحاول بيع اللوحة لتاجر فنون معروف. ولأن بيروجيا لم يستوعب أن القوة الفيروسية التي صنعها بسرقته والتي حفرت ملامح الموناليزا في وعي البشرية؛ فبمجرد أن وقعت عين التاجر على اللوحة، عرفها على الفور وأبلغ السلطات. أُلقي القبض على السارق ببساطة، وعادت الموناليزا إلى اللوفر لتستقبل ملايين "المتابعين" جسدياً هذه المرة، بعد أن أثبتت للعالم أن الجريمة الكاملة قد تنجح ضد حراس المتحف، لكنها تسقط حتماً أمام خوارزمية الشهرة العالمية.
من خلال الرابط التالي، ستتمكنون من التعرُّف إلى التفاصيل الكاملة التي أدت إلى الكشف عن أسرار لوحة الموناليزا

سرقة الموناليزا وولادة سياحة الترند

صورة التُقطت في 23 يونيو/حزيران 2020 لامرأة أمام لوحة "الموناليزا" للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي في متحف اللوفر بباريس خلال زيارة صحفية للمتحف- المصدر: (Photo by THOMAS SAMSON / AFP)


بحسب موقع chronicleonline.com؛ فقبل صباح الحادي والعشرين من أغسطس عام 1911، كان متحف اللوفر واحة نخبوية هادئة يرتادها النبلاء والمثقفون، ولم تكن الموناليزا سوى لوحة عادية تقبع في الظل خلف أعمال "رافائيل" و"تيتيان"؛ عابرة من دون أثر يُذكر، كواحدة من بين ربع مليون قطعة فنية. لكن غيابها المفاجئ أحدث انفجاراً فيروسياً غيّر سيكولوجية الجماهير؛ إذ تضاعفت أعداد الزوار بشكل جنوني، وتدفق الآلاف الذين لم يطأوا متحفاً قط، لا لتأمل الفن؛ بل ليعيشوا مفارقة بصرية فريدة بالوقوف في طوابير ممتدة لتحديق النظر في الفراغ والمسامير العارية على الجدار. هذا الهوس صنع أول تجارة تذكارية جماعية ببيع ملايين البطاقات البريدية لوجهها؛ ليتحول اختفاؤها إلى البداية الفعلية لـ"السياحة الثقافية الجماعية".
بحسب الإحصاءات؛ فعند عودة الموناليزا في أواخر عام 1913، اجتاح طوفانٌ بشري غيرُ مسبوق قاعات اللوفر؛ مستقبلةً أكثر من 120 ألف زائر في يومين اثنين فقط! هذا "الترند التاريخي" المتدفق، جعل اللوفر يتربع على عرش متاحف الأرض كالأكثر زيارة عالمياً بـ9 ملايين زائر سنوياً؛ حيث تؤكد الإحصاءات أن 80% منهم يأتون لغرض واحد: التقاط صورة مع أشهر امرأة غادرت جدارها.
بفضل هذا الغياب الصاخب، تحولت الموناليزا لأكثر الأعمال الفنية شهرةً في العالم. يشاهدها ملايين الأشخاص سنوياً، ولم تتوقف عند حدود كونها جوهرة تاج مجموعة متحف اللوفر، وعملاً أيقونياً من عصر النهضة، ولوحة يصعب تقدير قيمتها؛ لأنها تُعتبر لا تُقدر بثمن، إلا أنها تحولت للقوة الناعمة الأكبر لفرنسا؛ صانعةً من باريس عاصمة الفن والغموض، ومزاحمةً برج إيفل، كشعار بصري وهب المدينة خلوداً تِجارياً وعالمياً غيرَ مسبوق (وُلد من رحم الفراغ).

كم مرة تعرّضت لوحة الموناليزا للسرقة؟

بحسب موقع artnews.com؛ فقد كانت لوحة الموناليزا هدفاً للسرقة والتخريب في مناسبات عديدة، إلا أنها تعرضت للسرقة الفعلية مرة واحدة فقط طوال تاريخها، أما بقية الحوادث التي تعرضت لها اللوحة على مَر السنين؛ فلم تكن سرقات؛ بل كانت محاولات اعتداء وتخريب متنوعة. وهي التي أجبرت متحف اللوفر على وضعها خلف زجاج مضاد للرصاص. أبرز هذه الاعتداءات:

  • عام 1956 (اعتداءان في عام واحد):

الأول: قام فيه أحد الأشخاص بسكب حمض أسيد على اللوحة؛ مما ألحق ضرراً طفيفاً بالجزء السفلي منها.
الثاني: قام فيه شاب بوليفي بإلقاء حجر على اللوحة؛ مما أدى إلى تحطم جزء من الزجاج الواقي وتطاير شظية صغيرة من الطلاء بالقرب من كوع الموناليزا الأيسر (تم ترميمها لاحقاً).

  • عام 1974 (في اليابان):

أثناء عرض اللوحة في متحف طوكيو الوطني، قامت سيدة برش طلاء أحمر (بخاخ) تجاه اللوحة احتجاجاً على عدم توفير المتحف ممرات مجهزة لذوي الاحتياجات الخاصة، لكن الزجاج الواقي حمى اللوحة تماماً.

  • عام 2009 (اعتداء كوب الشاي):

قامت سيدة روسية غاضبة بسبب رفض السلطات الفرنسية منحها الجنسية، بإلقاء كوب من الفخار (ماج شاي) اشترته من متجر المتحف نحو اللوحة، وتحطم الكوب على الزجاج الواقي من دون أيّة أضرار.

  • عام 2022 (اعتداء الكعكة):

تخفّى شاب في زي سيدة عجوز تجلس على كرسي متحرك، وقام فجأة بإلقاء قطعة كعكة (تورتة) على زجاج اللوحة مستعرضاً قضية التغيّر المناخي.
ومن الرابط التالي ستتعرّفين إلى المزيد من تخريب لوحة الموناليزا حيث شاب يشوّه لوحة "الموناليزا" بقطعة من الحلوى والسبب مفاجئ

  • عام 2024 (اعتداء الحساء):

قامت ناشطتان في مجال البيئة برشق اللوحة بـ حساء (شوربة) دافئ؛ للمطالبة بحق الحصول على غذاء صحي ومستدام. وقد نظف المتحف الزجاج فوراً وأعاد فتح القاعة.

(يُذكر أن لوحة الموناليزا، التي رسمها العبقري الإيطالي ليوناردو دافنشي في القرن السادس عشر، تُعَد أشهر عمل فني في تاريخ البشرية، وتستمد سحرها الخالد من ابتسامتها الغامضة ونظراتها التي تلاحق الرائي من كل زاوية؛ فضلاً عن خلفيتها الطبيعية الساحرة وتقنيات الظلال الثورية التي جعلتها أيقونة فنية لا تتكرر).