تُمثل باريس المحطة الأخيرة لأسبوع الموضة، ولكن نظراً لأهمية هذا الموسم الشتوي المقبل، تنتظرنا الكثير من العروض الكبرى على امتداد تسعة أيام متواصلة. يتميز أسبوع الموضة في باريس لخريف وشتاء 2026-2027 بجدول زمني مكثف؛ أيْ ما يقرب من ضعف مدة نظرائه في نيويورك ولندن وميلانو.
ولليوم الخامس من أسبوع الموضة في باريس، شهد الحدث مصممين تم تعيينهم مؤخراً يعملون على ترسيخ هويات جديدة؛ فبعضهم لاقى النجاح المبهر في العلامة التِجارية التي يقودها، ومنهم: جاك ماكولوغ، ولازارو هيرنانديز من دار لويفي Loewe، بالإضافة إلى مصممين كبار حافظوا على هويتهم في عالم يتغير بلمح البرق مثل: دانيال روزبيري Daniel Roseberry.

أبرز العروض التي لفتتنا على مدى 5 أيام متواصلة
هيرميس يستوحي من أزياء الفروسية

تمحورت تصاميم نادج فانيه Nadège Vanhée لخريف وشتاء 2026 للأزياء النسائية لدار هيرميس Hermès، حول استحضار "عالم انتقالي"، بين الأرض والفضاء. وقد أقيم العرض في حديقة الجمهورية الباريسية المضاءة بكرتين متوهجتين، وهي مغطاة بطبقة نديّة من الطحالب والنباتات، بينما امتد ممرٌ أنيق متعرّج على سطحها.
اتسم العرض بلمسة مستقبلية غامضة- وإن كانت متجذرة في براعة الحِرف التقليدية التي لطالما ميّزت دار الأزياء الباريسية. تضمنت المجموعة: سترات وبدلات ضيّقة من الجلد، وكنزات صوفية محبوكة بتقنية عالية، وأقمشة حريرية مزيّنة بطبعات مرصّعة بالغيوم على الصدر أو تمتد على طول الفساتين.
واستوحت المصممة قطعاً من أزياء الفروسية والتي بدأت لدى الدار بتصميم أزياء الفروسية عام 1837 مثل: سراويل ركوب الدراجات الأنيقة التي كانت في الواقع سراويل ركوب خيل مفتوحة من الأمام، أو السترات الرسمية الأنيقة ذات الصفين من الأزرار التي تُذكّر بسترات مسابقات الترويض.
إيلي صعب يستعيد حقبة التسعينيات

في مجموعته للملابس الجاهزة لخريف وشتاء 2026-2027، أطلق المصمم إيلي صعب تصاميمه من وحي المرأة؛ مستعيداً الحقبة الفنية التي كانت سائدة في مدينة نيويورك الأمريكية في التسعينيات. تجمع إطلالتها بين الأناقة العصرية والجاذبية؛ حيث تمزج بين أناقة البدلات الرسمية في وسْط المدينة، وجمال الأزهار في الأحياء الراقية بلمسة عصرية. استعان المصمم بالحرير والساتان دوشيش والميكادو، وحصر اهتمامه باللون البرغندي وتدريجاته من الزهري البودر، مروراً بالعنابي مع ومضات من الأصفر الخردلي والكثير من الأسود، وخاصة المعاطف والسترات والبدلات الجلدية المطبعة. واستعان بالجلد النباتي والأحذية المسننة من الواجهة الأمامية. ولم تخلُ المجموعة من الفساتين المطبعة بالورد والمطرزة بزهور من الباييت الأسود على الموسلين المبطن بقماش الساتان الوردي. وكان للدانتيل حضورٌ طاغٍ وخاصة الفساتين القصيرة من الأمام مع ذيل خلفي.
تابعي المزيد عن 6 موديلات للكاب لن تستغني عنها في إطلالاتكِ الشتوية الفخمة
نينا ريتشي وأنوثة الطبعات البرّية

قدّم المصمم هاريس ريد Harris Reed لدى دار نينا ريتشي Nina Ricci مجموعة رومانسية لا تخلو من الجرأة؛ فلقد استعان بنقشات الحمار الوحشي وطبعات الفهد بطريقة أنثوية؛ فتداخل القماش المطبع مع الشيفون وتخريمات الدانتيل، بقَصة أكتاف منسدلة وقصات غير متجانسة؛ مستعيناً بالآرت ديكو وبطابع الباروك في أحيان أخرى. كما كان للدانتيل حضورٌ بارز، وأحببنا تناسق ألوان الأصفر الخردلي مع القرميدي المحمر والبني الشوكولا في زي واحد.

جيفنشي تستعيد أعمال ألكسندر مكوين للدار

بعد أن جعلت سارة بيرتون Sarah Burton عرض جيفنشيGivenchy مُركزاً على المرأة، وسّعت آفاقه أكثر مع عرضها الخريفي المذهل؛ مُطلقةً العنان لأقمشة الملابس الرجالية، والمخمل، وطبعات الحيوانات، وحرير الكيمونو، والدانتيل، والخيوط الفضية، واستعانت بزخرفاتمن الفرو الفاخر؛ مُنسقةً كلّ ذلك ببراعةٍ فائقة. وصممت منصة عرضها الخريفية المظلمة كجهاز عرضٍ سينمائي عملاق؛ مما أضفى جوّاً ساحراً، وحجب مسار العرض المتعرّج كلّ عارضة لتبرز كل إطلالة لوحدها؛ مُتيحاً التركيز على كلّ شخصية.

قدّم العرضُ العديدَ من الاقتراحات المُلهمة؛ بدءاً من الخياطة المتقنة، وصولاً إلى الفستان المذهل الذي ارتدته مونا توغارد، والمُزيّن بالرسومات والتطريزات والقصات المُمزقة والشراريب، والذي يُشبه لوحة زهور نابضة بالحياة. كما بدت العديد من العارضات كشخصيات في لوحات فنية كلاسيكية من شمال أوروبا، وهو شعورٌ تَعزّز بفضل أغطية الرأس التي صنعها ستيفن جونز من قميصٍ ملفوفٍ بطريقةٍ قد تُلهم الفنانين لرسم لوحات زيتية.

قدّمت بيرتون الراحة والفخامة في الكنزة الطويلة باللون الأزرق، والتي اتسمت بقصة جانبية تُشدّ عند الخصر، ومنسقة مع شورت وبوت عالي جلدي من نوع Revert Boots. ولفتتنا الأناقة الراقية في سترات سبنسر السوداء ذات الخصر المحدد والكشكش، والإغراء الرقيق في بلوزة محبوكة تتدلى منها كرات صوفية، أو تنورة جلدية بسيطة للغاية، وتخلل العرض فستان مخملي مفتوح بزاوية، وعباية من الساتان الأخضر الثقيل مُسندة على كتف العارضة.
أضافت المصممة إلى المجموعة قطعاً شخصية ثمينة: كيمونو قديماً بالياً اشترته عند وصولها إلى باريس عام 2024، وفستان أصفر استخرجته من إحدى مجموعات جيفنشي للمصمم لي ألكسندر ماكوين، الذي قضت معه معظم مسيرتها المهنية، وخلفته بعد وفاته عام 2010.

إيسي مياكي تبتكر مشدات من ورق الواشي الياباني
قدّم ساتوشي كوندو لدى إيسي مياكي Issey Miyake مجموعة خريفية أنيقة ذات طابع نحتي على منصة أزياء متلألئة.وقد صرح المصمم قبل عرضه: "بدأ كلّ شيء عندما كنت أتمشى بعد استراحة الغداء، ووجدت هذه الحجرة". مضيفاً: أنه لم يكن هناك شيء مميز في مظهرها، لكن عندما لمستها، شعرت بنوع من الهدوء. شعرت بالراحة". استكشف كوندو هذه الفكرة وطبّقها على عالم الموضة: "لو لم أصمم شيئاً، هل سأتمكن من رؤية جماله الداخلي"؟ هل سأرى جوهر الشيء نفسه؟ إلى أيّ مدى يجب أن أترك مساحة للأمور لتتطور؟ إنه توازُن دقيق للغاية". لطالما تمحورت مجموعة أزياء إيسي مياكي النسائية حول العلاقة بين جسد المرأة وقطعة القماش. لذا، كانت فكرة كوندو هي التناغم مع طبيعة القماش.

تم مسح الحجرة ضوئياً بتقنية ثلاثية الأبعاد، وقام فنيّو الحياكة بإنشاء نموذج مكبّر بناءً على ذلك. ثم تُرجم النموذج إلى قطعة ملابس تبدو وكأنها منحوتة من الحجر. قلّص كوندو من عملية التصميم التقليدية وركّز على النسيج نفسه. غلبت على الأقمشة ألوان هادئة كالرمادي والأسود، مع لمسات لونية زاهية كالليموني أو الأوركيد والبرغندي الداكن، وجاءت بتصاميم محبوكة، وثنيات، وغيرها من الخامات الدقيقة. استوحت الملابس الانسيابية من أشكالها، فاتخذت أشكالاً وأحجاماً رشيقة؛ بل ومدهشة أحياناً.
تتألّق سترةٌ مخططة كبيرة الحجم فوق تنورة طويلة متناسقة. أما فستانٌ عنابي اللون بياقة على شكل حرف V وحزام؛ فقد صُنع من قطعة قماش مستطيلة. لقد اندمجت التكنولوجيا مع براعة صناعة ورق الواشي الياباني؛ لإنتاج مشدات صدر مطلية بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد على جذع أنثوي. تُذكّر هذه المشدات بتصاميم "بودي ووركس" لإيسي مياكي من ثمانينيات القرن الماضي، ولكنها في الوقت نفسه عصرية.

سكياباريللي قوة الخداع البصري في مجموعة فرعونية
استخدم المصمم دانيال روزبيري Daniel Roseberry تقنية الخداع البصري في نقوش الفرو المطبوعة على معطفٍ من الدنيم بأكمامٍ سميكةٍ من جلد الغنم، وطبعات على فستانٍ ضيّقٍ محبوك، وتداخل التول في ستراتٍ محبوكةٍ، وبدلات، وفساتين سهرةٍ مُطرّزةٍ بالخرز، لتُعطي انطباعاً بأنها تطفو على الجلد. تمحورت المجموعة حول زي المحارب، خاصة في فساتين الكوكتيل. ومن بين الأكسسوارات الغريبة: حقائب يد تنبت منها مخالب طيور مطلية بالذهب، وأحذية بكعب عالٍ تشبه القطط مصنوعة من الراتنج واللباد بتأثير واقعي مخيف.
أطلقت دار سكياباريللي Schiaparelli على المجموعة اسم "أبو الهول" Sphinx؛ تكريماً لبروش صممه ألبرتو جياكوميتي للمؤسسة إلسا سكياباريلي، التي سيُقام لها معرض تكريمي كبير في متحف فيكتوريا وألبرت في وقت لاحق من هذا الشهر. كما تمت خياطة أو حشو قمصان الكورسيه بطبقات من الجيرسيه، بينما تميزت الكنزات المضلّعة بفتحات أو حواف مُجعّدة، لإضفاء لمسة من الأناقة.
موغلير ركّزت على الطابع المعدني والسترات العسكرية
في مجموعته الثانية، التي أطلق عليها اسم "القائد"، استكشف ميغيل كاسترو فريتاس إرث الدار في أزياء توحي بالسلطة من خلال ملهماته؛ بدءاً من شخصية جان دارك، وصولاً إلى جوان كروفورد.
واستعرضت الدار على طول منصة العرض صور الشخصيات الملهمة للمصمم. ولفتتنا العارضة التي ارتدت سترة جلدية سوداء بسحاب مائل، وقبعة تريلبي، التي كانت تجسيداً عصرياً لشخصية كاثرين دونوف Catherine Deneuve في فيلم "الجوع". أما المعطف المخطط، المصمم على غرار معاطف البلاط في القرن السابع عشر؛ فكان لمسة عصرية على بدلات كروفورد الأنيقة في فيلم "ميلدريد بيرس".
تجلّت ملامح أفلام الخيال العلمي الكلاسيكية "بليد رانر"، و"جاتكا" في فساتين اللاميه المطوية، وبدلات التنورة العسكرية الجلدية اللامعة بألوان غير متناسقة، والزيّ العسكري الأنيق ذي الأكتاف العريضة. لم يتردد فريتاس في الخوض في إرث مانفريد تيري موغلر Manfried Thierry Mugler المعقد. فمؤسس العلامة التِجارية، الرائد الذي وسّع آفاق تصميم الأزياء باستخدام مواد مثل: اللاتكس والمعادن والريش، مؤكداً أن رسالته هي تحرير المرأة.

أشار فريتاس بعد انتهاء العرض إلى استيحائه من مجموعتين من ثمانينيات القرن الماضي هما: "Les Secrétaires"، و"Les Militaires". وهو يدرك أن القوة سلاح ذو حدين لكنه يرى أن الخَيار الشخصي هو الغاية النهائية.
وقال: "الرسالة هنا هي تمكين الذات، والحرية هي القوة لترجمة هويتنا عن طريق اللباس في عصرنا هذا".
فكتوريا بيكهام وفن الآرت ديكو
اصطحبتنا فيكتوريا بيكهام Viktoria Beckham إلى أقصى جنوب أحياء باريس؛ لعرض مجموعتها لخريف وشتاء 2026 في المدينة الجامعية الدولية في باريس، وهو مجمع سكني يضم حوالي 6000 طالب. تأسست هذه المؤسسة في عشرينيات القرن الماضي، وهي الفترة نفسها التي بلغت فيها ملهمة بيكهام الموسمية، الرسامة تامارا دي ليمبيكا، ذروة إبداعها.
تُقدم لوحات دي ليمبيكاDe Lempicka التي تُصوّر نساءً عصريات من خلال عصر الآلة مصدرَ إلهام كبير، وتمايلت العارضات بأزياء مصنوعة من طيات من القماش، مُجسَّدة أشكال هندسية جريئة من الألوان، قريبة من الوجه. استغلت بيكهام هذه الهندسة في مجموعتها التي ركّزت بشكل كبير على الخياطة، أو "البدلات التي تُبرز جمال الجسم"، مع تفاصيل عملية مرحة: جيوب ممتدة على سراويل ضيّقة، أو سترات بياقات غير منتظمة بشكل لافت.

كانت ألوانها في الغالب محايدة، مع لمسات من ألوان الزيّ الرسمي، كالكاكي والأزرق السماوي، أو الفيروزي والبرتقالي المستوحاة مباشرةً من لوحتي "الفتاة" و"صورة إيرا ب" (كلتاهما من عام 1930). وقد تحقق "إحساس الأبعاد" و"العمق البصري" في الملابس المستوحاة من فن الآرت ديكو من خلال الأورغنزا الكريستالية الشفافة و"الملابس ذات التنورة المنفذة من الكرينولين"، كما تم إبراز خط الآرت ديكو المميز من خلال تصميم النقوش عبر فستان مخملي بكتف واحد متصل بتنورته المنتفخة عبْر خصر بيضاوي مائل.
كما قدّمت بيكهام حقيبة سلون، وهي حقيبة يد علوية مصنوعة من الجلد العتيق والجلد المنقوش بنقشة جلد التمساح بألوان تراثية غنية، وتتميز الحقيبة بجوانب مطوية تعكس الضوء وتخلق ظلالاً متحركة.
تابعي المزيد واستوحي إطلالات مناسبة للمرأة العاملة من أسبوع الموضة في باريس
