منذ خطواته الأولى في عالم الرسم، كان المصمم أسعد خلف يعرف أن الأزياء هي المساحة التي يريد أن يعبّر من خلالها عن خياله وشغفه بالفن. بدأت الحكاية برسومات طفولية لفساتين وعرائس، قبل أن تتحول مع السنوات إلى رؤية واضحة قادته إلى إيطاليا، حيث تعمّق في أسرار تصميم الأزياء وتعرّف عن قرب إلى تقنيات الهوت كوتور وحرفيته الدقيقة. وبين شغف شخصي اختار أن يتمسك به، وإرث عائلي كان ينتظر منه أن يواصل مساره، بنى المصمم اللبناني هويته الخاصة التي تقوم على الحوار بين الفن والحرفة، وبين الإرث والابتكار.
في مجموعته الجديدة L’Exotique Botanique، يواصل أسعد خلف هذا النهج، مستلهماً من الطبيعة الاستوائية عالمها الغني بالألوان والحركة والتفاصيل. تتحول الأوراق والزهور والضوء والظلال إلى قصات وتطريزات ثلاثية الأبعاد وثنيات نابضة بالحركة، فيما تتداخل درجات الأخضر والأزرق والوردي والذهبي والبرغندي في لوحة تعكس تنوع الطبيعة وفرادتها. مجموعة لا تلاحق الصيحات العابرة، بل تبحث عن جمال يتجاوز الموسم، ويمنح كل قطعة هويتها الخاصة.
في هذا الحوار، يتحدث أسعد خلف عن بداياته، والتحديات التي واجهها في اختيار طريقه، وفلسفته في تصميم الأزياء الراقية، كما يكشف تفاصيل رحلته مع L’Exotique Botanique، وكيف يحوّل عناصر الطبيعة إلى تصاميم قابلة للارتداء، ورؤيته لمستقبل المصمم اللبناني على الساحة العالمية.
- كيف تتذكر البدايات، وما أبرز التحديات التي أسهمت في تشكيل هويتك الإبداعية؟

كانت البداية عندما كنت صغيراً جداً في المدرسة. حتى قبل أن نبدأ باستخدام الدفاتر، في مرحلة Petite Section، أتذكر أنني كنت أرسم على الطاولة الخشبية الخاصة بي في الصف، وكانت رسوماتي في الغالب لفساتين وعرائس. وبعد ذلك، عندما بدأنا باستخدام الدفاتر والكتب، كنت أملأ الصفحة الأولى والأخيرة في كل دفتر وكل كتاب برسومات صغيرة، ثم تطورت الأمور إلى أن أصبحت أرسم فوق الكتابة نفسها.
ومع مرور السنوات، ومع تغيّر الدفاتر والكتب، كانت رسوماتي تكبر معي، وتصبح أكثر دقة وواقعية وكأنها كانت تنمو بالتوازي مع شغفي.
أما التحدي الأكبر الذي واجهني، فكان عند مرحلة اختيار التخصص الجامعي. أنا الابن الوحيد في العائلة ولديّ شقيقتان، ووالدي مهندس ينفذ مشاريع إنشائية ضخمة، لذلك كان هناك توقع واضح بأن أتابع مسيرته وأكمل إرثه. كان هذا هو التوجه الأساسي بالنسبة لعائلتي، إذ كانوا يرون مستقبلي ضمن عمل عائلي.
لكنني، ومنذ اليوم الأول، كنت أعرف تماماً أنني أريد أن أصبح مصمم أزياء، وأن أصمم الملابس لا المباني. هذا التعارض بين ما كنت أطمح إليه وما كانت تتوقعه عائلتي شكّل أكبر تحدٍ في حياتي. لم أكن أريد أن أخيب ظنهم، وفي الوقت نفسه لم أكن مستعداً لأن أخيب ظن نفسي. لذلك اخترت أن أتبع شغفي وأبني مسيرتي في عالم الأزياء.
وبعد أن اتخذت قراري باتباع شغفي، تابعت دراستي في إيطاليا، بين روما وميلانو، حيث أتيحت لي فرصة التعمق في مدارس تصميم الأزياء الأوروبية والاحتكاك بثقافة الهوت كوتور عن قرب. تلك التجربة كانت محطة مفصلية في مسيرتي، لأنها عززت فهمي للحرفية، والدقة، وقيمة التفاصيل، ورسخت لديّ قناعة بأن التصميم الحقيقي يقوم على التوازن بين الإرث والابتكار.
قد يهمك أيضاً: جيورجيو أرماني.. قصة مصمم من الحلم إلى الأسطورة بالفيديو
- ما الفلسفة التي تقود أسعد خلف في تصميم مجموعاته، وكيف تنعكس هذه الرؤية في كل قطعة تحمل توقيعك؟

لا أسعى إلى ملاحقة الترند في تصاميمي، بل على العكس، أؤمن بأن الأناقة الحقيقية تتجاوز الزمن، وأن قيمة التصميم تكمن في قدرته على البقاء. لذلك أحرص دائماً على ابتكار قطع تحمل قيمة فنية وتظل حاضرة لسنوات طويلة، لأنها تقوم على توازن حقيقي بين الإبداع والحرفية.
كل تصميم يبدأ بالنسبة لي بقصة أو بإحساس معين، ثم أعمل على ترجمته من خلال القصات، والخامات، والتطريز، وصولاً إلى أدق التفاصيل. وأؤمن بأن كل قطعة تحمل توقيعي يجب أن تمنح المرأة شعوراً بالثقة، وتعكس قوتها ورقيها بطريقة طبيعية وغير متكلفة.
- كيف ولدت مجموعتك الجديدة L’Exotique Botanique وما الرسالة التي أردت إيصالها من خلالها؟

وُلدت فكرة مجموعة L’Exotique Botanique من إعجابي الكبير بالطبيعة الاستوائية، بما تحمله من تنوع وغنى وحياة. لكنني لم أرغب في ترجمة هذا الإعجاب بطريقة مباشرة أو حرفية، بل سعيت إلى التعبير عنه من خلال الإحساس الذي تولده الألوان، و الخامات، والحركة.
شعرت وكأن كل فستان في هذه المجموعة يمثل زهرة مختلفة يمكن أن نجدها في الغابة الاستوائية.
أما الرسالة التي أردت إيصالها، فهي أن الجمال الحقيقي يكمن في التفرّد والتميّز. فكما أننا نرى في الطبيعة عدداً لا يُحصى من الأزهار والأوراق، ولا تشبه أي ورقة الأخرى، كذلك تمتلك كل امرأة جمالها الخاص، وهذا الجمال يستحق أن يُترجم من خلال تصميم يعكس شخصيتها ويبرز تفردها.
- كيف نجحت في ترجمة هذه العناصر الطبيعية إلى قطع هوت كوتور قابلة للارتداء؟

كان التحدي الأساسي بالنسبة لي ألا تكون الطبيعة مجرد عنصر زخرفي، بل أن تتحول إلى جزء من البنية الأساسية للتصميم.
لذلك درست حركة الأوراق والزهور، وانسيابية الضوء والظل، ثم عملت على ترجمة هذه العناصر إلى قصات، وDrapé، وتطريزات ثلاثية الأبعاد 3D تمنح التصميم عمقاً وحركة من دون أن تطغى على الفستان أو تفقده توازنه.
وفي النهاية، يبقى الهوت كوتور بالنسبة لي هو تحقيق التوازن بين الجانب الفني والجانب الوظيفي، بحيث تشعر المرأة التي ترتدي الفستان بأنها ترتدي قطعة مريحة وطبيعية، وفي الوقت نفسه تحمل قيمة فنية عالية.
- كيف تختار الألوان لكل مجموعة، وما الدور الذي تلعبه في سرد القصة الإبداعية للتصاميم؟

الألوان هي دائماً اللغة الأولى لأي مجموعة، وغالباً ما تكون نقطة الانطلاق الحقيقية في عملية التصميم.
في مجموعة L’Exotique Botanique، أردت أن أعكس تنوع وغنى الطبيعة الاستوائية، لذلك بدأت باللون الأخضر بوصفه رمزاً للحياة، ثم انتقلت إلى الأزرق الذي يعبر عن الهدوء والسكينة، وبعد ذلك أضفت الوردي، والذهبي، والبرغندي، لإضفاء لمسات من الدفء والرقي.
ومرة أخرى، لا أختار الألوان أو القصات أو التصاميم لأنها رائجة، بل لأنها تخدم الفكرة التي أريد التعبير عنها في المجموعة، وتمنح كل تصميم إحساساً فريداً، لتتحول المجموعة بأكملها إلى قصة متكاملة تجمع بين الألوان، والقصات، والخامات.
- كيف تحافظ على التوازن بين الابتكار الفني واحترام تقنيات الهوت كوتور التقليدية؟

بالنسبة لي، الابتكار لا يعني التخلي عن الحرفية، بل الاستفادة منها والبناء عليها. تقنيات الهوت كوتور التقليدية تشكل أساس كل ما نقدمه، لأنها تمنح القطعة قيمتها وجودتها، لكنني أحرص دائماً على إعادة تقديمها برؤية جديدة ومعاصرة، سواء من خلال استخدام خامات جديدة، أو تطوير أساليب تطريز تقليدية والبناء عليها، ثم تقديمها بأسلوب يواكب العصر.
وأؤمن بأن الإبداع الحقيقي يكمن في احترام الجذور التي قامت عليها هذه الحرفة، وفي الوقت نفسه منحها حياة جديدة تتناسب مع التصاميم المعاصرة وتلبي احتياجات المرأة اليوم.
- كيف تنظر إلى مكانة المصمم اللبناني اليوم، وما الذي يميز بصمته في عالم الأزياء الراقية؟

لطالما احتل المصمم اللبناني مكانة خاصة في عالم الهوت كوتور، لأنه يجمع بين الحرفية الاستثنائية، والقدرة على التصميم، والابتكار، والإبداع، والاهتمام بأدق التفاصيل.
واليوم، أصبح حضوره واضحاً ومميزاً على الساحة العالمية، وهذا لا يعود إلى الموهبة وحدها، بل أيضاً إلى الإصرار على بناء هوية خاصة ومتفردة قادرة على المنافسة عالمياً.
- هل سنرى تعاونات أو مجموعات جديدة تحمل اتجاهاً مختلفاً عن L’Exotique Botanique؟

أعمل حالياً على توسيع حضور أسعد خلف والدار على المستويين العربي والدولي، كما أواصل تطوير مجموعات جديدة تستمد إلهامها من مصادر مختلفة، مع الحفاظ دائماً على هوية الدار والجوهر الخاص بها.
أحب أن تكون كل مجموعة جديدة بداية لفصل جديد، لذلك لا أميل إلى تكرار أي فكرة سبق أن قدمتها، بل أسعى دائماً إلى التطور المستمر وإلى أن تتجدد الرؤية مع كل مجموعة.
أما بالنسبة للتعاونات، فأنا منفتح دائماً على أي تعاون يمكن أن يضيف قيمة حقيقية إلى العلامة، سواء في عالم الموضة أو الفن، لأنني أؤمن بأن الإبداع ينمو من خلال الحوار وتبادل الأفكار مع الآخرين، مع الحرص الدائم على الحفاظ على جوهر وهوية الدار، وأن تبقى الحرفية حاضرة في كل خطوة وفي كل مشروع جديد.
تابعي أيضاً: زهير مراد .. من بيروت إلى عواصم الموضة العالمية بالفيديو


Google News