mena-gmtdmp

بالفيديو.. 3 قرون من الجذور الراسخة.. واحة الأحساء بين عبق التأسيس وإرث النخيل المتجدد

يقف الزمن شاهداً متأملاً على تشكل الكيانات العظيمة، حيث لا تُبنى الأوطان بمجرد تعاقب الأيام والحقب، بل بتراكم الإرث، وثبات الجذور، وتلاحم الإنسان مع أرضه في علاقة وجودية معقدة. إن العهد الذي التزم به الأجداد، ليس سوى ميثاق غليظ بين الإنسان وبيئته، وبين المواطن وقيادته، ميثاق أثمر دولةً مستقرةً ومزدهرةً تضرب بجذورها في أعماق التاريخ. نغوص سوياً في هذه السطور في الأعماق التاريخية، والثقافية، والاقتصادية لواحة الأحساء، متخذين من ذكرى "يوم التأسيس" منطلقاً لفهم التناغم الفريد بين الإرث التاريخي للدولة السعودية، وبين التراث الزراعي والحرفي لواحة النخيل الأكبر في العالم. كما نستكشف كيف تحولت سعفة النخلة، وضفيرة الفتاة، وحبة التمر إلى رموز تنبض بحب الوطن، وتؤسس لاستدامة المستقبل في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030.

"واحة الأحساء" أكبر واحة في العالم - الصورة من Visit Saudi

"يوم بدينا".. الجذور التاريخية للدولة السعودية والعمق الإستراتيجي

تُمثل ذكرى "يوم التأسيس" محطة تاريخية بالغة الأهمية تستحضر بدايات تأسيس الدولة السعودية الأولى في منتصف عام 1139هـ، الموافق للثاني والعشرين من شهر فبراير عام 1727م، على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية. لم يكن التأسيس مجرد حدث تاريخي، بل كان نقطة تحول جذرية أرست دعائم الوحدة، والأمن، والاستقرار، والحكم الرشيد في شبه الجزيرة العربية.

أصدر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في عام 2022م أمراً ملكياً باعتماد يوم 22 فبراير من كل عام يوماً للتأسيس، ليصبح إجازة رسمية تحتفي فيها الأجيال بالجذور الراسخة للدولة. تتجلى أهداف هذا الاحتفاء الوطني العريض في تعزيز ارتباط المواطنين بقادتهم، والاعتزاز بالصمود التاريخي للدولة السعودية الأولى أمام التحديات المتعددة، والاحتفاء بالوحدة الوطنية المتينة التي أرساها لاحقاً الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.

يتجاوز الاحتفال بيوم التأسيس المظاهر الاحتفالية الكرنفالية ليمثل استحضاراً لرموز بصرية تحمل دلالات فكرية وثقافية عميقة تربط المجتمع المعاصر بجذوره الضاربة في عمق التاريخ. ويشير التحليل المعمق لهذه الرموز الرسمية الثمانية: الصقر، النخلة، المجلس، الفنجال، الفرس العربي، أول علم سعودي، الزخرفة المعمارية و الخطوط العربية إلى أنها لغة بصرية متكاملة تلخص رحلة البقاء، وبناء الدولة، وقيم المجتمع عبر ما يقرب من ثلاثة قرون.

 

يوم التأسيس

 

"العزم هو العزم".. واحة الأحساء كمنظر ثقافي استثنائي

تقع واحة الأحساء في الجزء الشرقي من شبه الجزيرة العربية، وتُمثل ظاهرة جغرافية، وزراعية، وثقافية استثنائية على مستوى العالم. يعود أصل الكلمة لغوياً "الأحساء" إلى الجمع الذي يشير إلى الرمل المتراكم الذي تغطيه أو تدعمه طبقة كتيمة صلبة تحته؛ فعندما تهطل الأمطار، تمتص الرمال المياه وتحميها من التبخر القاسي في البيئة الصحراوية، بينما تحتفظ بها الطبقة الأساسية السفلى لتكوين خزان هائل للمياه الجوفية.

هذا التكوين الجيولوجي الفريد هو ما سمح، بمجرد الحفر البسيط في الموقع، بتفجر ينابيع باردة وعذبة، مما أسس لقيام أكبر واحة نخيل في العالم، محتضنة أكثر من 2.5 مليون شجرة نخيل.

«العهد هو العهد».. ارتباط روحي وتاريخي وثيق يجمع بين الأحسائي ونخلته

مشهد ثقافي عالمي في سجلات اليونسكو

في تتويج لهذا الإرث البيئي والحضاري الممتد، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) واحة الأحساء ضمن قائمة التراث العالمي في فرع التراث الثقافي، وذلك خلال الدورة الـ42 للجنة التراث العالمي المنعقدة في عام 2018م. يعكس هذا التسجيل، الذي شمل منطقة أساسية تبلغ مساحتها 8,544 هكتاراً ومنطقة عازلة شاسعة تبلغ مساحتها 21,556 هكتاراً، الأهمية العالمية للواحة كأحد الأمثلة الاستثنائية والفريدة للتفاعل المستدام بين البشر وبيئتهم المحيطة عبر آلاف السنين.

يضم الموقع المسجل اثني عشر جزءاً مكوناً ومترابطاً، تشتمل على مساحات شاسعة من الحدائق، وعيون المياه العذبة، وقنوات الري التاريخية، والآبار، وبحيرة الأصفر الطبيعية، بالإضافة إلى نسيج عمراني ومبانٍ تاريخية تقف شاهداً حياً على استقرار البشر في منطقة الخليج العربي منذ العصر الحجري الحديث وحتى يومنا هذا. من أبرز المعالم التراثية التي احتضنتها الواحة مسجد جواثى التاريخي، وقصر صاهود، وقصر محيرس، وقصر أبوجلال، وميناء العقير التاريخي (البوابة البحرية القديمة)، وجبل القارة بتكويناته الصخرية العجيبة.

القصور التاريخية وهندسة التحصين

يلعب "قصر إبراهيم" دوراً محورياً في الذاكرة المعمارية للأحساء. يرجع تاريخ بناء هذا القصر كحصن دفاعي وعسكري رئيسي إلى عام 1555م (963 هـ) في عهد سلالة آل جبري، ويقع في حي الكوت التاريخي بمدينة الهفوف. يُعد قصر إبراهيم من الآثار بالغة الأهمية التي شهدت تحولات كبرى عديدة عبر القرون، حتى استقراره وازدهاره تحت مظلة الحكم السعودي، ليمثل اليوم مزاراً سياحياً وثقافياً يروي قصص القوة والمنعة.

شبكات العيون المائية.. شرايين الحياة في الواحة

إلى جانب التحصينات المعمارية، اعتمد بقاء الواحة وازدهارها الاقتصادي على شبكة معقدة وتاريخية من عيون المياه المتدفقة ذاتياً، والتي روت القلوب والأراضي بكرم ووفاء، وتشير الوثائق التاريخية والأوراق القديمة لحي النعثل (الذي كان يُعرف في محلة منه باسم محلة الزبدة) إلى وجود أطراف زراعية ممتدة تعتمد على عيون هيدرولوجية شهيرة مثل: عين برابر، وعين اللويمي، وعين مانع، وعين الثعالب، وعين أم الليف، وعين قطوة، وعين بهجة.

 

بين هامات النخيل وأشعة الشمس تتجسد مقولة "غرس الأجداد.. فحصد الأحفاد"

 

هذه العيون المائية، التي تميزت بتدفقها المستمر، لم تكن مجرد مصادر هيدرولوجية صماء، بل كانت شرايين حياة ومراكز تجمعات بشرية، نُظمت حولها المجتمعات الأحسائية أوقاتها، ومواسم حصادها، وعلاقاتها الاجتماعية، وأسست عليها نظاماً معقداً من قنوات الري التي ضمنت التوزيع العادل والمستدام للمياه بين المزارع والحقول. إن كرم المياه الموجه بدقة عبر هذه القنوات يضمن نهجاً مستداماً يثير إعجاب المسافرين المعاصرين عند مشاهدتهم لهذا التآزر العظيم بين الإنسان والطبيعة.

 

قراءة المزيد : المديرة التنفيذية للمجلس الدولي للتمور ورئيسة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز آل سعود: في كل نخلة حكاية وطن .. والتمور قوة ناعمة 

 

"تعبنا لجل نبني".. ثقافة واقتصاد النخلة وهامات شامخة

"وهاماتنا فوق"؛ هكذا ينظر الأحسائي إلى شجرة النخلة، ليس فقط كمورد زراعي، بل ككائن حي يشاطره الكبرياء والصمود والارتباط بالأرض. تحتل النخلة والتمور مكانة مركزية وعميقة في الثقافة العربية والإسلامية، حيث تُعد غذاءً مباركاً ذُكر في القرآن الكريم مصداقاً لقوله تعالى: "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً"، كما ورد فضلها في السنة النبوية المطهرة، وارتبطت بالمناسبات الدينية والاجتماعية كعنصر ضيافة رئيسي ورمز للكرم لا غنى عنه في كل بيت.

اقتصادات النخيل وتنوع أصناف التمور

تُنتج واحة الأحساء أكثر من 100 ألف طن من التمور سنوياً، ما يشكل رافداً اقتصادياً حيوياً وأمناً غذائياً إستراتيجياً للمملكة. وتتعدد أصناف التمور في بساتين الأحساء لتلبي مختلف الأذواق وتواكب أعلى متطلبات التصدير والتصنيع المتقدم. يشير التقصي الزراعي والمجتمعي إلى تنوع هائل في الأحياء السكنية والبساتين، حيث تجد زراعات متنوعة تشمل أصنافاً عديدة مثل الخنيزي الغربي، والزاملي، والبرحي، والشهل، والمجناز، والشيشي، والهلالي، بالإضافة إلى التمور المنتشرة في عموم المملكة كسكري القصيم والعجوة.

غير أن تمر "الخلاص" يتربع على عرش التمور الأحسائية بلا منازع، ويُصنف من بين أفضل التمور على مستوى المملكة والمنطقة لجودته العالية ونكهته الغنية. ويحظى "الخلاص الملكي" و"خلاص الأحساء اليدوي" بإقبال واسع كمنتج صحي وفاخر يعكس العناية الفائقة من قبل الفلاحين في مراحل الإنتاج، والانتقاء اليدوي، والتعبئة، مما يجعله الخيار المفضل للاستهلاك المحلي الفاخر والتصدير الدولي.

تقاليد الزراعة والحصاد (الكر والمشعب)

إن العلاقة العضوية بين الأحسائي والنخلة تتجسد بشكل مهيب في مشهد التسلق، تستلزم عملية رعاية النخيل، بدءاً من التكريب (إزالة السعف الجاف) وصولاً إلى الحصاد، أدوات تقليدية وتقنيات متوارثة تعكس تفاهماً عميقاً مع الطبيعة. يستخدم المزارع أداة "الكر"، وهو حزام تسلق غليظ منسوج بعناية من ألياف النخلة، للالتفاف حول الجذع والصعود إلى قمة النخلة بأمان واقتدار، بالإضافة إلى "المشعب" والمناجل الحادة، ومعدات التقليم كالمناشير والمقصات التي تضمن تقليماً دقيقاً يحسن من نمو النخلة ويزيد من إنتاجيتها.

وخلال موسم الجني (الصرام) الذي يمتد من شهر أغسطس وحتى أكتوبر من كل عام، تتسارع وتيرة العمل وتعبق الأجواء برائحة الثمار الناضجة. تُستخدم سلال خاصة للجلوس والتعليق تتيح للعمال جمع الثمار دون إجهاد جسدي بالغ أو انحناء مستمر. يقدم هذا الموسم في الأحساء تجربة ثقافية وسياحية فريدة للزوار؛ فالمزارع العائلية التي توارثتها الأجيال تعرض روتين حصاد مصمماً بدقة وعناية، يجمع بين العمل اليدوي المرهق والاحتفاء الدوري بخيرات الأرض، مما يخلق توازناً مستداماً ويؤسس لروابط روحية عميقة بين الأرض وحراسها، محولاً الحصاد من مجرد نشاط زراعي إلى تجربة إنسانية تتجاوز مفهوم السياحة التقليدية.

"نسجنا من سعفنا تاريخ".. الأحساء مدينة الإبداع والحرف اليدوية

"نسجنا من سعفنا تاريخ"؛ جملة تلخص حقيقة أن عبقرية الأحساء لم تقتصر يوماً على الإنتاج الزراعي والريفي البحت، بل امتدت لتشمل الصناعات الإبداعية الدقيقة المستمدة من موارد الواحة، والتي شكلت اقتصاداً محلياً مزدهراً عبر القرون. وتقديراً لهذا الإرث الحرفي والفني العميق، نالت الأحساء اعترافاً دولياً بارزاً بانضمامها في عام 2015م إلى شبكة المدن المبدعة التابعة لمنظمة اليونسكو العالمية (UCCN) في مجال الحرف اليدوية والفنون الشعبية، لتتوج كأول مدينة خليجية والثالثة عربياً في هذه الشبكة العالمية المرموقة.

تأسست شبكة اليونسكو للمدن الإبداعية عام 2004م بهدف تعزيز التعاون الدولي مع المدن التي حددت الإبداع الثقافي بوصفه عاملاً إستراتيجياً وركيزة أساسية للتنمية الحضرية المستدامة. وقد التزمت الأحساء المبدعة، من خلال فريق عمل متخصص ومبادرات تقودها أمانة الأحساء وهيئة تطوير الأحساء، بتحقيق أهداف إستراتيجية واضحة تشمل: تحسين بيئة العمل للحرفيين والحرفيات عبر برامج التدريب وتهيئة أسواق متخصصة، دعم الشباب الحرفي مع التأكيد على المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، والحد من معدلات البطالة عبر تحويل الحرف إلى صناعات ذات مردود اقتصادي مستدام.

 

«نسجنا من سعفنا تاريخاً».. تتوارث الأجيال إرثاً تاريخياً

 

حرفة سف الخوص: هندسة السعف والصبر

تُعد صناعة الخوص (أو سف الخوص) من أقدم وأعرق الحرف اليدوية التي ارتبطت ارتباطاً مباشراً بوجود النخلة في واحة الأحساء. تعكس هذه الحرفة الدقيقة مهارة استثنائية في تحويل مخلفات النخيل الزراعية إلى منتجات نفعية وجمالية بالغة الأهمية. تبدأ العملية الشاقة بانتقاء أوراق النخيل (الخوص) وتجفيفها، ثم تلوين بعضها بألوان طبيعية زاهية لإضفاء البعد الجمالي، تليها مرحلة "السفاف" حيث يتم تجهيز "السِفّة" (وهي جديلة طويلة ومتينة تُسف باليد من الخوص). بعد ذلك، تُخاط هذه الجدائل وتشكل باستخدام خيوط متينة تُستخرج من النخلة تُسمى "العَگب"، لتعطي المنتج الخوصي شكله النهائي المطلوب.

إشعاع عالمي وأسواق تراثية نابضة

تجاوزت الأحساء محيطها المحلي لتشارك خبراتها التراثية والفنية على أرفع المنصات الدولية. ففي مايو 2024م، شاركت أمانة الأحساء في اللقاء السنوي لشبكة المدن المبدعة الذي استضافته مدينة "بالارات" الأسترالية، حيث استعرضت تجربتها الرائدة في دمج التعليم بالأنشطة الثقافية لتعزيز استدامة الحرف وتقديم الأحساء كوجهة سياحية رئيسية. وفي يوليو من العام ذاته، تألقت الأحساء في المؤتمر السنوي السادس عشر للمدن المبدعة في مدينة "براغا" بالبرتغال أمام ممثلي 118 مدينة عالمية، مقدمة أوراق عمل مفصلة حول مشاريعها الناجحة مثل سوق الأربعاء، وسوق الحرفيين، وقلعة الأحساء المبدعة. كما شاركت المدينة بفعالية في ورشة عمل إنتشون الدولية للحرف والفنون بكوريا الجنوبية لتبادل المعرفة المهارية، واختتمت باستضافة وفود من 42 مدينة عالمية في ملتقى محلي بالتزامن مع تسمية عام 2025 بـ"عام الحرف اليدوية" في المملكة.

وعلى الصعيد المحلي التنموي، يقف "سوق القيصرية" التاريخي كأيقونة معمارية وحاضنة اقتصادية واجتماعية للحرف والتراث في الأحساء. بني السوق في مراحل تاريخية متعاقبة، كتحفة معمارية تنبض بالحياة، محققاً إنجازاً عالمياً في التغلب على الحداثة الطاغية للحفاظ على التراث. تعرض ممرات السوق المغطاة ببناء تقليدي تشكيلة واسعة من معروضات التراث الأحسائي؛ كالملابس العربية التقليدية وفي مقدمتها "البشوت الحساوية" الشهيرة المطرزة يدوياً بخيوط الذهب الدقيقة، وأنواع العبايات، وأغطية الرأس، والمشغولات الخوصية والتقليدية، وصولاً إلى المنتجات العطرية، والنباتات الطبية، والتوابل، وأنواع الحبوب والقهوة الطازجة. إنه ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل هو مساحة حضرية تتنفس عبق الماضي وتنبض بحياة تجارية مستدامة تضمن بقاء المهن الثمينة من الاندثار.

"وحب وطنا في قلوبنا".. نبضٌ لا يهدأ

"وحبُّ وطننا في قلوبنا"؛ هذه الجملة ليس مجرد شعور، بل هو عهدٌ بالوفاء، وفخرٌ يتجدد مع كل إشراقة شمس." نبضٌ لا يهدأ، ونحملهُ أمانةً غالية أينما ارتحلنا؛ فهو الهوية التي لا تُمحى، والشمس التي لا تغيب عن سماءِ الذاكرة."

الضفيرة الأزياء التقليدية وحشمة المظهر في الجزيرة العربية

الضفيرة، أو ما يُعرف محلياً وتراثياً في المنطقة الشرقية ودول الخليج بـ"العجفة"، ليست مجرد تسريحة شعر تقليدية، بل هي رمز مكثف للهوية، والامتداد العائلي، والقوة المجتمعية التي لا تنكسر.

يعكس فن جدل خصلات الشعر المتفرقة ولفها حول بعضها البعض لتكوين ضفيرة واحدة متماسكة فكرة الوحدة المجتمعية والتماسك الأسري، تماماً كما تُجدل خوصات النخلة لتصنع حصيرة متينة تقاوم التلف.

ارتبطت زينة المرأة وأزياؤها التقليدية في المنطقة الشرقية والجزيرة العربية ارتباطاً وثيقاً بقيم الحشمة والوقار المستمدة من التعاليم الدينية والبيئة الاجتماعية المحافظة. تاريخياً، ارتدت المرأة أزياء تعكس مكانتها الاجتماعية ومهارتها اليدوية الفائقة، مثل "الثوب المُسرح" (نسبة إلى تطريزه الدقيق)، وهو ثوب واسع يُنفذ غالباً من قماش المنيخل الفاخر، وتُزخرف أطراف أكمامه وفتحة الصدر من الأمام والخلف بتطريزات ذهبية وفضية غنية.

المساهمة الاقتصادية وتمكين المرأة الريفية

خلف هذا الوقار، لم تكن المرأة الأحسائية يوماً بمعزل عن عجلة الإنتاج اليومية، بل كانت ولا تزال ركيزة أساسية وعنصراً فاعلاً في الاقتصاد المحلي والريفي. تلعب المرأة في قرى الأحساء دوراً مزدوجاً بامتياز؛ فهي تدير شؤون الأسرة والمزرعة المنزلية، وتساهم بفاعلية في إنتاج التمور ومشتقاتها، وتصنيع المنتجات الغذائية التراثية.

والأهم من ذلك، أتقنت المرأة الأحسائية وامتهنت حِرفاً نسائية أصيلة شكلت رافداً اقتصادياً لأسرتها، كغزل الصوف، والحناية، وصناعة المداد، ودبغ الجلود، والتطريز المتقن، والخياطة، وصولاً إلى سف الخوص الذي يعتمد بشكل شبه كلي على مهارة أناملها وصبرها.

وامتداداً لرؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي وضعت تمكين المرأة في صميم مستهدفاتها، نالت المرأة والحرفية في الأحساء اهتماماً مؤسسياً بالغاً لتمكينها اقتصادياً واجتماعياً. أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية حزمة من المبادرات الضخمة لتذليل العقبات وتوفير بيئة عمل شمولية، منها برنامج "قُرّة" لتوفير خدمات رعاية الأطفال للنساء العاملات، وبرنامج "وصول" لدعم وتسهيل تنقل المرأة، ومبادرات تشجيع "العمل المرن" والعمل عن بعد٫

"سقينا هالأرض وفا .. وأثمرت خير".. تجليات التمر في التراث الغذائي ومطبخ الواحة

"سقينا هالأرض وفا"؛ لم يقتصر دور التمر، بصفته المحصول الإستراتيجي للواحة، على كونه فاكهة تُقدم للضيافة، بل دخل في صميم المطبخ الشعبي الأحسائي كعنصر تحلية وتغذية أساسي يعكس ثراء البيئة المحلية وتطويعها لخدمة احتياجات الإنسان، لا سيما في أوقات الشتاء الباردة والأعمال الزراعية الشاقة.

 

«سقينا هالأرض وفاء.. وأثمرت خيراً».. في مشهد يجسد بركة الحصاد وعطاء الواحة.

 

العصيدة الحساوية: كيمياء التمر والدقيق

تُعد "العصيدة الحساوية بالتمر" من أبرز وأعرق الأطباق الشتوية التي تمد الجسم بالدفء والطاقة العالية. تعتمد هذه الوجبة في تحضيرها على مهارة يدوية دقيقة؛ حيث يُخلط الدقيق تدريجياً مع خلاصة التمر (الدبس أو التمر الممروس والمصفى).

الخبز الحساوي (خبز التمر) والمسمنة

إلى جانب العصيدة، يبرز "الخبز الحساوي" الممزوج بالتمر كأحد رموز المخبوزات التقليدية الأصيلة. يعتمد هذا الخبز في عجينته على نسبة محددة ودقيقة: تقريباً كأس واحدة من التمر لكل ثلاث كاسات من الطحين (الدقيق البر). ويختلف اختيار نوع التمر حسب الذوق المرغوب في درجة الحلاوة؛ فاستخدام تمر "الخلاص" قد يتطلب زيادة طفيفة لانخفاض نسبة السكر فيه مقارنة بتمر "السكري" الذي يوفر حلاوة أعلى.

وفي سياق الأغذية المعالجة والمُعدة للحفظ والعلاج، تبرز "المسمنة"، وهي خلطة غذائية تقليدية تقوم على تحميص حبة القمح وإضافة التمر الهندي المعجون مع تمر الخلاص الطازج. تُترك هذه الخلطة لتجف وتستخدم كإضافة مغذية أو بهار، إلى جانب توظيف القهوة المحوجة بقشر التمر والتلبينة النبوية كعلاجات طبيعية للتهضيم، ومشاكل القولون، ورفع مستويات المناعة وفيتامين دال، مما يؤكد أن مطبخ الأحساء هو في جوهره صيدلية طبيعية متكاملة.

 

قراءة المزيد: التمر... وصفات بطعم الذاكرة

 

"غرس الأجداد.. وحصد الأحفاد".. استدامة الرؤية نحو المستقبل

 

وسط ظلال النخيل.. تتواصل المسيرة في دروب واحة الأحساء العريقة

 

إن هذه الصورة السردية المركبة هي التجسيد الأسمى لمفهوم "الاستدامة" بمفهومها الشامل والعميق؛ فهي استدامة بيئية وزراعية تتمثل في الحفاظ على قنوات الري التراثية وأشجار النخيل المليونية لتأمين الغذاء والمناخ. وهي استدامة ثقافية تتجلى في نقل أسرار الصناعات الخوصية وفنون الطهي التراثي، وتعليم البنات ضفر "العجفة" كرمز للاعتزاز بالهوية. وقبل هذا وذاك، هي استدامة وطنية أرسى دعائمها الأولى الإمام محمد بن سعود قبل ثلاثة قرون في الدرعية، وحماها الملك عبدالعزيز في الأحساء ومختلف أرجاء الوطن، وتتعهدها اليوم القيادة الرشيدة بالرعاية والتمكين في ضوء محددات رؤية المملكة 2030.

يوضح ذلك أن التراث الوطني هو منصة انطلاق صلبة وراسخة تمنح الأجيال القادمة الثقة المطلقة للتحرك بشجاعة نحو اقتصاد المعرفة، والسياحة الثقافية، والابتكار العالمي. لقد أدركت واحة الأحساء، بوصفها درة التاج في هذا الإرث، أن الحفاظ على تاريخها لا يعني تجميده خلف الواجهات الزجاجية في المتاحف، بل يعني إبقاءه حياً يتنفس في ممارسات زراعية يومية مستدامة، وفي ورش عمل تنبض بشباب الحرفيين والنساء الممكنات، وفي منصات عرض عالمية مرموقة مثل منظمة اليونسكو.

وهكذا، تبقى رسالة يوم التأسيس حية ومشرقة تتخلل سعف نخيل الأحساء: في أرضٍ سُقيت بالوفاء والجهد وعرق الجبين، تتعانق الجذور الثابتة التي حفرها الأجداد في الصخر والرمل، مع الضوء الباهر الذي تتجه نحوه بصائر الأحفاد، لتكون الأرض هي الأرض والعزم هو العزم، و الهامات فوق من يوم بدينا جذورنا ثابته وقوة حاضرنا سنا مستقبلنا.


قراءة المزيد: جولة لواحة الأحساء.. الأكبر على مستوى العالم