يمر التخطيط الحضري المعاصر بمنعطف تاريخي يفرض تجاوز الرؤى التقليدية نتيجة الأزمة المركبة التي يواجهها؛ فالمدن لم تعد تشهد تحديات منفصلة، بل شبكة معقدة من الضغوط المترابطة التي يؤثر كل منها في الآخر بشكل طردي. ويتطلب هذا الواقع الجديد صياغة سياسات مرنة قادرة على استيعاب التحولات السريعة والمتشابكة والصمود أمام مختلف المتغيرات، لتشكل هذه المقاربة الشمولية المسار الآمن والوحيد للعبور بالمدن نحو مستقبل مستدام يحقق التوازن بين النمو والازدهار البشري، الأمر الذي يتصدر اهتمامات المجتمع الدولي اليوم، 31 أكتوبر مع إحياء اليوم العالمي للمدن لتسليط الضوء على هذه الجهود.
منصة دولية لمواجهة تحديات التوسع العمراني السريع
يُعد اليوم العالمي للمدن منصة للحكومات الوطنية والمحلية، وهيئات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية، والأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص، والمجتمعات المحلية لتبادل الخبرات، واستعراض الممارسات المبتكرة، وتحديد حلول عملية للتحديات التي يواجهها التخطيط الحضري. وقد بدأت الإرهاصات الأولى للاحتفال بهذا اليوم من زخم معرض "إكسبو 2010 شنغهاي" في الصين، والذي ألهم الجمعية العامة للأمم المتحدة لإصدار قرارها الرسمي بتأسيس هذا اليوم عام 2013.
وفقًا للموقع الرسمي للامم المتحدة .un.org فقد جاء اختيار الحادي والثلاثين من أكتوبر تحديداً تخليداً لليوم الختامي للمعرض الذي أُغلق حاملاً شعاره التاريخي "مدينة أفضل، حياة أفضل"، ليكون منصة دولية لمواجهة تحديات التوسع العمراني السريع، ومسك الختام لمبادرة "أكتوبر الحضري" التي يقودها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية على مدار شهر كامل. ومنذ انطلاق الاحتفال الرسمي الأول عام 2014، تطورت محطات هذا اليوم عبر الأعوام؛ إذ ركّزت المراحل الأولى على نشر الوعي بالمرونة الحضرية، ثم انتقلت لاحقاً نحو تبني الابتكار الرقمي والحلول الذكية، ليتكامل في هذا التاريخ الاحتفاء بذكرى انطلاق التخطيط الحديث مع تجديد العزم الدولي السنوي على مجابهة الضغوط الحضرية، ويظل محطة محورية تلخص جهود التوعية الأممية وتدفع نحو حشد التمويل لبناء مستقبل حضري مستدام للأجيال القادمة.
خمسة تحديات تعيد تشكيل مستقبل المدن
وفقاً للوثيقة المفاهيمية لليوم العالمي للمدن لعام 2026، يفتقر ما يصل إلى 3.4 مليار شخص إلى سكن ملائم، أو حيازة آمنة، أو خدمات أساسية، أو ظروف معيشية ميسورة التكلفة. ويوفر التجديد الحضري فرصةً لمعالجة هذه التحديات من خلال تحسين المناطق الحضرية القائمة، مع توسيع نطاق الوصول إلى سكن ملائم وضمان عدم تخلف أحد عن الركب، حيث تواجه المدن حول العالم ضغوطاً مترابطة تشمل:
- تحديات القدرة على تحمل تكاليف السكن.
- تحديات تقادم الأحياء والبنية التحتية.
- تحديات الأراضي الحضرية غير المستغلة بالشكل الأمثل.
- تحديات المخاطر المرتبطة بالمناخ.
- تحديات اتساع فجوة التفاوت الاجتماعي.
والرابط التالي يعرفك المزيد حول اليوم العالمي للمدن.. لماذا أقامته الأمم المتحدة؟
احتفالية عام 2026: التجديد الحضري وتأصيل الحق في السكن الملائم
تستضيف مدينة فوتشو بالصين الفعالية العالمية الرئيسية للاحتفال باليوم العالمي للمدن هذا العام 2026، والتي تُقام تحت شعار "تجديد المدينة: سكن ملائم للجميع".
ويؤكد الشعار على أهمية النهج المتكامل الذي يربط بين توفير سكن ميسور التكلفة وبين تحسين المساحات العامة، والبنية التحتية، والترابط، والقدرة على الصمود أمام التغير المناخي. كما يولي اهتماماً خاصاً لعمليات التجديد التشاركية القائمة على المناطق والتي يقودها المجتمع، مع وضع ضمانات تحول دون النزوح القسري وتكفل استفادة السكان الحاليين من التحسينات التي تُجرى على منازلهم وأحيائهم. وتركز فعاليات الاحتفال على كيفية دمج هذه العمليات مع استراتيجيات الإسكان والتعامل مع المستوطنات غير الرسمية، لخلق أحياء أكثر شمولاً واستدامة.
وفقًا لكلمة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، عبر الصفحة الرسمية للأمم المتحدة، فالسكن هو أكثر من مجرد مأوى. «إنه ركيزة أساسية لمعالجة عدم المساواة وتسريع وتيرة التنمية المستدامة». ويشدد غوتيريش، على ضرورة وضع الإسكان اللائق في قلب استراتيجيات بناء حواضر مرنة وشاملة للجميع. ومن هذا المنطلق، يطرح التجديد الحضري فرصة سانحة لإعادة تأهيل الأحياء المتقادمة، والارتقاء بالظروف المعيشية، بما يضمن التوزيع العادل لثمار التنمية الحضرية ووصول فوائدها إلى كافة الفئات المجتمعية دون إقصاء
من فوتشو إلى مسقط .. فعاليات عالمية وإقليمية لحشد الجهود الحضرية
تتنوع الفعاليات المصاحبة للاحتفال باليوم العالمي للمدن هذا العام لتشكل برنامجاً متكاملاً يمتد من 31 أكتوبر إلى 2 نوفمبر في مركز "فوتشو" الدولي للمؤتمرات والمعارض.
- يشهد هذا الحدث العالمي، المنظم بشراكة بين وزارة الإسكان الصينية وحكومة مقاطعة "فوجيان" وموئل الأمم المتحدة، حفل افتتاح رفيع المستوى يتخلله تسليم "جائزة شنغهاي العالمية للتنمية المستدامة في المدن"، كما يتضمن البرنامج معارض تفاعلية، وجولات استكشافية في المدينة، وسلسلة من المنتديات الموضوعية والفعاليات الجانبية المعنية بأطر التمويل والحوكمة لدعم التجديد الحضري وتوفير السكن اللائق
- بالتوازي مع هذه الاحتفالية المركزية تشهد حواضر أخرى فعاليات موازية لتوسيع نطاق النقاش:
- افتتحت العاصمة العمانية مسقط الزخم الإقليمي لهذا العام باستضافتها الرسمية لفعاليات "اليوم العالمي للموئل" في الخامس من أكتوبر لتُدشن انطلاقة مبادرة "أكتوبر الحضري" لعام 2026 برؤية تركز على السكن الملائم
- مؤتمر شنغهاي لمدن التنمية المستدامة، والذي يركز على تقييم أداء الحواضر، حيث يستعرض المشاركون آليات الابتكار الرقمي والحلول الذكية اللازمة لقياس وتطبيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة في البيئات العمرانية المعاصرة.
- المنتدى الحضري في تشيناي (Chennai) في جنوب شرق الهند، والذي يناقش التحديات الميدانية لمنطقة جنوب آسيا، مسلطاً الضوء على سبل التكيف مع التغير المناخي في المدن الساحلية، وآليات التمويل المحلي لمعالجة قضايا العشوائيات والمستوطنات غير الرسمية وتحويلها إلى أحياء شاملة وملائمة للجميع.
قد ترغبين في التعرف على: المدينة المنورة تحقق جائزة شنغهاي العالمية للتنمية المستدامة في المدن

Google News