معنى العيد يختلف من جيل لجيل، والآن نعيش عصراً شهد كثيراً من المتغيرات التي بدأت بثورة التكنولوجيا، ثم لحقتها تغيُّرات اجتماعية جذرية. لذلك، اليوم حين نقول إننا على مشارف الاحتفال بعيد الفطر؛ فإن وقْع هذا على الشباب، له معالم ودلالات تشبه جيلهم وطبيعتهم.
وجّهت «سيّدتي» تساؤلاً حول: "هل تغيّر معنى عيد الفطر عند جيل اليوم؟" وشاركتنا الإجابة مدربة الحياة مها بنورة، مستشارة أسرية وتربوية وخبيرة في تنمية الوعي والرفاهية النفسية، والتي ترى أن هناك كثيراً من المتغيرات التي رمت بظلالها على العيد ومراسم الاحتفال.
إعداد: إيمان محمد
ماذا يعني العيد للشباب؟
تقول بنورة، إن مفهوم العيد من بين المفاهيم التي تأثرت بالتحوُّلات العصرية. وتوضح: "مفهوم العيد بوصفه واحداً من أهم المناسبات الاجتماعية والرُوحية التي تحمل في وجدان الناس معاني خاصة، تغيّر لدى بعض الشباب، وتحولت الطقوس من صلة الرحم، وزيارات مليئة بالمشاعر الصادقة، إلى مناسبة يعتبرها الشباب فرصة للظهور ومجاراة ما تفرضه الثقافة الرقمية الحديثة".
كيف تغيّر مفهوم العيد لدى الشباب؟
وتكشف بنورة عن عدة جوانب في الحياة يَبرز فيها تغيُّر مفهوم العيد، وتقول: "في الماضي، كان للعيد طابع مختلف تماماً. لم يكن مجرد يوم للراحة أو الخروج أو التقاط الصور؛ بل كان مناسبة تبدأ ملامحها قبل حلوله بأيام. كانت التحضيرات تنطلق من داخل البيوت؛ حيث تجتمع النساء لإعداد معمول العيد والحلوى في أجواء حميمية تعبّر عن روح المشاركة والمحبة".
وتشدد كوتش مها على أن الفارق بين العيد في السابق والآن، هي "المشاعر الحقيقية". وتقول: "هذا المشهد لم يكن مرتبطاً بالمظاهر، بقدر ما كان قائماً على المعنى. فالعيد كان يُعاش داخل البيوت، وفي اللقاءات العائلية، وفي لحظات الدفء التي تجمع الكبير بالصغير، وتعيد وصل ما انشغل عنه الناس خلال العام. لكن الآن الشغل الشاغل هو كيف ستظهر على السوشيال ميديا".

كيف غيّرت التكنولوجيا نظرة الشباب للعيد؟
الشباب يستهلكون السوشيال ميديا بشكل لافت، وهو ما انعكس على مظاهر الاحتفال بعيد الفطر، حسب بنورة، وتقول في هذا الصدد: "بالأساس، العيد مناسبة دينية واجتماعية، لكن الجيل الحالي افتقد هذا التوصيف، وبات العيد لهم فرصة للتواصل الرقمي أكثر، واستعراض مراسم الاحتفال. من ثَم صار جزءٌ من الاهتمام يتجه إلى المظهر الخارجي، والملابس الجديدة، وطريقة الظهور، وكيفية تقديم هذه التفاصيل عبْر المنصات الرقمية".
وهنا تطرح بنورة أهم ما يشغل الشباب في العيد، وقد حددته بسؤال: "ماذا ننشر؟" وأشارت إلى أن الأزمة هنا أن الاهتمام بالظهور تخطّى حدود الاحتفال وأصبح هدفاً، لدرجة أن بعض الشباب لا يعيش مراسم الاحتفال بسبب الانشغال بالتصوير والنشر.
نماذج الشباب في العيد
وترى بنورة أنه رغم هذا التحول، لا يمكن التعميم على كل الشباب. وتقول: "فهناك في المقابل فئة لاتزال متمسكة بجوهر العيد الحقيقي، وترى فيه فرصة صادقة لتعزيز الروابط العائلية واستعادة المعاني البسيطة التي تمنح للحياة طعمها الحقيقي. هذه الفئة مازالت تؤمن بأن العيد ليس مناسبة للمقارنة أو التباهي؛ بل وقت للامتنان، واللمة، والطمأنينة، والوجود مع من نحب". ويتقسم الشباب هنا إلى نموذجين:
النموذج الأول
النموذج الأول ينجرف مع التغيير السريع، ويجعل من التكنولوجيا محوراً أساسياً لحياته؛ حتى في أكثر المناسبات خصوصية ودفئاً. هذا النموذج لا يرى العيد إلا من خلال عدسة الهاتف، ويقيس فرحته بعدد المشاهدات والإعجابات، ويتعامل مع المناسبة بوصفها فرصة للحضور الرقمي أكثر من كونها مساحة إنسانية وروحية.

النموذج الثاني
وهو الذي يحاول أن يوازن بين الحداثة والتمسك بالقيم. لا يرفض التكنولوجيا، ولا يعاديها، لكنه لا يسمح لها بأن تسلبه المعنى الحقيقي للمناسبة. يستخدمها بوعي، ويستفيد منها، لكنه في الوقت نفسه يعرف أن العيد أكبر من صورة، وأعمق من منشور، وأصدق من أي ظهور عابر على المنصات.
رسائل الخبيرة للشباب
وتنصح بنورة الشباب بضرورة تحقيق التوازن؛ فليس مطلوباً منهم رفض سمات عصرهم، لكن من دون الانخراط المبالَغ فيه، وقدّمت النصائح التالية:
استخدموا التكنولوجيا بوعي
الرسالة هنا ليست دعوة ضد التكنولوجيا؛ بل دعوة إلى استخدامها بوعي. من الجميل أن نواكب التطور، وأن نستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي وكل ما يتيحه العصر من أدوات حديثة، لكن الأجمل من ذلك كله ألّا نفقد أنفسنا وسْط هذا العالم الرقمي المتسارع.
عيشوا اللحظات الواقعية
العيد في جوهره ليس صورة تُنشر، ولا مكاناً نُشير إليه، ولا لحظة تُصنع من أجل الآخرين؛ بل هو شعور يُعاش من الداخل، وذكريات تُبنى مع مَن نحب، وقيم تتجدد حين نمنح وقتنا الحقيقي لمن يستحقه.
تواصلوا بفعالية
وتنصح بنورة كذلك باستغلال العيد لتفعيل العلاقات الصادقة، وصلة الرحم، والوجود الإنساني الحقيقي؛ لأنها فرص لا يمكن أن تعوّضها أيّة شاشة، مهما بدت جذابة أو مؤثّرة.
العيد يُعاش بالقلب لا بالكاميرا
قد تتغير التفاصيل، وتتبدل الوسائل، وتتطور أنماط الاحتفال، لكن يبقى السؤال الأهم: هل مازال العيد يحتفظ بمعناه الحقيقي في قلوبنا؟ الإجابة ترتبط بقدرتنا على التمييز بين المظهر والجوهر، وبين ما يُعرض للناس، وما نعيشه فعلاً في دواخلنا.
وتختتم حديثها قائلة: "ربما تكون الرسالة الأقرب إلى الشباب اليوم هي عِش العيد بقلبك، لا بكاميرتك. وتذكّر دائماً أن سعادتك الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين أو الإعجابات؛ بل بصدق علاقاتك، وعمق ارتباطك بعائلتك، وتمسّكك بالقيم التي تعكس حقيقتك”.
اقرأي أيضاً الجامعة والحياة الاجتماعية: كيف توازن بينهما؟
