ظاهرة الابن الأوسط في أي عائلة هي الأبرز لدى الكثيرين؛ حيث يشعر هذا الابن بأن حياته مُختلفة عن أشقائه وأفراد الأسرة، وهُناك جملة يرددها الكثير منهم في العائلات وهي: "أشعر بأنني لا أرى نفسي وسط أشقائي".
التفسير العلمي لظاهرة الابن الأوسط
واقعياً هذا الإحساس الذي يشعر به الابن الأوسط له مصطلح علمي متداول منذ عقود وهو "متلازمة الابن الأوسط - Middle Child Syndrome"، وهو مفهوم نشأ من نظرية يُطلق عليها "ترتيب الميلاد"، وقام بدراستها الباحثون بشكل مكثف لفهم كيف يشكّل موقع الطفل بين إخوته شخصيته وعلاقاته لاحقاً في الحياة.
ويعود مفهوم "متلازمة الابن الأوسط" إلى نظرية قام بطرحها الطبيب النفسي النمساوي ألفريد أدلر، والذي يعد أحد رواد التحليل النفسي في مطلع القرن العشرين؛ حيث افترض خلال نظريته بأن ترتيب ميلاد الطفل بين إخوته يترك أثراً تنموياً واضحاً على شخصيته، وبحسب هذه النظرية لكل موقع في ترتيب الإخوة - الأكبر، الأوسط، الأصغر- سمات شخصية مرتبطة به تتشكل نتيجة الدور المختلف الذي يلعبه كل طفل داخل ديناميكية الأسرة.

وعلى الرغم أن هذه النظرية قديمة نسبياً؛ إلا أنها ما زالت الأساس الذي تنطلق منه معظم الأبحاث الحديثة حول تأثير ترتيب الميلاد على النمو النفسي والاجتماعي.
رؤية علماء النفس والمُتخصصين لـ متلازمة الابن الأوسط
وعلى مدار سنوات عكف العديد من الباحثين والمُتخصصين في علم النفس على دراسة مُتلازمة "الابن الأوسط"، وتوصلوا من خلالها إلى العديد من النقاط المُتعلقة بشخصية الابن الأوسط والتي ستؤثر على علاقاته عقب ذلك في الحياة، ونستعرضها لكم كالتالي:
لماذا يشعر الابن الأوسط بأنه غير مرئي؟
إن الفكرة المحورية في تلك الظاهرة بحسب مصادر متخصصة في الصحة النفسية، هي أن الابن الأكبر يحصل عادة على الاهتمام باعتباره الابن الأول الذي يخوض كل التجارب الأسرية قبل غيره، فيما يحظى الأصغر بالرعاية باعتباره "الطفل المدلل" الأخير في الترتيب.
أما الابن الأوسط فلا يحمل أياً من هذين اللقبين المميزين، وهو ما وصفه كتاب متخصص بعنوان "متلازمة الجيل الأوسط" بقوله إن الطفل الأوسط قد يُترك على الهامش، وبشكل خاص أن قرب فارق السن بين الإخوة يقلل الطاقة والوقت الذي يستطيع الوالدان تخصيصه لكل طفل على حدة، مما يفاقم شعوره بأنه أقل حضوراً في المعادلة الأسرية.

هل متلازمة الابن الأوسط حقيقة مُثبتة علمياً؟
أشارت الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن ترتيب الميلاد لا يُعد مؤشراً موثوقاً للتنبؤ بأي نتائج نفسية على وجه اليقين، كما أكدت دراسة يابانية حديثة أن الأبناء الأواسط قد يكونون أقل سعادة مقارنة بإخوتهم في مرحلة المراهقة، ووجدت الدراسة نفسها أنهم أقل عرضة للمعاناة من أعراض عاطفية أو صعوبات نفسية عامة.
فيما تباينت نتائج الدراسات حول سلوكيات المخاطرة، فحينما رصدت دراسة صينية عام 2022 ميلاً أكبر للسلوك المحفوف بالمخاطر بين الأبناء الأواسط، لم تجد دراسة ألمانية أُجريت عام 2019 أي علاقة بين ترتيب الميلاد والمخاطرة لدى البالغين.
رؤية المراجعات العلمية لتلك النظرية
ومن أكثر المصادر العلمية شمولاً في هذا الملف، مراجعة بحثية جمعت نتائج نحو 200 دراسة حول ترتيب الميلاد، والتي توصلت إلى أن السمات الأكثر ارتباطاً بالابن الأوسط هي كونه اجتماعياً بطبعه، لكنه في الوقت نفسه يشعر بأنه "لا ينتمي" بالكامل داخل عائلته.
فيما وجدت الدراسة نفسها أن ترتيب الميلاد ليس سوى مُتغير واحد ضمن منظومة أوسع تشكل الشخصية، وتشمل النوع الاجتماعي والقيم الأسرية والثقافة والانتماء المجتمعي، مما يعني أن موقع الطفل بين إخوته لا يفسر وحده سماته النفسية بل يتفاعل مع عوامل أخرى كثيرة.
الابن الأوسط الأقل لجوءاً للوالدين وقت الأزمات
ومن النتائج اللافتة التي توصلت إليها بعض الدراسات والأبحاث في هذا المجال أن الأبناء الأواسط هم الأقل ترجيحاً من بين إخوتهم للجوء إلى والديهم في المواقف الصعبة أو المرهقة، كما أنهم الأقل اختياراً لأمهاتهم كأقرب شخص إليهم مقارنة بالابن الأكبر أو الأصغر.
وهذا النمط يعزز فرضية أن الابن الأوسط يبني اعتماداً أكبر على نفسه وعلى دائرة أصدقائه بدلاً من الوالدين، مما يفسر جزئياً لماذا يوصف الأبناء الأواسط غالباً بأنهم أكثر استقلالية مقارنة بإخوتهم.
الابن الأوسط يتمتع بمهارات تفاوض وقيادة أعلى من المتوقع
ولم تحصر الأبحاث الحديثة تجربة الابن الأوسط في الجانب السلبي فقط، حيث إن كتاب "القوة الخفية للأبناء الأواسط"، والذي شاركت في تأليفه عالمة النفس كاثرين سالمون والصحفية كاترين شومان، جمع بين أبحاث في علم النفس التطوري والاجتماع؛ ليخلص إلى أن الأبناء الأواسط على الرغم من تلقيهم دعماً مالياً وعاطفياً أقل من والديهم مقارنة بإخوتهم غالباً ما يصبحون بالغين ناجحين ومبتكرين.
وبحسب ما ذكرته شومان خلال تصريحات صحفية، فإن نشأة الابن الأوسط وسط صراعات وتوترات بين إخوته تمنحه مهارة مبكرة في إدارة الشخصيات المتضاربة والتفاوض على حلول وسط، وتلك المهارة يستثمرها لاحقاً بشكل فعال في مجالات القيادة والعمل الجماعي مما يُساهم في نجاحه بالحياة المهنية.
بناء علاقات أكثر استقراراً
ومن المُفارقات التي أشارت إليها الأبحاث أيضاً، أن الأبناء الأواسط على الرغم من إحساسهم الداخلي بأنهم أقل اهتماماً من إخوتهم، أشارت بيانات إلى أنهم أقل عرضة للطلاق وأقل احتياجاً للجوء إلى العلاج النفسي مقارنة بإخوتهم الأكبر أو الأصغر.
وربط باحثون هذه النتيجة بأن اعتيادهم المبكر على التوسط بين أطراف متعددة داخل الأسرة يبني لديهم قدرة أكبر على إدارة العلاقات الشخصية بمرونة أكبر في مرحلة البلوغ.
العديد من العوامل الأخرى تتفوق على ترتيب الميلاد
وكان قد أجمع الكثير من الباحثين المعاصرين على أن العوامل المحيطة بترتيب الميلاد لا الترتيب في حد ذاته، هي ما يُحدد فعلياً تجربة الإبن الأوسط.
و من أبرز هذه العوامل: الفارق العمري بين الإخوة - فكلما كان الفارق كبيراً قد يشعر الإبن الأوسط بأنه الأكبر فعلياً ويطور سمات مرتبطة بهذا الدور-، وأيضاً نوع الأسرة - عدد الذكور والإناث بين الإخوة - والقيم والثقافة السائدة داخل الأسرة وأسلوب التربية المتبع، مما يفسر لماذا تختلف تجربة الابن الأوسط اختلافاً كبيراً من عائلة لأخرى، حتى في المجتمع نفسه.
يُمكنكم قراءة: كيف تنجح في بناء صداقات وعلاقات قوية مع أشخاص ناجحين؟

Google News