هناك العديد من الشباب ممن يشعرون دوماً بحالة من الحزن والتعاسة، ولا يحتاج وجود هذا الشعور إلى وجود صدمة أو أزمة كبيرة، حيث أشارت كثير من الأبحاث النفسية إلى أن هناك بعض العادات اليومية الصغيرة التي قد يُمارسها الإنسان، وقد تبدو غير ضارة أو حتى مريحة في لحظتها إلا أنها تتراكم في صمت وتُنتج شعوراً عاماً بالإحباط والتعاسة.
بعض العادات المُتكررة قد تتسبب في الشعور بالبؤس
وكانت العديد من الأبحاث قد كشفت أن الشعور بـ الحزن والتعاسة بشكل يومي غالباً ما يكون ناتجاً عن ممارسة بعض العادات الصغيرة بشكل متكرر، وأوضحت الأبحاث أن تلك العادات المُتسببة في هذا الشعور قابلة للتعديل بوعي تدريجي، ولا تتطلب تغييراً جذرياً في الحياة بقدر ما تتطلب انتباهاً يومياً بسيطاً للعادات التي نمارسها، ولما نكرره دون تفكير.
أبرز العادات التي قد تُشعرك بالحزن
وقد تناول عدد من الباحثين في دراستهم عدداً من العادات التي يُمارسها الأشخاص بشكل يومي، ومُتكرر والتي تتسبب في الشعور بالحزن والبؤس، والتي نستعرضها لكم في هذا الموضوع وهي كالتالي:
المقارنة المستمرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي
كشفت دراسة تم نشرها في مجلة "Communications Psychology" والتي استندت إلى يوميات جمعتها من 200 مراهق ومراهقة على مدار 14 يوماً، أن الاستخدام اليومي لمنصات مثل "أنستغرام، تيك توك، يوتيوب" ارتبط بانخفاض تقدير الذات الإيجابي وارتفاع مشاعر سلبية تجاه النفس بشكل يومي، وأن هذا الأثر يُفسَّر إلى حد كبير بما يسمى "المقارنة الصاعدة"، وهو الانطباع العام بأن الآخرين في وضع أفضل.
ومن اللافت أن هذه الدراسة رصدت العلاقة على مستويين: بين الأشخاص المختلفين، وداخل الشخص الواحد من يوم لآخر، مما يعني أن مجرد يوم استخدام مكثف واحد كافٍ لخفض تقدير الذات في ذلك اليوم تحديداً.

استخدام التسويف للهروب من المشاعر
أعادت دراسات الباحثة فوشيا سيرويس من جامعة "درم" البريطانية تعريف حالة التسويف بشكل جذري، حيث أظهرت أن التسويف ليس مشكلة في إدارة الوقت كما هو شائع لدى الجميع، بل يعد وسيلة للهروب المؤقت من المشاعر السلبية المرتبطة بمهمة معينة.
وأوضحت فوشيا سيرويس أن هذا الحل قصير المدى يخلق مشكلة أكبر على المدى الطويل، حيث يرتبط التسويف بعواقب حقيقية على الصحة النفسية والجسدية، بما في ذلك ما يُعرف بـ"تسويف موعد النوم"، وهو تأجيل الذهاب للفراش رغم عدم وجود سبب خارجي يمنع ذلك، وهي عادة يومية شديدة الانتشار، وترتبط بشكل مباشر بضعف جودة النوم وتراكم الإرهاق النفسي.
إعادة تشغيل الأفكار السلبية بشكل متكرر
يعد من أخطر العادات الذهنية اليومية التي وثقتها الأبحاث ما يُعرف بـ"الاجترار الفكري – Rumination"، وهو مصطلح صاغته عالمة النفس الراحلة سوزان نولين - هوكسيما من جامعة ييل، والذي يعني التركيز المتكرر والسلبي على أسباب الشعور السيئ وتبعاته دون الوصول لحل فعلي.
ومن خلال دراسة طولية أجريت على 455 شخصاً فقدوا أحد أفراد أسرهم، وجدت نولين- هوكسيما أن من استمروا في الاجترار الفكري على مدار 18 شهراً كانوا أكثر عرضة للإصابة باكتئاب حاد مقارنة بغيرهم، كما وجدت في دراسة استقصائية أخرى شملت 1300 شخص بالغ أن من يمارسون هذه العادة أكثر عرضة أربع مرات للإصابة بـ الاكتئاب الحاد مقارنة بمن لا يمارسونها، حيث إن الاجترار خلافاً لحل المشكلات الفعلي، يعمّق الشعور بالضيق بدلاً من تخفيفه.

مقارنة المسار المهني بمنشورات الزملاء يومياً
خلال دراستين تم إجراؤهما على موظفين يابانيين، إحداهما استندت إلى استبيان ذاتي شمل 309 موظفين، والأخرى إلى تتبع يومي لأكثر من ألف استجابة على مدار أسبوع كامل، تم التوصل إلى أن مشاهدة منشورات الزملاء الإيجابية حول مسارهم المهني تؤدي إلى ما يسميه الباحثون "الإحباط الوظيفي" من خلال آلية المقارنة الاجتماعية الصاعدة.
كما أظهرت الدراستان أن هذا الإحباط يظهر بشكل يومي مع كل تعرض لهذا النوع من المنشورات، فيما وجدتا في المقابل أن التواصل الاجتماعي الحقيقي وجهاً لوجه مع الزملاء يخفف من هذا الإحباط بشكل ملحوظ، مما يشير إلى أن استبدال التفاعل الرقمي بتفاعل بشري مباشر قد يخفف من هذا الأثر السلبي.
ترك الاستمتاع الاجتماعي من أجل المقارنة المستمرة
فيما طرحت دراسة تجريبية أولية بديلاً عملياً لهذه العادة اليومية المؤذية من خلال ما يسمى "الاستمتاع الاجتماعي - Social Savoring"، وهي التدرب الواعي على الشعور بالسعادة الحقيقية لسعادة الآخرين بدلاً من مقارنة الذات بهم.
وقد شملت الدراسة والتي استمرت لمدة 14 يوماً مع مجموعة من طلاب الجامعات، مجموعة تلقت تدريباً قصيراً على هذه المهارة وأظهرت نتائجها تحسناً ملحوظاً في تقدير الذات المرتبط بالأداء لدى من مارسوا هذا الأسلوب، مقارنة بمن استمروا في نمط المقارنة المعتاد دون تدخل، وأشار ذلك إلى أن العادة اليومية البديلة لا الابتعاد الكامل عن مواقع التواصل الاجتماعي بالضرورة، قد تكون المدخل الأكثر واقعية للتخفيف من أثر المقارنة.
يُمكنكم قراءة: حيل نفسية للتخلص من المستنزفين للطاقة

Google News