يتعرض الكثير منا إلى بعض المواقف مثل التأخر المفاجئ أو النقد الجارح أو سماع خبر سيئ، ودوماً ما يبقى شخص متماسكاً نسبياً أمام تلك المواقف، وهناك آخر يتأثر لساعات أو أيام، فما هو الفرق الذي يكمن بين الشخصيتين؟
تعريف الثبات الانفعالي
يرى علماء النفس أن أحد أبرز أسباب هذا الاختلاف يُطلق عليه "الثبات الانفعالي - Emotional Stability"، وهي سمة شخصية مدروسة منذ عقود ضمن نموذج "السمات الخمس الكبرى"، إلا أن هذا المفهوم كثيراً ما يتم فهمه بشكل خاطئ على أنه حالة من البرود" أو كتمان المشاعر".
7 دلائل للتعبير عن صفة الثبات الانفعالي
وكان قد عبر وتناول علماء النفس صفة الثبات الانفعالي من خلال العديد من الدراسات والأبحاث، والتي نُقدمها لكم من خلال أبرز 7 دلائل للتعبير عن صفة الثبات الانفعالي، وهي كالتالي:
الثبات الانفعالي المضاد لـ العُصابية
استخدم الباحثون مصطلح "الثبات الانفعالي" للدلالة على الطرف المعاكس لصفة "العُصابية – Neuroticism" في نموذج السمات الخمس الكبرى، بجانب الانفتاح والضمير الحي والقبول.
وأوضح عالم النفس برنت روبرتس Brent Roberts من جامعة إلينوي أن من يرتفع لديهم مستوى العُصابية يميلون إلى أن يكونوا أكثر قلقاً وتقلباً في المزاج وحزناً وأكثر ميلاً إلى رؤية الأحداث تهديداً، فيما يكون الثبات الانفعالي هو الطرف الذي تكون فيه الاستجابات أهدأ وأقرب إلى حجم الموقف.

الفرق بين إعادة التقييم والكبت
لا يعني الثبات الانفعالي مثلما يظن البعض بألا يشعر الشخص بالقلق أو الغضب أو الحزن، بل كيف يتعامل معهما، ويطرح عالم النفس جيمس جروس James Gross "النموذج العملياتي لتنظيم الانفعال"، والذي يُميز خمس عائلات من الاستراتيجيات وهي: اختيار الموقف، تعديله، توجيه الانتباه، التغيير المعرفي، تعديل الاستجابة.
وأكثر استراتيجيتين تم الاهتمام بدراستهما هما "إعادة التقييم المعرفي"، أي تغيير طريقة التفكير في الموقف لتغيير أثره العاطفي، و"الكبت التعبيري"، أي محاولة إخفاء مظاهر الانفعال، وأشارت مراجعات تجريبية إلى أن إعادة التقييم لها مميزات أكثر صحة على المدى القصير في آثارها الوجدانية والمعرفية والاجتماعية مقارنة بالكبت، وأفادت دراسة صينية بأنها تقلل التجربة الذاتية والاستجابة الودية ولا تعطل العمليات المعرفية الأخرى، فيما يرتبط الكبت بتنشيط الجهاز الودي واللوزة الدماغية.
كما لفت عدد من الباحثين إلى أن الكبت قد يكون مفيداً أحياناً، مثل إخفاء الانفعالات للحفاظ على العلاقات أو الوظيفة، وأن كثيراً من الدراسات ارتباطية فلا تحسم الاتجاه السببي.
الجذور البيئية والوراثية
تشير دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة "Emotion" بعنوان "أهمية العصابية للصحة العامة" (Public Health Significance of Neuroticism)، وشملت 743 زوجاً من التوائم، إلى أن العوامل الوراثية تفسّر نحو 41% من الاختلافات في مستويات العصابية، في حين بلغت نسبة التأثير الوراثي في مهارة إعادة التقييم المعرفي نحو 20% فقط، ما يشير إلى أن هذه المهارة تتأثر بدرجة أكبر بالعوامل البيئية والتجارب الشخصية.
وتعني هذه النتائج أن طريقة تعاملنا مع مشاعرنا ليست أمراً تحدده الجينات وحدها؛ فبينما قد يولد بعض الأشخاص باستعداد أكبر للتوتر أو الحساسية الانفعالية، فإن قدرتهم على فهم مشاعرهم وإعادة النظر في المواقف التي تثير انفعالاتهم يمكن أن تتطور مع الوقت من خلال التعلم والتجارب والتدخلات النفسية. وبالتالي، فإن الاستعداد الوراثي ليس قدراً ثابتاً، بل هناك مساحة لاكتساب مهارات تساعد على تحسين تنظيم الانفعالات وتعزيز الثبات النفسي.
الثبات الانفعالي ونضوجه مع التقدم في العمر
أشارت أدبيات تطور الشخصية إلى "مبدأ النضج"، أي أن العصابية تميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر، وأن الثبات الانفعالي يرتفع، فيما أظهرت مراجعة بحثية واسعة نشرها روبرتس وزملاؤه في عام 2006 بـ "Psychological Bulletin" أن مرحلة الشباب المبكر من الثامنة عشرة إلى أواخر العشرينيات تعد من أنشط فترات التغير.
وجاء تحليل حديث لدراسات طولية شمل مئات الآلاف من المشاركين ليؤكد أن الثبات الانفعالي ازداد باطراد وبقدر أكبر مما قُدّر سابقاً عبر مراحل العمر، أما أحداث الحياة مثل التخرج أو بدء وظيفة أو الزواج أو الطلاق، فتقترن بتغيرات متواضعة في الشخصية بحسب تحليل في عام 2024، مع آثار أوضح لانتقالات العمل مقارنة بالعلاقات.
التغيير من خلال العلاج النفسي
ومن النتائج اللافتة في هذا السياق ما توصلت إليه مراجعة علمية قادها برنت روبرتس (Brent Roberts)، ونُشرت عام 2017 في مجلة "Psychological Bulletin". وشملت المراجعة تحليل 207 دراسات تابعت سمات الشخصية لدى الأشخاص قبل خضوعهم للعلاج النفسي وبعده.
وأظهرت النتائج أن التدخلات العلاجية ارتبطت بتغيرات واضحة في الشخصية خلال فترة بلغ متوسطها 24 أسبوعاً. وكان الثبات الانفعالي أكثر السمات تأثراً بالعلاج، تلاه الانبساط. كما استمرت هذه التغيرات خلال فترات المتابعة اللاحقة، ما يشير إلى أن التحسن لم يكن مؤقتاً بالضرورة.
ولاحظ الباحثون أيضاً أن الأشخاص الذين يتلقون العلاج من اضطرابات القلق أظهروا تغيرات أكبر في سمات شخصيتهم. في المقابل، لم يظهر نوع العلاج المستخدم ارتباطاً قوياً بحجم التغير.
ويرى روبرتس أن هذه النتيجة منطقية، لأن العلاج النفسي يركز غالباً على التعامل مع المشاعر والأفكار والسلوكيات التي ترتبط بسمات الشخصية. ومع ذلك، يشير بعض المعلقين إلى احتمال أن يكون جزء من هذا التحسن ناتجاً عن التعافي من حالات مثل الاكتئاب، التي قد تؤثر سلباً في الثبات الانفعالي؛ أي إن التحسن قد يعكس عودة الشخص إلى مستواه الطبيعي السابق، وليس بالضرورة اكتساب سمة شخصية جديدة.
أهمية الثبات الانفعالي للصحة

أكد العالم والباحث الأمريكي في علم النفس بنجامين لاهي (Benjamin B. Lahey)، في ورقة علمية مرجعية نُشرت عام 2009 في مجلة "American Psychologist"، أن العصابية تُعد من السمات الشخصية المهمة لفهم الصحة العامة، إذ ترتبط بارتفاع احتمالات الإصابة بعدد من الاضطرابات النفسية والجسدية، فضلاً عن زيادة اللجوء إلى الخدمات الصحية.
وأشارت مراجعات علمية لاحقة إلى ارتباط ارتفاع العصابية ببعض المشكلات الصحية، مثل أمراض القلب واضطرابات المناعة والربو ومتلازمة القولون العصبي، فضلاً عن احتمال ارتباطها بزيادة خطر الوفاة. لكن هذا الارتباط لا يعني أن العصابية هي السبب المباشر لهذه الأمراض، بل إن العلاقة أكثر تعقيداً وقد تتداخل فيها عوامل متعددة.
ومن هنا، دعا لاهي إلى إجراء مزيد من الأبحاث لفهم الآليات التي تربط هذه السمة بالصحة الجسدية والنفسية. وفي المقابل، يرتبط ارتفاع الثبات الانفعالي عموماً بمؤشرات صحية أفضل وقدرة أكبر على التعامل مع الضغوط.
الثبات الانفعالي ليس تشخيصاً
وبالرغم من ذلك فإن الثبات الانفعالي يبقى وصفاً لسمة شخصية، لا تشخيص طبياً ولا مقياساً لقيمة الإنسان، حيث إن الاختبارات المتاحة على الإنترنت لا تغني عن تقييم متخصص، وإذا كان القلق أو تقلب المزاج أو الحزن مستمراً ويعطل النوم أو العمل أو العلاقات، فالأفضل الحديث إلى طبيب أو اختصاصي نفسي حيث العلاجات المدروسة، قد تحدث فرقاً ملموساً.
يُمكنكم قراءة: فن إدارة الطاقة.. أبرز الطرق لاستثمار طاقتك بحكمة وذكاء

Google News