من خلفية علمية متينة تجمع بين برمجة الحاسب وإدارة الأعمال، وفلسفة قيادية جوهرها صناعة الأثر المستدام وبناء جيل قادر على المنافسة عالمياً في الابتكار الرقمي؛ صاغت سيدة الأعمال السعودية غادة رشوان مسيرة ذهبية كقائدة للمبادرات والمشاريع النوعية، حيث دمجت ببراعة بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي ومعايير الاستدامة.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، حملت خبراتها إلى المحافل الدولية لتجسد نموذجاً استثنائياً للمرأة السعودية المتمكنة والمواكبة للتحولات العالمية بوعي وإتقان ومسؤولية. ومن خلال بناء شراكات استراتيجية وتمثيل المملكة في مبادرات عالمية، استحقّت بجدارة العديد من الألقاب والجوائز المرموقة في مجال التحول الرقمي.
اليوم بمناسبة يوم التأسيس، نسلط مع غادة رشوان الضوء على الحضور المميز للمرأة السعودية في قطاعات دقيقة ومليئة بالتحديات، ونغوص في تفاصيل رحلتها الملهمة من الإنجازات المحلية إلى التمثيل العالمي.
المناصب تذهب ويبقى الأثر

كيف تعرف غادة رشوان عن نفسها؟
قائدة سعودية في مجال التحول الرقمي والاستراتيجية الدولية، أكرس خبراتي لتصميم نماذج نمو مبتكرة قائمة على الذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات استراتيجية تحقق أثراً اقتصادياً مستداماً. أؤمن بأن القيادة ليست مجرد منصب، بل هي أثر ممتد يتجاوز الحدود التقليدية للعمل المؤسسي.
خلال مسيرتي، حظيت بتقدير محلي ودولي لجهودي في الابتكار؛ حيث نلت لقب "قائدة التحول الرقمي المتميزة" من مجلة Arab Leaders Magazine (يوليو 2025)، بالإضافة إلى "جائزة التميز في التحول الرقمي" من Impact Excellence Awards 2025 في الرياض، تقديراً لإسهاماتي في دمج الاستدامة بالحلول التقنية الرائدة.
أسست شركة SustAInovate.Co.SA لتكون منصة سعودية بمعايير عالمية، متخصصة في التحول الرقمي وتطوير نماذج الشراكات المستقبلية. من خلالها، أعمل على تحويل الرؤى الاستراتيجية المعقدة إلى نماذج تنفيذية قابلة للتوسع، تجمع بين كفاءة التقنية، واستدامة الموارد، والربحية القابلة للقياس، مما مكنني من قيادة استراتيجيات رقمية لمنظمات ومنصات دولية مرموقة.
شاركت بفاعلية في منصات استشارية دولية تعنى بالابتكار والتوسع العالمي، وأسهمت في بناء جسور تعاون بين قطاعات الاستثمار والتقنية محلياً وعالمياً. وقد توجت هذه الجهود بتعييني شريكاً استراتيجياً لعدد من الجهات الدولية، وهو ما أعتبره واجباً لتعزيز حضور القدرات السعودية في المحافل العالمية.

تشرفت بتمثيل المملكة العربية السعودية ضمن مبادرة الأمم المتحدة العالمية للتحول الرقمي (UN 16 Days of Activism Against Gender-Based Violence)، بالتعاون مع Global Women Development Network، حيث صممت استراتيجية رقمية شاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتمكين المرأة وحماية الفئات الأكثر احتياجاً، بما في ذلك ذوو الإعاقة (الصم، البكم، والمكفوفين)، عبر أدوات رقمية مبتكرة تم عرضها كنموذج رائد في الجلسات الختامية للمبادرة.
أرتكز على أساس علمي متين يجمع بين التقنية والإدارة؛ فأنا خريجة برمجة الحاسب الآلي من جامعة الملك سعود، وحاصلة على بكالوريوس إدارة الأعمال من الأكاديمية الدولية للأعمال في سويسرا (IBAS). حالياً، أركز بحثي في مرحلة الماجستير في الإدارة الاستراتيجية على تصميم مشروع دولي مدعوم بالذكاء الاصطناعي مخصص لخدمة القطاع الحكومي السعودي.
رؤيتي ببساطة هي أن المناصب مؤقتة، والأثر هو الباقي. هدفي هو بناء نماذج عمل مستدامة ونقل المعرفة لتمكين الجيل القادم، بما يسهم في ترسيخ مكانة المملكة كمحرك عالمي للابتكار والاقتصاد الرقمي، تحقيقاً لمستهدفات رؤية السعودية 2030.
اقرأوا أيضاً بمناسبة يوم التأسيس السعودي.. الدكتورة رهف محمد الطويرقي: المرأة السعودية متمسكة بهويتها أينما كانت
ربط التقنية بالاستدامة

كيف وُلدت فكرة الربط بين التقنية والاستدامة في مسيرتك المهنية؟
بدأت رؤيتي لربط التقنية بالاستدامة منذ مشروع تخرجي عام 2002 خلال دراستي لبرمجة الحاسب الآلي ونظم المعلومات. منذ تلك اللحظة، أدركت أن التكنولوجيا ليست هدفاً بحدّ ذاتها، بل أداة استراتيجية لتحقيق أثر متكامل: بيئي واجتماعي، واقتصادي أيضاً. كل مشروع تقني أشارك فيه يسعى إلى تعزيز نمو الأعمال، زيادة الأرباح، إضافة قيمة حقيقية للعملاء، وفي الوقت نفسه تحقيق تأثير إيجابي ومستدام في المجتمع والبيئة. هذا النهج جعل الابتكار الذي أقدمه دائماً مسؤولاً، عميق الأثر، وقابلاً للتطبيق على المستوى المحلي والعالمي.
بصفتكِ خبيرة استراتيجية، كيف تنظرين إلى العلاقة بين "الرقمنة" و"الاستدامة" كضرورة حتمية لمستقبل الأعمال؟
"أرى أن الرقمنة والاستدامة اليوم ليستا خياراً، بل ضرورة استراتيجية لمستقبل الأعمال. لقد جسدت هذا المبدأ عملياً من خلال استراتيجيتي لمؤتمر Zero Waste FSF الذي كان مقرراً عقده في نوفمبر 2025، والتي تعتمد على مبدأ صفر نفايات يُطبق عملياً ورقمياً مع قياس النتائج لحظياً باستخدام أدوات ذكية وتقنيات حديثة.
تتكون الاستراتيجية من ثلاث مراحل متكاملة:
- تطبيق صفر نفايات داخل المنتدى: استبدال البلاستيك بمواد صديقة للبيئة، استخدام أدوات تقديم قابلة للتحلل، نقاط فرز ذكية بثلاثة ألوان، الطاقة المتجددة، والتعاون مع تطبيق Barakah لإعادة توجيه فائض الطعام مجتمعياً، ما يضمن إعادة تدوير 100% من المواد.
- مؤشر قياس الأداء الذكي (FSF Impact Index): جمع البيانات البيئية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الفعلي باستخدام حساسات RFID، وعرض النتائج على شاشات المنتدى ولوحة تحكم رقمية، مع تقارير رسمية بعد الحدث.
- منصة رقمية ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي: تربط المشاركين، الجهات الحكومية، الشركاء، والشركات الناشئة، لتسهيل التسجيل، التتبع، تحليل البيانات، ومكافأة المشاركين عبر نظام النقاط الخضراء، مما يعزز القيمة المستدامة للمنتدى بعد الحدث.
هذه التجربة العملية تثبت أن الرقمنة تمنح الاستدامة القدرة على القياس والتحسين المستمر، والاستدامة تمنح الرقمنة هدفاً أعمق يتجاوز الكفاءة إلى أثر اجتماعي وبيئي واقتصادي ملموس. الشركات والمؤسسات التي تتبنى هذا التكامل هي التي ستقود مستقبل الأعمال بثقة وابتكار، مع ترك أثر حقيقي ومستدام للأجيال القادمة.
على المنابر العالمية...

تمثيلكِ للمملكة في منصات دولية يضعكِ في واجهة المشهد؛ ما هو الانطباع الذي تحرصين على ترسيخه عن الكفاءات السعودية في المحافل العالمية؟
أحرص على أن يمثل كل ظهور دولي روح الكفاءات السعودية وطموحها العالمي. ليس الهدف مجرد التمثيل، بل أن تُظهر المملكة قدرتها على الابتكار، القيادة، والتأثير في المحافل العالمية. أرى نفسي، وزملائي، سفراء للقيم، للإبداع، وللتميز السعودي، وأعمل دائماً على أن أترك بصمة إنجاز حقيقية ومستدامة في كل منظمة دولية أنضم إليها أو أُرشح لها، بحيث يستمر أثر هذا العمل حتى بعد انتهاء اللقب أو المنصب، ويكون نموذجاً يساهم في تطوير ونمو مستدام للمنظمات والمجتمعات التي نخدمها. فأنا أذهب، ويبقى العلم السعودي.
ما هي المعايير الشخصية والاحترافية التي تتبعينها في عملكِ والتي تجعل اسمكِ حاضراً دائماً في قوائم التميز والجوائز الدولية؟
منفعة وإرضاء المنظمة أو الشريك هي دائماً الأساس في كل ما أقوم به. لا أقبل أبداً تقديم عمل يقل عن تقييم التميز والاحترافية العالية، لأن كل إنجاز أبدأه أضع السعودية أمامه، كرمز للثقة والكفاءة ومسؤولية كبيرة تجاه سمعتها العالمية.
أحرص على أن يكون كل مشروع أو إنجاز أقدمه الأول وليس الأخير، بحيث يفتح آفاقاً جديدة للتطوير المستمر ويصبح نموذجاً يُحتذى به في الابتكار المسؤول. هذا النهج يضمن أن يكون كل أثر عملي مستداماً، ملموساً، ويعزز القيمة للعميل أو الشريك على المدى الطويل.
من خلال عضويتك في نادي الرؤساء التنفيذيين، كيف تساهمين في بناء جسور التواصل بين المبتكرين السعوديين والمستثمرين حول العالم؟
بدأت دوري في النادي كسفيرة، وهو لقب وضعني في واجهة المسؤولية على مستوى عالمي. لم أنتظر أن يُطلب مني الإنجاز، بل بادرت فوراً بتقديم أول إنجاز لي من خلال خطة تطوير رقمية شاملة، ركزت على القوانين والمعايير العالمية تبعاً للقوانين التي تمكّن المبتكرين والمستثمرين السعوديين بشكل خاص من الانضمام، وتعزز النمو الربحي والاستراتيجي المستدام للمبتكرين والشركاء العالميين والسعوديين على حدّ سواء.
شمل خطوات ملموسة لبناء جسور التواصل:
- تنظيم لقاءات استراتيجية فردية وجماعية بين المبتكرين والمستثمرين.
- تصميم برامج متابعة رقمية لضمان استمرارية الشراكات وتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للنمو.
- تقديم الدعم العملي والمشورة المباشرة للمبتكرين لضمان جاهزيتهم للاستثمار العالمي.
بهذه الطريقة، أصبح دوري داخل النادي محورياً وفعلياً في ربط الطموح السعودي بالفرص العالمية، مع تحويل كل تواصل إلى شراكة قابلة للنمو، ويعكس قدرة القيادة السعودية على الابتكار والتأثير عالمياً، وهو ما جعلني في اليوم التالي شريكاً استراتيجياً في النادي.
تحديات وصلابة

ما أهم الدروس التي تعلمتِها من التحديات التي واجهتِها كسيدة أعمال في هذا المجال؟
العمل في قطاع تقني-بيئي يجمع بين تعقيد التكنولوجيا وحدود الاستدامة البيئية، وهذا يتطلب صلابة حقيقية ووضوح رؤية لا يتزعزع. خلال رحلتي، واجهت تحديات عدة: من تقنيات جديدة لم تكن مطبقة بعد، إلى متطلبات بيئية صارمة، وضغوط لتحقيق نتائج ملموسة في وقت محدود.
تعلمت أن كل تحدٍ هو فرصة لإعادة ابتكار الحلول، تعزيز الاستراتيجية، وتحويل الضغط إلى نمو ملموس. الصلابة وحدها لا تكفي، بل يجب أن يقترن الالتزام بالقيم البيئية والاجتماعية مع المرونة في التكيف مع المتغيرات، والقدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية دقيقة تحت الضغط.
الأهم من ذلك، أدركت أن القيادة في هذا القطاع تعني أن تكون كل مبادرة أو مشروع ليس مجرد إنجاز مؤقت، بل أثراً مستداماً يترك فرقاً حقيقياً للشركاء والعملاء والمجتمع. هذه الدروس شكلت نهجي القيادي: الصلابة مع الحكمة، الابتكار مع الالتزام، والرؤية مع التنفيذ، بحيث يكون لكل عمل أثر طويل الأمد وملموس.
كيف تحافظين على روح الابتكار لديك في ظل الضغوط والمنافسة العالية؟ وما أبرز ما تحقق من طموحاتك اليوم؟
أحافظ على روح الابتكار من خلال التعلم المستمر والبحث الدائم في أحدث التطورات التقنية ونمو الأعمال، لأن هذا المجال يتطور بسرعة، مما يجعل متابعة السوق والمعرفة الحديثة ضرورة لا اختياراً.
كما أحرص على امتصاص خبرات الخبراء حولي والانخراط في شراكات مهنية استراتيجية، مما يتيح خلق حلول عملية وفعالة. الابتكار بالنسبة لي ليس مجرد فكرة، بل نهجاً عملياً يبدأ بالملاحظة والتعلم ويستمر بالمبادرة والتطبيق والتطوير.
على صعيد الإنجازات، تمكنت من تأسيس شراكات عديدة مع شركات ومنظمات محلية وعالمية في قطاعات اقتصادية وتقنية مالية واستثمارية واستدامة بيئية. لكن هذا لا يعني أنني حققت طموحاتي بعد؛ بل على العكس، أنا اليوم أبدأ برمجة الإنجازات ومواجهة التحديات الأكبر.
مبدئي الذي أهديه لرواد الأعمال هو: مع كل إنجاز أو تخطي هدف، تخيل أنك ما زلت تبدأ. هذا التفكير يحافظ على روح المبادرة، ويجعل كل نجاح منصة لبناء إنجاز أعظم من سابقه.
إعادة صياغة مفهوم النجاح

بصفتك عضوة في الجمعية الاقتصادية السعودية، كيف تقيمين بصمة المرأة السعودية اليوم في دفع عجلة النمو؟
المرأة السعودية اليوم قوة دافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاجتماعي. لقد تجاوزت الدور التقليدي وأصبحت قيادية، مبتكرة، ومؤثرة عالمياً. بصمتها واضحة في ريادة الأعمال، المبادرات المجتمعية، والمشاريع الاستراتيجية، وهي تساهم في إعادة صياغة مفهوم النجاح والتمكين في المملكة.
ما هو "التغيير الكبير" الذي تتوقعين حدوثه في عالم الأعمال الرقمي خلال السنوات الخمس القادمة، وكيف تستعدين له؟
أتوقع أن يشهد عالم الأعمال الرقمي خلال السنوات القادمة تحولاً عميقاً يجمع بين الذكاء الاصطناعي، البيانات الكبيرة، والاستدامة، حيث تصبح كل القرارات مبنية على تحليل ذكي يحقق القيمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في آن واحد.
في هذا الإطار، أتابع عن كثب إنجازات السعودية الرقمية ورؤيتها الطموحة 2030، التي وضعت أسساً قوية لتحول الاقتصاد والابتكار والاستدامة. أشعر بالمسؤولية أن أكون جزءاً من هذا التطور، وأستعد لذلك من خلال:
- تطوير فرق متعددة التخصصات تجمع بين التقنية والاستدامة والابتكار الاجتماعي.
- الاستثمار في أحدث التقنيات الرقمية لضمان أن كل مشروع يحقق أثراً ملموساً.
- تعزيز ثقافة الابتكار المستدام داخل كل مبادرة، بحيث يكون الابتكار ليس مجرد فكرة بل ممارسة عملية تترك أثراً دائماً على المجتمع والأسواق.
بهذه الطريقة، لا أستعد فقط للتغيير الرقمي، بل أحرص على أن يكون لكل خطوة بصمة واضحة تتناغم مع رؤية السعودية الطموحة، وتضعها في صدارة التحول الرقمي العالمي.
بعيداً عن الأرقام والإنجازات المهنية، ما هي القيمة أو "البصمة" التي تحلمين أن تتركيها للأجيال القادمة من رواد الأعمال؟
بصمتي الحقيقية لا تُقاس بالأرقام أو الجوائز، بل بجيل مؤهل، واثق، ومبدع، يملك الشجاعة والمهارة ليحوّل كل تحدٍ إلى فرصة، وكل رؤية إلى إرث مستدام. هذه هي الرسالة التي أهديها لكل من يسير على الدرب ذاته: اعمل اليوم وكأنك تؤسس لمستقبل أعظم مما تركت، فكل إنجاز هو بداية، وكل أثر حيّ هو إرث خالد.
أدرك تماماً أن المناصب والألقاب زائلة، وأننا لا نبقى على كراسي القيادة إلى الأبد. لذلك أعتبر أن قيمتي الحقيقية تكمن في الخبرة والدروس التي أتركها خلفي، وفي القدرة على تمكين الجيل القادم من رواد الأعمال ليواصل البناء والتطوير بما يفوق ما بدأت به.
لكل مشروع أقدمه وكل تحدٍ أواجهه، أحرص على أن يكون دليلاً مرشداً عملياً لمن سيأتي بعدي، بحيث يتحول كل نجاح مؤقت إلى إرث دائم وملهم، ويصبح الابتكار جزءاً من ثقافة مستدامة تتجاوز الألقاب والأيام.
ومن قصصنا الملهمة: المديرة التنفيذية للمجلس الدولي للتمور ورئيسة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث الأميرة سارة بنت بندر بن عبدالعزيز آل سعود: في كل نخلة حكاية وطن .. والتمور قوة ناعمة





