يشهد القطاع الصحي في المملكة العربية السعودية تطوراً جذرياً ضمن رؤية السعودية 2030، كما تحظى الكفاءات الوطنية السعودية بدعم وتمكين يعكس جهود وزارة الصحة ضمن منظومة التحول الصحي في إطار رؤية المملكة 2030 للاستثمار في رأس المال البشري، بما يُرسّخ مكانة المملكة إقليميًا ودوليًا ومكانة العاملين في القطاع الصحي من السعوديين داخل المملكة وخارجها.
وبمناسبة يوم التأسيس التقينا الطبيبة السعودية المقيمة في الإمارات العربية المتحدة، رهف محمد الطويرقي أخصائية تغذية سريرية في قسم التغذية السريرية وعلم التغذية، من مستشفى ميدكير رويال – دبي، وكان معها الحوار الآتي:
إعداد: لينا الحوراني
صورتي المهنية والإنسانية
ما الذي يعنيه لك يوم التأسيس السعودي على المستوى الشخصي؟
يوم التأسيس السعودي بالنسبة لي ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو لحظة شخصية عميقة أستحضر فيها جذوري الأولى ومعنى الانتماء الحقيقي. رغم إقامتي في دولة الإمارات، التي أعتز بها كثيراً كبلد احتضنني ومنحني الاستقرار وفرص العمل، يبقى يوم التأسيس تذكيراً صادقاً ببداية الحكاية التي أنتمي إليها قلباً وهويةً.
على المستوى الشخصي، هذا اليوم يعيدني إلى قيم نشأت عليها: الاعتزاز بالأرض، والوفاء للقيادة، والإيمان بأن ما نعيشه اليوم من أمن واستقرار هو نتيجة كفاح وتضحيات امتدت لقرون. أشعر في هذا اليوم بمسؤولية مضاعفة، فأنا أمثل وطني في الخارج، وأحرص أن تعكس تصرفاتي وصورتي المهنية والإنسانية ما يليق بتاريخ المملكة العريق.
كما أن وجودي في الإمارات، وهي دولة شقيقة تشاركني الكثير من القيم والروابط الثقافية، يجعل شعوري بالفخر مضاعفاً؛ فنجاحي هنا هو امتداد لصورة المرأة السعودية اليوم: طموحة، قادرة، ومتمسكة بهويتها أينما كانت. يوم التأسيس بالنسبة لي هو جسر بين الماضي والحاضر، وبين الوطن الذي أنتمي إليه والمكان الذي أعيش فيه، يجدد داخلي الامتنان والعزم على أن أكون دائماً انعكاساً مشرفاً لتاريخ بلادي ومستقبلها.
ثقة وثبات وتأثير
كيف تصفين المرأة السعودية اليوم ؟
المرأة السعودية اليوم تمثل حالة نضج وتوازن لافتة. في السابق كانت المرأة حاضرة بقوة في القيم والتأثير داخل الأسرة والمجتمع، لكنها غالباً تمارس هذا الدور بهدوء ومن خلف المشهد، في ظل فرص محدودة للظهور والمشاركة الواسعة. أما اليوم، فهي ما زالت متمسكة بتلك الجذور والقيم نفسها، لكنها أصبحت أكثر حضوراً وثقة وتأثيراً في الفضاء العام.
المرأة السعودية اليوم متعلمة، واعية بحقوقها وواجباتها، وقادرة على الجمع بين أصالتها وطموحها. لم تتخلَّ عن هويتها، بل أعادت تعريفها؛ فأصبحت شريكة فاعلة في التنمية، حاضرة في القطاعات الصحية والعلمية والاقتصادية والقيادية، وتقدم نموذجاً يحترم الخصوصية الثقافية ويواكب في الوقت نفسه متطلبات العصر.
الفرق الجوهري بين الأمس واليوم لا يكمن في القيم، بل في الفرص والمساحات. ما تغيّر هو اتساع الأفق، والدعم المؤسسي، والثقة المجتمعية بقدرات المرأة. واليوم، تعكس المرأة السعودية صورة واثقة ومتزنة: تعتز بتاريخها، تؤمن بدورها، وتمضي إلى المستقبل بثبات، وهي تدرك أن قوتها الحقيقية تنبع من جذورها قبل إنجازاتها.
التخطيط الاستراتيجي
كيف ترين دور السعودية في دعم القطاع الصحي والبحث العلمي خلال السنوات الأخيرة؟
أرى دور السعودية في دعم القطاع الصحي والبحث العلمي خلال السنوات الأخيرة كتحوّل مهم وملموس على أكثر من مستوى:
- أولًا، في القطاع الصحي، شهدت السعودية تطويراً كبيراً في البنية التحتية والخدمات الطبية، ليس فقط في المدن الكبرى، بل في مختلف المناطق، بحيث أصبح الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر سهولة وجودة. هذا الدعم لم يقتصر على بناء المستشفيات والمراكز الصحية، بل امتد إلى رفع مستوى التدريب والتعليم الطبي، وتشجيع التخصصات الحديثة، وتحسين أنظمة الرعاية الوقائية. وقد أثبت هذا التوجّه قوته خلال فترات الأزمات الصحية العالمية، حيث كانت استجابة المملكة سريعة ومنظمة، مما يعكس التخطيط الاستراتيجي والاهتمام الحقيقي بصحة المجتمع.
- ثانياً، في البحث العلمي، أصبح في السعودية تركيز متزايد على الاستثمار في المعرفة والابتكار. دعم الباحثين، وتمويل المشاريع العلمية، وتأسيس شراكات مع مؤسسات تعليمية وعلمية عالمية، كلها خطوات واضحة نحو تعزيز ثقافة البحث. لم يعد البحث العلمي مجرد نشاط أكاديمي محدود، بل أصبح جزءاً من رؤية مستقبلية تدفع للاكتفاء المحلي والتنافس العالمي في مجالات مثل الطب الحيوي، والتقنيات الصحية، والذكاء الاصطناعي في الصحة.
هذا التقدّم في القطاعين الصحي والبحثي هو انعكاس لرؤية شاملة ترى في الصحة والعلوم محوراً أساسياً للتنمية المستدامة، ويمنحني — كمواطنة سعودية مقيمة في الخارج — شعوراً كبيراً بالفخر، لأن ما يتم إنجازه اليوم هو استثمار في جودة الحياة ومستقبل الأجيال القادمة.
البعد الجغرافي لا يضعف الانتماء
كيف ترين ارتباط يوم التأسيس بالهوية السعودية من منظور طبيبة تعيش خارج الوطن؟
من موقعي كطبيبة سعودية تعيش خارج الوطن، أرى أن يوم التأسيس هو أحد أكثر الأيام التي تُعيد ترتيب علاقتي بهويتي السعودية بوضوح وعمق. فالبعد الجغرافي لا يضعف الانتماء، بل أحياناً يجعله أكثر وعياً وحضوراً، لأنك تمثل وطنك في تفاصيلك اليومية، في أخلاقياتك المهنية، وفي طريقة تفاعلك مع الآخرين.
يوم التأسيس بالنسبة لي هو تذكير بأن الهوية السعودية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل منظومة قيم تشكّلت منذ البدايات: الثبات، والمسؤولية، واحترام الإنسان، والعمل من أجل الاستقرار. هذه القيم هي نفسها التي أمارسها في مهنتي الطبية، وترافقني في عملي خارج الوطن، وكأن التأسيس امتد من بناء الدولة إلى بناء الإنسان.
وأنا أعيش خارج المملكة، يصبح هذا اليوم مساحة داخلية للمراجعة والاعتزاز؛ أستحضر فيه الجذور التي أنتمي إليها، وأشعر بأن هويتي السعودية ليست مرتبطة بالمكان فقط، بل بالفكر والسلوك والرسالة. من هنا، يرتبط يوم التأسيس لديّ بالهوية ارتباطاً حياً ومتجدداً، يؤكد أن الانتماء الحقيقي يُحمل في القلب ويُترجم في العمل، أينما كنا.
المرأة السعودية في رؤية 2030 قيادة وتمكين
الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه
ما القيمة التي تتمنين أن يتعلمها الجيل الجديد من قصة تأسيس المملكة؟
القيمة الأهم التي أتمنى أن يتعلمها الجيل الجديد من قصة تأسيس المملكة هي الاستمرارية مع الثبات على المبدأ. فالتأسيس لم يكن حدثاً عابراً، بل مسيرة طويلة قامت على الإيمان بالفكرة، والصبر أمام التحديات، والعمل المتدرّج لبناء دولة تقوم على الوحدة والمسؤولية.
قصة التأسيس تعلّم الأجيال أن الإنجازات الكبرى لا تُبنى بالعجلة، بل بالرؤية الواضحة، والالتزام، وتحمل المسؤولية حتى في أصعب الظروف. كما تغرس فيهم معنى الانتماء الحقيقي؛ أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو أمانة نعمل من أجلها ونحافظ عليها بالفعل قبل القول.
وأتمنى أيضاً أن يدرك الجيل الجديد أن قوة المملكة كانت ولا تزال في قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجدد: الحفاظ على القيم والجذور، مع الانفتاح الواعي على المستقبل. هذه القيمة تحديداً تمنحهم البوصلة التي يحتاجونها ليكونوا طموحين، واثقين، ومخلصين لوطنهم في كل مرحلة من حياتهم، أينما كانوا.
أجدد العهد

كلمة أخيرة من طبيبة عن يوم التأسيس السعودي؟
كيوم تأسيس، أراه — كطبيبة وكإنسانة — مناسبة للتأمل في معنى العناية والالتزام والمسؤولية. فكما بُني هذا الوطن على رؤية بعيدة وصبر وعمل متواصل، تُبنى صحة الإنسان أيضاً على الاستمرارية والوقاية والاهتمام بالتفاصيل.
يوم التأسيس يذكّرني بأن ما نعيشه اليوم من استقرار وأمان لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة جذور راسخة وتضحيات متعاقبة. ومن هذا المنطلق، أشعر بمسؤولية مهنية وأخلاقية أن أكون جزءاً من هذا الامتداد؛ أخدم الإنسان بإخلاص، وأمثّل وطني بقيمه أينما كنت.
هو يوم فخر، وامتنان، وتجديد عهد بأن يبقى العطاء للوطن والإنسان معاً هو جوهر رسالتنا، اليوم وغداً.
في اليوم الوطني السعودي.. سعوديات في الرداء الأبيض





