mena-gmtdmp

بمناسبة يوم التأسيس.. المدربة الرياضية السعودية لجين الرفاعي: اللياقة البدنية وعي والتزام وأثر

لجين الرفاعي مع زوجها محمد دخيل وابنتهما أميليا خلال سباق "درب العلا 2026"
لجين الرفاعي مع زوجها محمد دخيل وابنتهما أميليا خلال سباق "درب العلا 2026"

ترسم لجين الرفاعي مع أسرتها تجسيداً حياً للأسرة السعودية المعاصرة التي تعكس تحولات الرؤية بأرقى صورها؛ فمن تمكين المرأة في القطاع الرياضي، إلى تفعيل المبادرات الرياضية ذات الأثر الاجتماعي، وصولاً إلى صناعة الطموح لدى كل أفراد الأسرة.
وضمن هذا الإطار، تجعل لجين من عائلتها مصدر إلهامها كرياضية ومدربة محترفة، لتثبت أن الأمومة ليست عائقاً أمام النجاح، بل هي الوقود المحرك؛ حين تكون القيم الأسرية قائمة على الطموح المشترك والشغف بالتجارب الجديدة.
وبالتزامن مع يوم التأسيس، المناسبة السعودية الوطنية الكبرى، نسلّط الضوء على هذا النموذج المشرق، لنغوص مع لجين الرفاعي في تفاصيل رحلتها، وما وراء الصورة من التزام، وصبر، وتطلعات لا تحدها حدود.

 

اللياقة البدنية من خيار إلى شغف

الرياضية والمدربة المحترفة لجين الرفاعي


أي إطار ترسمينه اليوم حول صورة لجين الرفاعي؟ هل ترين نفسكِ الرياضية الطموحة، أم الأم الملهمة، أم المرأة السعودية التي تعيد تعريف المستحيل؟

أنا لا أرى هذه الأدوار ككيانات منفصلة؛ فأنا أمّ أولاً، ومن هذا الدور ينبع كل شيء آخر. اللياقة البدنية والجري لم يأخذاني بعيداً عن عائلتي، بل منحاني القوة من أجلهم. الرياضة علّمتني الانضباط والصبر، ومنحتني، كوني امرأة سعودية، مسؤولية ومعنى أعمق لهذا الجهد. أنا لا أحاول إعادة تعريف المستحيل، بل أنا ببساطة دليل حيّ على أن التوازن والاستمرارية والالتزام يمكن أن تتعايش معاً.

متى أدركتِ أن اللياقة البدنية بالنسبة لكِ قد تجاوزت حدود "الهواية" لتصبح أسلوب حياة وهدفاً مهنياً؟

​أصبحت اللياقة البدنية جزءاً من حياتي في منتصف العشرينيات، تزامناً مع فترة خطوبتي. كان الأمر في البداية عبارة عن التزام تبنيته أنا وزوجي معاً، وسرعان ما أصبح جزءاً من نمط حياتنا. بدأت رحلتي في عام 2006، وبحلول عام 2008 لم يعد الأمر مجرد نشاط أقوم به بين الحين والآخر، بل أصبح جزءاً من روتيني اليومي ومن طريقتي في العناية بسلامتي الجسدية والنفسية.
​أما التحول الجذري فكان في عام 2022، حيث تطور اتجاه هذا الالتزام. بدأت بالخروج من منطقة الراحة الخاصة بي ودمجت الجري بشكل أكثر تركيزاً إلى جانب زوجي. ومع مرور الوقت، أصبح الأمر أكثر استمرارية، مما قادني تدريجياً إلى سباقات المسافات الطويلة وسباقات "الألتراماراثون"، وتطورت لأصبح ما أعتبر نفسي عليه الآن: "رياضية هاوية في رياضات التحمل". لم يكن تغييراً مفاجئاً، بل كان تطوراً طبيعياً مبنياً على سنوات من الثبات، والانضباط، وفهم جسدي.

 

"العلا" والروح العائلية

لجين الرفاعي مع زوجها محمد دخيل وابنتهما أميليا في سباق 'درب العلا'


​شاركتِ مؤخراً في سباق درب العلا (AlUla Trail Race) من منظورك كعداءة، ما الذي يميز هذا الحدث عن غيره من الفعاليات الرياضية؟ وما أثره على المشهد الرياضي في المملكة؟

ما يميز هذا السباق هو المعيار الاستثنائي للتنظيم وتفرد التضاريس والمناظر الطبيعية في المنطقة. كل تفصيل يعكس القصد والاهتمام بتجربة الرياضي. التضاريس نفسها تفرض احترامها؛ فهي تتحداك جسدياً، لكنها تمنحك توازناً ذهنياً. الجري عبر تلك البيئة البكر والتاريخية يخلق شعوراً بالحضور يختلف تماماً عن أي سباق على الطريق. إن فعاليات مثل "درب العلا" تعكس المدى الذي وصلت إليه المملكة، ليس فقط في إنشاء وتنظيم الفعاليات الرياضية الكبرى، بل في القيام بذلك بمعايير عالمية تلهم الأفراد من جميع أنحاء العالم للمشاركة.

​تجربتك في العلا كانت مميزة، خاصة أنكم شاركتم فيها كعائلة، حدثينا عن أهمية هذه التجربة؟

بالفعل تجربة العلا كانت مميزة، ليس فقط بسبب السباق، بل لأننا عشناها معاً كعائلة. ركضنا مسافة 23 كيلومتراً بجانب ابنتنا "أميليا" البالغة من العمر 15 عاماً. كان هذا أول سباق جبلي رسمي لها، وأطول مسافة حاولت قطعها على الإطلاق. أصبحت أصغر مشاركة وأصغر سعودية تكمل تلك المسافة. رؤيتها وهي تخوض هذا التحدي بشجاعة وإصرار وتكتشف قوتها في تلك البيئة كانت لحظة لا تُنسى. وما جعل الأمر أكثر معنى؛ هو قدرتنا على عيش التجربة جنباً إلى جنب، ودعم بعضنا البعض طوال الرحلة. تلك اللحظات تجاوزت مجرد الجري؛ لقد عكست القيم التي نتشاركها كعائلة: الانضباط، والمرونة، والإيمان بأن القوة تُبنى من خلال الثبات والدعم.

تحدثتِ عن كون العلا مكاناً استثنائياً.. كيف انعكست روحية المكان على طاقتك وحماسك خلال الركض؟

العلا لها هيبة تشعر بها على الفور. المناظر الطبيعية شاسعة وهادئة، وتمنحك شعوراً عميقاً بالسكينة. الجري هناك ينقل تركيزك إلى الداخل؛ تصبح أكثر وعياً بأنفاسك، وحركتك، واللحظة الحالية. المكان يزيل المشتتات ويسمح لك بالتواصل التام مع التجربة. كان هناك شعور بالقوة الهادئة في البيئة المحيطة أثّر على كيفية تعاملي مع الجري؛ لم يكن الأمر يتعلق بالسرعة، بل بالحضور واحترام التضاريس. إن التواجد وسط ذلك التاريخ والجمال الطبيعي منح التجربة معنى أعمق.

 

التأثير الاجتماعي والتمكين

 

لجين الرفاعي مع أسرتها في أحد السباقات


تواجه الكثير من الأمهات صعوبة في الموازنة بين طموحهن وحياتهن العائلية، كيف ساعدكِ الجري في إيجاد هذا التوازن جسدياً وعقلياً؟

​الجري علّمني أن الاعتناء بنفسي ليس أمراً منفصلاً عن الاعتناء بعائلتي، بل هو جزء منه. عندما أركض، أنا لا أقوّي جسدي فحسب، بل أخلق أيضاً وضوحاً ذهنياً وتوازناً عاطفياً. يمنحني ذلك الطاقة والصبر لأكون أكثر حضوراً في كل جوانب حياتي. كأم، التوازن هو شيء تمارسينه كل يوم. أصبح الجري مساحة حيث يمكنني إعادة الاتصال مع نفسي، وتصفية ذهني، والعودة أقوى، كما أنه يقدم قدوة؛ فعندما يرى أطفالي الالتزام والانضباط، يتعلمون أن القوة تُبنى من خلال الاستمرارية.

ما هي الرسالة الأساسية التي تودين إيصالها للمجتمع من خلال تواجدكِ المستمر في المحافل الرياضية؟

رسالتي بسيطة: القوة تُبنى من خلال الاستمرارية، وليس المثالية. ليس عليك أن تكون رياضياً محترفاً لتبدأ، عليك فقط أن تكون مستعداً للبدء. آمل أن أظهر أن اللياقة البدنية يمكن أن تكون جزءاً من الحياة اليومية، جنباً إلى جنب مع العائلة والمسؤولية. والأهم من ذلك، أريد أن ترى الفتيات والنساء في المملكة أن إمكاناتهن لا حدود لها عندما يلتزمن تجاه أنفسهن.

لجين الرفاعي وابنتاها يمارسن رياضة الجري


​برأيك، هل لا تزال هناك عقبات تواجه من يمارسن الرياضة في المملكة؟ وكيف يمكن التغلب عليها؟

اليوم، أرى فرصاً أكثر بكثير من العقبات. لقد هيأت المملكة بيئة تُشجع وتُدعم فيها النساء لممارسة اللياقة البدنية والرياضة على جميع المستويات. ما يهم الآن هو الوعي والإيمان. نحن نشهد تحولاً جيلياً حيث تصبح اللياقة البدنية جزءاً من الحياة اليومية للنساء في جميع أنحاء المملكة. الفرصة متاحة لكل من لديه الرغبة في البدء.

 

​فلسفة التدريب والصلابة الذهنية

الرياضية والمدربة المحترفة لجين الرفاعي


السباقات الطويلة تتطلب صبراً كبيراً، كيف تحافظين على طاقتك لمواصلة الركض حتى النهاية؟ وهل سبق أن راودتكِ فكرة الاستسلام؟

رياضة الجري للمسافات الطويلة تعلمك الصبر أكثر من أي شيء آخر. تدرك سريعاً أنه لا يمكنك استعجال النتائج، عليك احترام وتيرتك، وطاقتك، وحدودك. أركز على البقاء في الحاضر والاستماع لجسدي بدلاً من التفكير في المسافة الكاملة المتبقية. تقسيم الجري إلى لحظات صغيرة يجعل الأمر قابلاً للإدارة ذهنياً. دائماً ما تظهر لحظات الشك، فهذا جزء من رياضات التحمل. وهنا ألجأ لصديقة ترافقني دائماً؛ ساعة "آبل" الذكية (Apple Watch)، لأنها توفر من خلال تطبيقاتها الصحية الوضوح والوعي أثناء الجري؛ فقدرتي على مراقبة معدل ضربات قلبي ووتيرتي وجهدي من خلالها تساعدني على البقاء تحت السيطرة واتخاذ قرارات أذكى في الوقت الفعلي. يتيح لي كل ذلك الثقة في استعداداتي والتكيف عند الحاجة، بدلاً من اتخاذ ردود فعل عاطفية. مع الوقت، هذا الوعي يبني الثقة، وتتعلم أن التحمل لا يعني الضغط بقوة أكبر، بل يعني فهم جسدك والتحرك بصبر وإدراك.

لجين الرفاعي مع زوجها وابنتيهما أميليا وآيانا

​من واقع خبرتك، ما هي اللحظات الأكثر تحدياً من الناحيتين التقنية والنفسية في سباقات الجري؟

تأتي اللحظات الأكثر تحدياً عادةً عندما يبدأ التعب في التراكم ويبدأ جسدك في إرسال إشارات مختلطة. تقنياً، يصبح من الأصعب الحفاظ على كفاءة الحركة والاسترخاء. نفسياً، هنا يظهر الشك، خاصة عندما لا يزال خط النهاية يبدو بعيداً. إن تعلم البقاء هادئاً واتخاذ قرارات منضبطة في تلك اللحظات أمر بالغ الأهمية.
​أحد أكثر الأشياء قيمة بالنسبة لي هو الحصول على تغذية راجعة موضوعية أثناء الجري ورؤية ما إذا كان جسدي لا يزال يعمل ضمن النطاق الذي تدربت عليه، أو ما إذا كنت بحاجة إلى الإبطاء وحماية طاقتي. هذا الوضوح يساعد في إزالة عدم اليقين ويمنعني من اتخاذ قرارات مندفعة قد تؤثر على السباق بأكمله.

​يتبع العداؤون إستراتيجيات محددة للنجاح، ما هي أهم العناصر (الغذائية، والذهنية، والجسدية، والتقنية) التي تساعدك في تحقيق أفضل نتائجك؟

النجاح في جري التحمل مبني على التوازن. التغذية تمد جسدك بالوقود، وتدريبات القوة تحميه، والاستشفاء يسمح له بأن يصبح أقوى. ولكن لا يقل عن ذلك أهمية الاستمرارية الذهنية أن تلتزم بالحضور حتى في الأيام التي يقل فيها الحافز. التطور لا يأتي من الكثافة وحدها، بل من الانضباط بمرور الوقت. كما لعبت التقنيات القابلة للارتداء، مثل ساعة "آبل"، دوراً مهماً في مساعدتي على التدريب بذكاء أكبر، فهي تتيح لي تتبع ليس فقط تدريباتي وجريي، بل أيضاً نشاطي اليومي واستشفائي. يساعدني ذلك على فهم كيفية استجابة جسدي بمرور الوقت، مما يسمح لي بتعديل تدريبي والحفاظ على الاستمرارية من دون إفراط. هذا الوعي طويل الأمد كان أساسياً في مساعدتي على البقاء بصحة جيدة ومواصلة التقدم.

​طموح لا يتوقف

لجين الرفاعي مع زوجها محمد دخيل وابنتهما أميليا يمارسون رياضة الجري


​بعد محطة العلا، ما هو "خط النهاية" الذي تحلم لجين الرفاعي بالوصول إليه ورفع علم المملكة فوقه؟

​بالنسبة لي، خط النهاية الحقيقي لا يحدده سباق واحد، بل الاستدامة والقدرة على مواصلة النمو ودفع حدودي بمرور الوقت. تمثيل المملكة يتعلق بالقيادة وبالقدوة وإلهام الآخرين. على المستوى الشخصي، أحد أهدافي هو إكمال أول سباق "ألترا" لمسافة 100 كيلومتر؛ فهو يمثل استمراراً لرحلة بنيت على سنوات من الانضباط والثبات والإيمان.

​ما هي نصيحتك للعائلات التي ترغب في بدء نشاط بدني مشترك، ولكنها لا تعرف من أين تبدأ؟

​ابدأوا بخطوات صغيرة معاً. ليس بالضرورة أن يكون سباقاً؛ يمكن أن يكون مجرد مشي أو جري قصير. ما يهم أكثر هو الاستمرارية. عندما تصبح الحركة شيئاً تتشاركونه، فإنها تقوي ليس فقط أجسادكم، بل تواصلكم كعائلة. الخطوة الأكثر أهمية هي ببساطة اتخاذ القرار بالبدء.


اقرأوا أيضاً: عبارات حفرت في الذاكرة عن يوم التأسيس السعودي تجسد معاني الولاء والشموخ