mena-gmtdmp

الفنانة التشكيلية الأردنية عايدة مراد.. أنامل تعيد للحياة بهجتها

إطلالة خاصة بعايدة مراد
إطلالة خاصة بعايدة مراد

في تقاطعاتِ الخطوط والألوان حيث تختبرُ الروحُ هشاشتها، وتكتشفُ قوَّتها، تُولَدُ حكايةُ الفنانة التشكيلية الأردنية عايدة مراد. هي ليست مجرَّد رسامة، إنها راوية لتجربةٍ إنسانيَّةٍ، تعلَّمت خلالها كيف تُصغي لنبضِ الألم، ثم تُعيد كتابتَه بلغةٍ من نورٍ. عايدة مراد خريجة جامعة جورج واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أيضاً عضو في مجتمعِ القادةِ العالميين الشباب التابعِ للمنتدى الاقتصادي العالمي. كبرت في عائلةٍ تقّدر الفنَّ وكأنَه سرٌّ قديمٌ، ولكن لا تؤمن به كمسار مهني فدرست الاقتصاد والعلاقات الدولية، وسلكت دروبَه العلمية والعمليَّة، لكنَّ الحياةَ ومنعطفاتها الكثيرة، هيأتها إلى طريق مختلف. كان ذلك حين واجهت تجربةً صحيَّةً قاسيةً، قيَّدت حركتها وغيرت مصيرها. هناك، في تلك المساحاتِ المعلَّقةِ بين العجزِ والأمل، وجدت عايدة مراد في الفنِّ ملاذاً لا يُشبه أي شيءٍ آخر. لقد صار الرسمُ فعلَ شفاءٍ، وأصبحت الألوانُ امتداداً لروحٍ تبحثُ عن توازنها، وعن معنى يتجاوزُ الألم.
 

حوار رئيسة التحرير | لمى الشثري Lama AlShethry
إخراج إبداعي وإدارة أزياء | جيف عون Jeff Aoun
تصوير | نورة العَمري Norah Alamri
تنسيق الأزياء | جواهر الدخيل Jawaher Aldokheel
مكياج | حنين خوج Haneen Khooj
شعر | نانسي أباديثيو سميث Nancy Abadicio Smith
إنتاج | كوثر الريماوي Kawther Alrimawi
موقع التصوير | أتيلييه عايدة مراد، في الرياض


تصفحوا النسخة الرقمية لـ عدد مايو 2026 من مجلة سيدتي

 

غلاف سيدتي لـ عدد مايو 2026


عايدة مراد


نودُّ أن نبدأ من انطلاقتكِ بالمجال، كيف قادتكِ خطواتكِ الأولى إلى عالمِ الفن؟

حين أتأمَّلُ الماضي، أجدُ أن رحلتي مع الفنِّ بدأت في السادسةِ من عمري، إذ كنت أختارُ الوقوفَ أمامَ مقتنياتِ جدي الفنيَّةِ بدلاً من اللعبِ في الخارج، وأحاولُ فهمها. أذكرُ كيف كنت أحدِّقُ في تلك اللوحات، وأنجذبُ إليها بكلِّ كياني. كانت الجذوةُ موجودةً دائماً. كذلك، جدتاي وعمَّاتي كن فنَّاناتٍ موهوباتٍ، تعلَّمن بأنفسهن، لذا نشأتُ محاطةً بالإبداعِ من كلِّ جانبٍ. الغريبُ، أن أياً منهن لم تتَّخذ من الفنِّ مساراً مهنياً، بل وكبرتُ وأنا أُلقَّن أن الفنَّ لا يصلحُ لذلك، وعليه اضطررتُ إلى كبتِ تلك المحبَّة، وإغلاقِ ذلك الباب! وسلكتُ ما ظننته الطريقَ الأكثر رصانةً واستدامةً: مسارُ الاقتصاد. تالياً، ومع مرورِ الأيَّامِ، احتاج الأمرُ إلى تجربةٍ مفاجئةٍ، غيَّرت مجرى حياتي، لتُعيدني إلى حبِّي الحقيقي: الفن.

انتقلتِ من مسارٍ مهني في الاقتصادِ إلى فضاءٍ إبداعي مختلفٍ تماماً، كيف عشتِ هذه النقلة؟

أحياناً يقودنا البحثُ عن النجاةِ إلى أكثر الأماكنِ روعةً وعمقاً. الفنُّ دخلَ حياتي في أشدِّ لحظةٍ كنت فيها بحاجةٍ إلى الأملِ، إذ، وبين عشيَّةٍ وضحاها، أصبتُ بشللٍ نصفي، استمرَّ معي أربعةَ أعوامٍ ونصف العام. لم تكن الصدمةُ جسديَّةً فحسب، بل إن الجزءَ الأصعبَ كان في اضطراري إلى إعادةِ بناءِ هويَّتي من جديدٍ. كانت الاستقلاليَّةُ في صميمِ كياني، وفجأةً لم أستطع فعلَ أي شيءٍ وحدي. حين أخبرني الأطبَّاءُ أن حدَّةَ الروماتيزم تُسبِّب تآكل عظامي، وأنني قد أفقدُ القدرةَ على تحريك يدَي وقدمَي خلال ثلاثةِ أشهرٍ، توقَّف كلُّ شيءٍ عندي. كان عليَّ أن أستوعبَ الكثير، ولم يكن ثمَّة مكانٌ أضعُ فيه كلَّ هذا الثقل. حدثني إيماني بأن خيراً ينتظرني على الضفَّةِ الأخرى من هذه المحنة. وقد لجأتُ إلى الفنِّ لثلاثةِ أسبابٍ: الأوَّلُ، تذكَّرتُ أن لي بصمةً فريدةً في أصابعي لا تُشبه أحداً، وهذا دليلٌ على أن الله خلقني لغايةٍ بعينها، لم أكتشفها بعد، وظننتُ أن الرسمَ ببصمتي قد يكشفُ لي عن تلك الغاية. أمَّا الثاني، فهو أنني كنت في حاجةٍ إلى التعبيرِ عمَّا يعتملُ في داخلي حتى أتمكَّن من التفكيرِ والشعورِ بوضوحٍ. في حين كان السببُ الثالثُ رغبتي في فعلِ ما أحببته حقاً منذ طفولتي، بل وفي تلك اللحظةِ بالذات، إذ إنني لم أكن أعلمُ كم من الوقتِ تبقَّى لي لأتحرَّك بحريَّةٍ. هكذا رسمت. ويوماً بعد يومٍ، وجدتُ الشجاعةَ لأترك الاقتصاد، وأخطو بالكاملِ نحو حياتي بوصفي فنَّانةً.

أنتِ عضو في مجتمعِ القادةِ العالميين الشباب التابعِ للمنتدى الاقتصادي العالمي، كيف تنعكسُ هذه العضويَّةُ على رسالتكِ الإنسانيَّةِ والفنيَّة؟

اختياري ضمن مجتمعِ القادةِ العالميين الشباب شرفٌ كبيرٌ، وتأكيدٌ عميقٌ لفكرةٍ آمنتُ بها طويلاً: بأن الفنَّ ينبغي أن يكون في صميمِ التقدُّمِ لا على هامشه. هذا مجتمعٌ، يجتمعُ فيه أصحابُ رؤى من مختلفِ أنحاءِ العالم للإسهامِ في رسمِ ملامحِ المستقبل، وكان اختياري لأكون معهم رسالةً قويَّةً بأن الإبداعَ بات يُنظَر إليه بصورةٍ متزايدةٍ، ليس بوصفه عنصراً جمالياً فحسب، بل وأيضاً بوصفه قوَّةً أساسيَّةً في بناءِ مجتمعاتٍ أكثر صحَّةً وترابطاً وابتكاراً. هذه العضويَّةُ عمَّقت إحساسي بالمسؤوليَّة، ووسَّعت رؤيتي لما يمكن للفنِّ أن يُقدِّمه للإنسانيَّة، وأكَّدت لي أن عملي يجبُ أن يكون أكبر مني شخصياً. سواء من خلال الإسهامِ في تنظيمِ أحدِ أكبر مؤتمراتِ الصحَّةِ النفسيَّةِ عالمياً مع مؤسَّسةِ ديباك شوبرا، أو تصميمِ تجاربَ فنيَّةٍ تحويليَّةٍ لآلافِ الأشخاص حول العالم، أو العملِ مع رياضيين لاستخدامِ الإبداعِ بوصفه أداةً للشفاء، أو تطويرِ معارضَ تُسلِّط الضوءَ على قضايا اجتماعيَّةٍ وبيئيَّةٍ، رأيتُ بنفسي كيف يمكن للإبداعِ أن يُصبح محفِّزاً حقيقياً للتغيير.

ما رأيك بالتعرف على شخصية غلاف العدد السابق لاعبة المنتخب السعودي للسيدات صبا توفيق

 

«الرسم بأصابعي شكل من أشكال التحرُّر، وفي عالم يطالب بالكمال والأداء في كلِّ لحظة، هذه الحريَّة ليست مجرَّد متعة، إنها ضرورة»

إطلالة كاملة من ريبيكا فالانس Rebecca Vallance، متوافرة لدى rebeccavallance@ و harveynicholsriyadh@

 


تتميَّزين بأسلوبِ الرسمِ بالأصابعِ بدلاً من الفرشاة، كيف تتحوَّلُ مشاعرُكِ وأفكارُكِ إلى لوحاتٍ عبر هذه التقنيَّة؟

أبتسمُ في كلِّ مرَّةٍ أفكِّرُ فيها بذلك، لأنها ببساطةٍ أكثر متعةً. الفرحُ أمرٌ بالغ الأهميَّة، فحين نكون في حالةٍ من البهجةِ نُعطي من مكانٍ مفعمٍ وغني، لكنْ هناك ما هو أعمقُ من المتعةِ في هذا الاختيار. لقد أثبت العلمُ أن الجسدَ يختزنُ المشاعر، والرسمُ بأصابعي شكلٌ من أشكالِ التحرُّرِ مما لا تستطيعُ الكلماتُ الوصولَ إليه دائماً. حين أضغطُ بيدَي على القماشِ يتحرَّك شيءٌ في داخلي لا تستطيعُ فرشاةٌ بعيدةٌ أن تُحاكيه. أفكِّرُ أيضاً في الأطفال. حين يرسمُ طفلٌ، يلجأ في الغالبِ أوَّلاً إلى يدَيه. هو يمنحُ نفسه إذناً بأن يكون فوضوياً، وبأن يستكشفَ دون ضغطِ الإتقان. الرسمُ بأصابعي يمنحني هذا الإذنَ نفسه بأن أكون غير مثاليَّةٍ، وأن أكون حرَّةً، وأن أخلق دون وطأةِ الدقَّة. في عالمٍ يُطالب بالكمالِ والأداءِ في كلِّ لحظةٍ، هذه الحريَّةُ ليست مجرَّد متعةٍ، إنها ضرورةٌ.

قلتِ إن الفنَّ كان طريقكِ نحو السعادة، كيف استطاعَ أن يمنحكِ هذا الشعور؟

يُقال: إن التعبير، هو نقيضُ الاكتئاب. لقد وجدتُ في ممارستي الفنيَّةِ صدقَ هذه المقولة. بعد معاناتي الصحيَّة، وجدتُ صعوبةً في التعبيرِ عن مشاعري في مكانٍ آمنٍ. الألمُ، والحزنُ، والقلق، وضعتُ كلَّ ذلك على اللوحة، وأطلقتُ هذه المشاعر، ثم اخترتُ مَن أريدُ أن أكون على الضفَّةِ الأخرى. هذا ما أعتقدُ أنه إحدى المعجزاتِ الحقيقيَّةِ لكوننا بشراً: بأننا نستطيعُ اختيارَ طريقةِ شعورنا مهما حدث لنا. لقد واصلتُ اختيارَ السعادة، وساعدني الفنُّ في الوصولِ إليها، لا بتجاوزِ الألم، بل بالعبورِ من خلاله بالألوانِ والنيَّة. في مرحلةٍ من حياتي، بدا الفرحُ غريباً عني، وكأنَّه ينتمي إلى نسخةٍ أخرى مني، إلى حلمٍ بعيدٍ، فبدأتُ أرسمُ نحوه. كنت أسألُ نفسي: كيف يبدو الشعورُ بالسعادة؟ ما لونُ هذه السعادة؟ ما ملمسها؟ وكان استكشافُ تلك الأسئلةِ ببطءٍ: بلوحةٍ بعد أخرى. كان تحوُّلاً لا أجدُ له كلماتٍ كافيةً حتى اليوم.

ما السرُّ وراءَ انجذابكِ إلى الفنِّ التجريدي، والألوانِ المفعمةِ بالحياة؟

أعشقُ القدرةَ البشريَّةَ على التخيُّلِ، وعلى رؤيةِ ما هو أبعد مما يقعُ أمامنا مباشرةً، وعلى إيجادِ المعنى، والشعورِ، والقِصَّةِ في داخله. الفنُّ التجريدي بالنسبةِ لي مرآةٌ، فما تراه في اللوحةِ يكشفُ شيئاً عن حالتك الداخليَّة، وعن مزاجك ومنظورك، وأين أنت في حياتِك في تلك اللحظةِ بالذات. اللوحةُ نفسها قد تبدو حزناً لشخصٍ، وحريَّةً لآخرَ، وكلاهما على حقٍّ. هذا ما يأسرني: اللانهاية. أؤمنُ أيضاً بأننا لسنا الشخصَ ذاته مرَّتين. أنت في الصباحِ لست الشخصَ نفسه في المساء، فطاقتُك تتبدَّل، وتجاربُك تتراكم، وتتغيَّرُ أشياءُ دقيقةٌ فيك. الفنُّ التجريدي يُكرِّم هذه المرونة. هو لا يفرضُ تفسيراً ثابتاً، بل يكبرُ معك. يدعوك إلى الاستمرارِ في النظرِ، والاكتشافِ، والتساؤل، وأعتقدُ أن هذا من أكثر ما يمكن أن يمنحَه العملُ الفنِّي بسخاءٍ. أمَّا الألوانُ المفعمةُ بالحياة، فهي فعلُ تأكيدٍ متعمَّدٌ. اللونُ يحملُ تردُّداً وشعوراً، فحين أختارُ أزرقَ مضيئاً، أو ذهبياً عميقاً، أنا لا أتَّخذُ قراراً جمالياً فحسب، بل وأختارُ أيضاً مشاعرَ، ونيَّةً، ودعوةً لكلِّ مَن يقفُ أمامَ تلك اللوحة، ليشعرَ بشيءٍ ربما كان يحتاجُ إلى الشعورِ به.

تعرفي أيضًا على الفنان التشكيلي السعودي فيصل الخريجي

 

«ما منحتني إياه الرياض هو الشعورُ بالأمان الذي ينبع من التواجد بين أشخاصٍ طيِّبين حقاً، يهتمون ببعضهم، ويجعلونك تشعر بأنك جزءٌ من شيء أكبر منك»

 

إطلالة كاملة من لاجانس L'agence، متوافرة لدى lagencefashion@، و harveynicholsriyadh@

 


شاركتِ في معارضَ احتضنتها عواصمُ فنيَّةٌ عالميَّةٌ، ماذا أضافت لكِ هذه التجارب؟

أنا ممتنَّةٌ لتنظيمِ 37 معرضاً في نيويورك، ولوس أنجلوس، وواشنطن، وغيرها من المدن، لكنْ ما أثَّرَ فيَّ حقاً ليس المعارض في حدِّ ذاتها، وإنما الأشخاصُ الذين اختاروا إدخالَ أعمالي إلى بيوتهم وحياتهم. أدركتُ مبكِّراً أن شعوري بالفرح لا يأتي من مجرَّد عرض لوحةٍ للاقتناء. ما يُحرِّكني، هو العلاقةُ: بالتعرُّفِ على الشخصِ الذي اقتنى العمل، وزيارةِ بيته، وفهمِ ما تعنيه اللوحةُ له. هذا هو المكانُ الذي وجدتُ فيه العمقَ الحقيقي لهذا المسار. لقد تشرَّفتُ بأن تُقتَنى أعمالي من قِبل عضوٍ في الأسرةِ الملكية البريطانيَّة، والأسرةِ الملكية الأردنيَّة، وجوزيبينا كانيزارو Giuseppina Cannizzaro مديرة صالون ألتا مودا للهوت كوتور في دارِ دولتشي أند غابانا، وكاثي وود إحدى أبرزِ المستثمراتِ في العالم، إضافةً إلى آخرين. إن ما أكنزه في قلبي أكثر من أي شيءٍ، هو الصداقاتُ التي تنشأ مع جامعي أعمالي. حين اقتنت كاثي وود لوحاتي، طرتُ من الرياض إلى فلوريدا لحضورِ حفلِ تدشين منزلها الجديد، لأرى الأعمالَ في مكانها الجديد. هذا هو نوعُ الفنَّانةِ التي اخترتُ أن أكون: مَن تستثمرُ في الناس لا في المعارضِ فحسب.

تعيشين حالياً في الرياض، كيف تصفين علاقتكِ بالعاصمةِ السعوديَّة، وإيقاعِ الحياةِ فيها؟

كانت الرياض كلَّ ما تمنَّيته في مدينةٍ، وهي حلمٌ تحقَّق بأكثر مما توقَّعت. لم أخطِّط للانتقالِ إليها، لكنَّ الله جاء بي للرياض، وحين وطئت قدماي أرضها، عرفتُ أنها ستُصبح وطني. ما منحتني إياه الرياض فوقَ كلِّ شيءٍ، هو الشعورُ بالأمان، ولا أقصدُ هنا الأمانَ الجسدي فحسب، بل وأيضاً النوعَ الأعمقَ منه، ذلك الذي ينبع من التواجد بين أشخاصٍ طيِّبين حقاً، يهتمُّون ببعضهم، ويجعلونك تشعر بأنك جزءٌ من شيءٍ أكبر منك. أجدُ نفسي أبحثُ عن كلماتٍ لوصفه، وأعجزُ في كلِّ مرَّةٍ. إنه شيءٌ يجبُ أن تعيشه لتفهمه. لقد غدت الرياض واحدةً من أعظمِ نِعم حياتي، وأشعرُ بشرفٍ عميقٍ بتسميتها وطناً.

في كتابكِ «الحياةُ معجزةٌ» Life is a Miracle تناولتِ الفنَّ، والسعادةَ، وتجاوزَ الألم، كيف وُلِدَ هذا الكتاب، وكيف كانت رحلةُ إصداره؟

قبل عشرةِ أعوامٍ كان لدي يقينٌ داخلي هادئ بأنه مُقدَّرٌ لي أن أكتبَ ثلاثةَ كتبٍ في حياتي. كلنا نتلقَّى تلك النبضاتِ الخفيَّة، والسؤالُ هو: هل نختارُ التصرُّفَ بناءً على ذلك؟ قلتُ: نعم. وبدأتُ أجمعُ القصصَ ببطءٍ. كلُّ لوحةٍ مقرونةٌ بالمرحلة التي شهدتها. الحياةُ معجزةٌ»، هو كتابٌ فريدٌ من نوعه. إنه كتابٌ فنِّي فاخرٌ مصمَّمٌ للتطويرِ الشخصي. كلُّ لوحةٍ تحملُ قِصَّةً، ورسالةً حياتيَّةً محوريَّةً، يعقبها نشاطٌ إبداعي للقارئ، يمنحه خيارَ التفاعلِ بشكلٍ سلبي، أو إيجابي: بأن يستقبلَ فحسب، أو أن يُشارك فعلياً في تحوُّله الداخلي. صمَّمته مراعيةً أشخاصاً مشغولين بحيث يستطيعُ مَن لديه دقيقةٌ واحدةٌ فتحه على أي صفحةٍ، ويجد فيها ما يحمله معه. كذلك تعمَّدتُ أن تكون اللغةُ بسيطةً، لتصلَ إلى أطيافٍ واسعةٍ من الأعمارِ والخلفيَّات. أمَّا التوقيتُ، فلم يكن له موعدٌ محدَّدٌ، إذ أتيحت لي فرصةٌ كبيرةٌ بشكلٍ غير متوقَّعٍ، فصلَّيتُ طالبةً الهدايةَ حول كيفيَّةِ استثمارِ هذه النعمة. كان الجوابُ فورياً وواضحاً: الكتاب. وأنا ممتنَّةٌ لأنني أصغيت. يسعدني أيضاً أن أشارككم، أن الطبعةَ العربيَّةَ ستصدرُ هذا الصيف، بالتعاونِ مع مؤسَّسةِ ليان للثقافة، وهي منظَّمةٌ فنيَّةٌ، أسَّسها الأمير فيصل بن عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، بدعمٍ من الأميرة عادلة بنت عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود.

ومن عالم الفن التشكيلي يمكنك التعرف على الفنانة اللبنانية البلغارية نيكول سركيس

 

«في كتابي «الحياة معجزة» كل لوحة تحمل قصة ورسالة حياتية يعقبها نشاط إبداعي للقارئ يمنحه خيار التفاعل»

الفنانة عايدة مراد


كيف تنظرين اليوم إلى حضورِ الفنَّاناتِ التشكيليَّاتِ في العالمِ العربي؟

أرى تحوُّلاً حقيقياً يحدث، وهو يملأ نفسي بالأمل. مشهدُ الفنِّ في العالمِ العربي يحظى أخيراً بالأضواءِ العالميَّةِ التي يستحقُّها، ومع هذا الاهتمامِ المتزايدِ تتنامى حالةُ التمكين للمرأةِ العربيَّةِ بوصفها فنَّانةً جادةً ومحترفةً. اليوم، هناك دعمٌ مؤسَّسي أكبر، وبنيةٌ تحتيَّةٌ أوسع، ووعي ثقافي أعمقُ مما كان عليه قبل عقدٍ من الزمن. ما يُؤثِّر فيَّ أكثر مشاهدةُ مزيدٍ من النساءِ يخترن ما يُحببنه. هذا الفعلُ ذو معنى عميقٍ. لوقتٍ طويلٍ، بدا المسارُ الإبداعي مخاطرةً شخصيَّةً جداً لتُخاضَ علناً. وهو ما يتغيَّرالآن، فالفنُّ بطبيعته يُعجِّل هذا التحوُّلَ بطريقةٍ فريدةٍ.

بعيداً عن المرسمِ والألوانِ، كيف تبدو تفاصيلُ يومكِ؟

أحب الطبخ، حتى أني اتخذت مساراً مهنياً كناقدةَ طعامٍ، وكنت قريبةً جداً من الكتابةِ في هذا المجال في عامودِ بصحيفةِ نيويورك تايمز. أشارك هذا لأن الطعامَ، وفنجانَاً لذيذاً من القهوة يمنحانني من البهجةِ ما يكاد يُنافس الرسم. أيامي مبنيَّةٌ على المتعِ البسيطة وأعشقُ الطبخَ للآخرين. كذلك بدأت أخيراً بالزراعةِ في الرياض، فمشاهدةُ الطماطم الصغيرة، والنعناعِ، والفلفلِ وهي تنمو يمنحني سعادةً لا تُوصف. ثمَّة أمرٌ استثنائي في الاعتناءِ بشيءٍ صغيرٍ ومشاهدته يكبر.

كيف بدأت علاقتُكِ بفندق سانت ريجيس الرياض، وما الذي يعنيه لكِ اختيارُكِ سفيرةً له؟

بدأت كما تبدأ أجملُ الأشياءِ في حياتي: عبر تواصلٍ إنساني حقيقي. التقيتُ مارينا كراسنابريجايا، المديرةَ العامَّة للفندق في أمسيةِ عشاءٍ. خُلق بيننا انسجام فوري وتوافق في الرؤى. حين أفكِّرُ في أي تعاونٍ، أسألُ نفسي دائماً: هل سأستمتعُ بالعملِ مع هذا الشخص؟ مع مارينا وفريقِ سانت ريجيس، كانت الإجابةُ، هي نعم. لقد أطلقتُ «الحياة معجزةٌ» بين تلك الجدران، وأعمالي الفنيَّةُ معروضةٌ هناك الآن طوال العام، وهو أمرٌ يبدو عميقَ الصواب. نحن نتشارك القيمَ ذاتها: الجمالُ، والجودةُ، والتميُّزُ، والرغبةُ الحقيقيَّةُ في رفعِ مستوى تجربةِ كلِّ مَن يمرُّ عبر أبوابهم. حين يتجذَّرُ التعاونُ في هذا النوعِ من التوافق، يتوقَّفُ عن كونه شراكةً، ليُصبح امتداداً طبيعياً لهويتك الأصلية.

تابعي معنا تفاصيل لقاء سابق مع الفنانة التشكيلية السعودية دانا التركي

 

إطلالة كاملة من إيسين باريس Essin Baris، متوافرة لدى EssinBarisofficial@، و harveynicholsriyadh@
إطلالة كاملة من إيسين باريس Essin Baris، متوافرة لدى EssinBarisofficial@، و harveynicholsriyadh@

 

أنتِ تُوسِّعين علامةَ «الحياة معجزةٌ» إلى ما هو أبعدُ من كتابكِ، حدِّثينا أكثر؟

أعمل على توسيع «الحياة معجزةٌ»، لتتجاوزَ حدودَ الكتاب، وتتحوَّلَ إلى فلسفةٍ أشملَ حول طريقةِ تجربتنا للحياةِ اليوميَّة. لقد آمنت دائماً بأن ما يُحيط بنا يُشكِّل طريقةَ شعورنا بالأشياءِ في بيوتنا، والفنِّ الذي نعيشُ معه، بل وأيضاً الطقوسِ الصغيرةِ التي نصنعها لأنفسنا. منذ طفولتي، وأنا أختارُ الأشياءَ بناءً على الشعورِ بقدر ما أختارها بناءً على الوظيفة. افتتنتُ بمدى تأثيرِ ما يُحيط بنا في عافيتنا، ومشاعرنا، وطريقةِ تحرُّكنا في العالم، وهذه الفكرةُ تتحوَّلُ الآن إلى الأساسِ الذي تقومُ عليه «الحياة معجزةٌ» بوصفها علامةَ أسلوبِ حياةٍ. أحدُ الجوانبِ التي تُثير حماسي بشكلٍ خاصٍّ، هو إعادةُ تخيُّلِ طريقةِ تسوُّقِ الناسِ، لا بدءاً بمنتجٍ، بل بشعورٍ. سواء أردنا مزيداً من الهدوءِ، أو الفرحِ، أو الإبداعِ، أو الإمكانيَّةِ في حياتنا، نحن نخلقُ أعمالاً فنيَّةً، وأشياءَ، وتجاربَ مصمَّمةً بنيَّةٍ حول تلك المشاعر. في جوهرها، «الحياة معجزةٌ» تسعى إلى مساعدةِ الناسِ في أن يكونوا أكثر تعمُّداً فيما يُدخلونه إلى حياتهم، لأن تغييرَ حياتك أحياناً يبدأ بتغييرِ ما يُحيط بك.

كيف عشتِ تجربةَ الظهورِ على غلافِ مجلَّةِ «سيدتي» في احتفائها بعامها الـ 45؟

يغمرني شرف كبير، فرسالةُ أي شيءٍ تتجلَّى دائماً في التفاصيل، وفي هذا المشروع كان كلُّ تفاعلٍ صغيرٍ استثنائياً، لا سيما مع فريقِ «سيدتي». كانت التجربةُ ممتعةً وهادفةً في العمق. كنا جميعاً واضحين جداً حول ما أردنا خلقه معاً: شيءٌ يُلهم كلَّ مَن مرَّ، أو يمرُّ بمرحلةٍ صعبةٍ، لأن يخطو نحو عالمِ «الحياة معجزةٌ»، وربما تشجيعُ فنَّانٍ ناشئ على أخذِ تلك الخطوةِ أخيراً. ثمَّة شيءٌ حقيقي ونادر في الوصولِ إلى لحظةٍ مثل هذه، وبهذا القدرِ من النيَّةِ المشتركةِ والبهجة. الفريقُ جعلها جميلةٌ وذات معنى عميقٍ أيضاً.

من أعمال عايدة مراد

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط