mena-gmtdmp

سائقة سباقات سيارات.. فرح اليوسف: الحلبة لها حدود وتطلعاتي لا حدود لها

فرح اليوسف
فرح اليوسف

بدأت فرح اليوسف رحلتَها مع سباقاتِ السياراتِ بفضولٍ، قادها تالياً إلى حلبةِ ديراب قبل أن يتحوَّلَ الشغفُ في مرحلةٍ متقدِّمةٍ إلى مسيرةٍ احترافيَّةٍ، وطموحٍ يتجاوزُ حدودَ الحلبة. ومن الكارتينج إلى فورمولا 4، وأكاديميَّةِ فورمولا 1، تمضي السائقةُ السعوديَّة بخطواتٍ محسوبةٍ، واضعةً المنافسةَ والإنجازَ نُصبَ عينيها، ومؤمنةً بأن الطريقَ مهما طال، ستبقى الوجهةُ قريبةً.

فرح اليوسف

فرح اليوسف

من ديراب بدأت الحكاية

بعيداً عن الحلبة، مَن فرح اليوسف؟

أنا إنسانةٌ فضوليَّةٌ جداً. أهتمُّ بالطيرانِ، والأزياءِ، والتعليمِ، والتقنيَّةِ، والعملِ المجتمعي. السباقاتُ جزءٌ كبيرٌ مني، لكنَّها ليست كلَّ هويَّتي، إذ أؤمنُ بأن الإنسانَ لا يجبُ أن يحصرَ نفسه في مسارٍ واحدٍ فقط، وربما أكثر ما يُعرِّفني أنني إذا آمنتُ بفكرةٍ، أو هدفٍ ما، يصعبُ جداً أن أُقنِعَ نفسي بأنه مستحيلٌ.

متى اكتشفتِ أن انجذابكِ إلى السرعةِ يتجاوزُ الهواية، وأنكِ تُريدين احترافَ سباقاتِ السيَّارات؟

بدأت قِصَّتي في الـ 15 من عمري عندما ذهبتُ إلى حلبةِ ديراب، واكتشفتُ الكارتينج. كنتُ أظنُّه قبل ذلك مجرَّد «سيَّاراتِ أطفالٍ»!

هناك قُدت للمرَّةِ الأولى، وما زلتُ أذكرُ صوتَ المحرِّك، ورائحةَ الوقود، وفي تلك اللفَّةِ شعرتُ بفضولٍ لم أعرفه من قبل.

بدأتُ أتدرَّبُ، وأشارك في السباقات، ثم رُشِّحتُ لتمثيلِ السعوديَّة إقليمياً، ومثَّلتُ بلادي في بطولةِ العالمِ للكارتينج. هنا، تحوَّلَ الشغفُ إلى طريقٍ، أردتُ أن أعرفَ إلى أي مدى يمكنني الوصولُ فيه، لذا تابعتُ تطويرَ نفسي دولياً حتى فُتِحَ أمامي بابُ سباقاتِ الفورمولا. لم تكن هناك لحظةٌ واحدةٌ قرَّرتُ فيها أن أصبح محترفةً، فالاحترافُ صار جزءاً من حياتي خطوةً بعد خطوةٍ.

بدأتِ من سباقاتِ الكارتينج، وتُوِّجتِ ببطولةِ السيِّداتِ السعوديَّة عامَ 2022، ماذا صنعت تلك المرحلةُ في شخصيَّتكِ بوصفكِ سائقةً؟

الكارتينج أعطاني الأساس، وعلَّمني أن السرعةَ وحدها لا تكفي، وأن التفاصيلَ الصغيرةَ جداً قد تفصلُ بين الفوزِ والخسارة. التتويجُ كان محطَّةً مهمَّةً، لأنه أثبت لي أن العملَ يمكن أن يتحوَّلَ إلى نتيجةٍ ملموسةٍ، وفي الوقتِ نفسه، رفعَ سقفَ طموحاتي. لم أرَ البطولةَ نهايةَ مرحلةٍ، وإنما بدايةٌ لسؤالٍ أكبر: ماذا بعد؟

ما رأيك بالتعرف على بطلة سباقات الرالي مها الحملي

من الكارتينج إلى الفورمولا

كيف تصفين الانتقالَ من الكارتينج إلى سيَّاراتِ الفورمولا؟

أصفه بالانتقالِ الكبيرِ جداً. في الفورمولا تدخلُ عواملُ أكثر تعقيداً: الديناميكا الهوائيَّة، وإدارةُ الإطارات، والكبحُ، والبياناتُ، والتواصلُ مع المهندسين. بالنسبةِ لي، كان التحدِّي في بناءِ الثقةِ عند السرعاتِ العالية، وتعلُّمِ كيفيَّةِ استخراجِ أقصى ما تستطيعُ السيَّارةُ تقديمه، هذا مع الحفاظِ على السيطرةِ عليها.

ماذا أضافت لكِ المنافسةُ في بطولةِ الشرق الأوسط لفورمولا 4 أمامَ سائقين يمتلكون خبراتٍ مختلفةً؟

وضعتني أمامَ معيارٍ حقيقي. عندما تتنافسُ مع سائقين، بدأ بعضهم في طفولته، وخاضَ أعواماً من البطولاتِ الدوليَّة، سترى الفارقَ أمامك بالأرقام، وستسألُ: أين أخسرُ الوقت، ولماذا، وكيف أُغلِقُ هذه الفجوة؟ لقد تعلَّمتُ أن أقارن نفسي بالمستوى الذي أريدُ الوصولَ إليه لا بالمستوى الذي كنتُ عليه.

ماذا مثَّلَ لكِ اختيارُكِ للمشاركةِ ببطاقةِ دعوةٍ في أكاديميَّةِ فورمولا 1 على حلبةِ كورنيش جدة؟

كان شرفاً كبيراً، وحملَ بالنسبةِ لي معنى أكبر من مجرَّد المشاركة. أن تُتاح لي فرصةُ المنافسةِ في بطولةٍ عالميَّةٍ ضمن سباقِ فورمولا 1، وعلى حلبةِ جدة، جعل ذلك التجربةَ شخصيَّةً جداً. كنتُ أعرفُ أنني لا أقودُ فقط في حدثٍ عالمي، بل أفعلُ ذلك أمامَ بلدي، وبين جمهورٍ يعرفُ ماذا يعني أن يرى سائقةً سعوديَّةً تصلُ إلى هذه المنصَّة.

كيف عشتِ لحظةَ الوقوفِ على خطِّ الانطلاقِ أمامَ جمهورِ بلدكِ؟

من اللحظاتِ التي يصعبُ وصفها. قبل السباقِ تكون واعياً بالجمهورِ، والإعلامِ، وكلِّ ما تُمثِّله اللحظة، لكنْ عندما تُغلِق الخوذة، وتبدأ إشاراتُ الانطلاق، يتغيَّرُ كلُّ شيءٍ، ويُصبح التركيزُ على السيَّاراتِ، والأضواءِ، ونقطةِ الانطلاق. بعد السباقِ فقط تستشعرُ حجمَ ما حدث. أن أعيشَ هذه اللحظة على أرضِ السعوديَّة شيءٌ سيبقى معي طوال مسيرتي.

هل تحوَّلت مسؤوليَّةُ تمثيلِ السعوديَّةِ إلى ضغطٍ، أم إلى طاقةٍ إضافيَّةٍ لديكِ؟

الاثنان. المسؤوليَّةُ تحملُ شيئاً من الضغط، لكنَّني تعلَّمتُ أن أحوِّلَ هذا الشعورَ إلى دافعٍ. أنا فخورةٌ بأن أرفعَ علمَ السعوديَّة، وأرى أن أفضلَ تمثيلٍ لها، هو أن أتعاملَ مع نفسي بوصفي رياضيَّةً محترفةً: بالعملِ، والتطوُّرِ، والمنافسةِ الجديَّة.

بين الجرأةِ، والانضباطِ، والحساباتِ الدقيقة، ما الصفةُ الأكثر أهميَّةً لسائقةِ السباقات؟

الانضباطُ. الجرأةُ مهمَّةٌ، لكنَّ الجرأةَ دون حسابٍ قد تُكلِّف السائقَ السباق، والموهبةُ مهمَّةٌ، لكنَّها دون انضباطٍ لها سقفٌ. السائقُ المحترفُ يجبُ أن يعرفَ متى يُهاجم، ومتى ينتظر، وأن يستطيعَ تكرارَ الأداءِ تحت الضغط. بالنسبةِ لي، الانضباطُ، هو ما يسمحُ لبقيَّةِ الصفاتِ بأن تعملَ بالشكلِ الصحيح.

يمكنك أيضًا التعرف على الشابة السعودية ميريهان الباز

فرح اليوسف

 

«السباقات جزء كبير مني، لكنها ليست كل هويتي»


كيف تتعاملين مع الخوفِ، والأخطاءِ، والنتائجِ التي لا تأتي وفق التوقُّعات؟

لا أحاولُ إلغاءَ الخوف، بل أحاولُ فهمه. أسألُ نفسي: هل يُحذِّرني من خطرٍ حقيقي، أم يمنعني من الوصولِ إلى حدودٍ أستطيعُ الوصولَ إليها؟ أمَّا النتائجُ المخيِّبة، فأحاولُ أن أفصلَ بين قيمتي وبين النتيجة. ما يهمُّني بعدها هو: ماذا حدث؟ ماذا أستطيعُ أن أتعلَّم؟ وماذا سأفعلُ بشكلٍ مختلفٍ في المرَّةٍ المقبلة؟

كيف ترين التحوُّلَ الذي تعيشه المرأةُ السعوديَّة في رياضةِ السيَّاراتِ اليوم؟

أراه جزءاً من تحوُّلٍ أكبر في ظلِّ دعمِ قيادتنا الرشيدة، ورؤيةِ 2030. الجميلُ أننا تجاوزنا مرحلةَ الاحتفاءِ بمجرَّد مشاركةِ المرأةِ السعوديَّة، وأصبح الاهتمامُ اليوم بأدائها، ونتائجها، وقدرتها على المنافسة. هناك فرقٌ بين الوصولِ إلى خطِّ الانطلاق، والوصولِ إليه بهدفِ المنافسةِ والفوز. طموحي أن ترتبطَ صورةُ السائقةِ السعوديَّة بالنتائجِ المتقدِّمة، ثم تأتي من بعدنا مَن ترفعُ هذا السقفَ أكثر.

حين ترين فتياتٍ صغيراتٍ يتابعنكِ، ويتطلَّعن إلى دخولِ عالمِ السباقات، ماذا يعني لكِ عندها أن تكوني جزءاً من أحلامهن؟

أحياناً أرى أثرَ رحلتي في أماكنَ لم أتوقَّعها: في طالباتٍ يحاولن فهمَ هندسةِ هذه الرياضة، وفي فتياتٍ ينتظرنني بعد سباقِ أكاديميَّةِ فورمولا 1 بابتساماتٍ تجعلني أنسى تعبَ السباق. عندها أشعرُ بأن كلَّ مرَّةٍ تعبتُ فيها، وكلَّ خيبةٍ واجهتها، لم تذهب سدى، فقد تحوَّلَ جزءٌ من رحلتي إلى شرارةٍ، أضاءت حلماً في قلبِ شخصٍ آخر. أتمنى حقاً، أن تعرفَ كلُّ فتاةٍ أن عدمَ وضوحِ الطريقِ لا يعني أن الوجهةَ ليست لها.

إلى أي محطَّةٍ تطمحُ فرح اليوسف بعد فورمولا 4، وأكاديميَّةِ فورمولا 1؟

طموحي واضحٌ: الوصولُ إلى بطولةِ فورمولا 2، وهذا ليس لمجرَّد المشاركة، بل من أجل المنافسةِ على اللقب، والفوزِ به. أعلمُ حجمَ العملِ والخبرةِ التي يتطلَّبها هذا الهدف، لذا أتعاملُ معه بوصفه مساراً، أبنيه خطوةً بخطوة.

في اليومِ الوطني السعودي، ماذا تقولين عن وطنٍ منحَ أبناءَه وبناته مساحاتٍ جديدةً لتحويلِ الشغفِ إلى إنجازٍ؟

بالنسبةِ لي، أجملُ ما نعيشه اليوم، هو اتِّساعُ مساحةِ الممكن. هناك جيلٌ كاملٌ في السعوديَّة أصبح ينظرُ إلى أحلامٍ كانت تبدو بعيدةً جداً قبل أعواماً، ويقولُ: لماذا لا؟

أعتقدُ أن أفضلَ طريقةٍ لشكرِ الوطن ليست فقط في أن نستفيدَ من هذه المساحات، بل وأن نأخذها أيضاً بجديَّةً: بأن نعملَ، ونُنافس، وأن نرفعَ المعايير، ثم نفتح لمَن يأتي بعدنا مساحةً أكبر من التي وجدناها نحن.

لو اختصرتِ علاقتكِ بالسعوديَّة في عبارةٍ تُرافقكِ على سيَّارةِ السباق، ماذا ستكتبين؟

«حدودُ الحلبةِ لا تعني حدودَ الطموح».

زهراء الخالدي

مديرة التحرير

 مديرة تحرير مجلة سيدتي

 مديرة تحرير مجلة سيدتي