اكتب الكلمات الرئيسية فى البحث

إناء الرسول من تركيا إلى الشيشان

أثار مقطع فيديو تم بثه عبر مواقع الإنترنت، يظهر الرئيس الشيشاني، وكبار وزرائه ومساعديه، يستقبلون إناء يعود إلى الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- ويتبركون به، الكثير من الجدل حول قضيتين: الأولى هي كيفية التثبت من كون هذا الإناء يخص الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن هم أهل الاختصاص من علماء التاريخ والآثار الذين يمكن الرجوع إليهم؟

والقضية الثانية هي قضية جواز التبرك بهذه الأشياء؟ الأمر الذي حمل الاتهامات من البعض بحجة أنّ الإناء لا ينفع ولا يضر، والأولى بالمسلمين الاقتداء بالسنة بدلاً من هذه الأمور التي رآها البعض نفاقًا وشكليات مبالغًا فيها. «سيدتي» تلقي الضوء على شقي الموضوع في تحقيقها التالي.

بدأت المراسم من المطار، حيث توجهت نخبة من رجال الدولة بمن فيهم رئيسها، لاستقبال الضيف الجديد في مراسم رسمية، بداية صعدت النخبة إلى داخل الطائرة حيث الضيف، وقامت باصطحابه والنزول به من الطائرة إلى موكب السيارات الخاص بالحدث، التي انطلقت في طريق طويل يحيط به من الجانبين آلاف من الجماهير المحتشدة؛ ترحيبًا بذاك الضيف العزيز، الذي صورته مئات بل آلاف الكاميرات الخاصة بالصحافة والإعلام والعامة على حد سواء، حتى تم الوصول للمكان المنشود لكشف النقاب عن ذاك الضيف الكريم الذي لم يكن رئيسًا، أو زعيمًا، أو عالمًا، أو حتى بشرًا، بل كان جمادًا، وضع في علبة فخمة أشبه بعلب المجوهرات.

تجمع الجميع بشغف منقطع النظير حينما أمسك الرئيس الشيشاني بالعلبة، وبدأ بفتحها ليظهر لنا إناء قديمًا بسيطًا، يحمل قيمته من قيمة صاحبه صلوات الله وسلامه عليه، وهنا تحولت حالة أصحاب المراسم الفخمة والسيارات الفارهة إلى حالة من التواضع والبكاء والنحيب، ظهرت في تنافسهم على مسك الإناء، والشرب منه، وتقبيله، وتمرير الماء فيه للبركة، وغيرها من الأمور التي أظهرت مدى الحب والحنين والشوق للرسول الكريم [ وقد احتل مقطع الفيديو الذي صور هذا الحدث في 8 دقائق قائمة المقاطع الأكثر مشاهدة، والأكثر إثارة للجدل على حد سواء.

 

القضية الأولى

ثبوت صحة نسب الإناء

ثار الجدل حول مدى صحة نسب الإناء للرسول [ حتى حسم من خلال تصريح الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع، عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الذي انتشر على مواقع الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث قال: «ليس هنالك ما يدل على ثبوت صحة نسب هذه الآثار، ونحوها إلى الرسول [ بشكل قاطع، على الرغم من قول صاحب كتاب «الآثار النبوية» المحقق أحمد تيمور باشا، ص 78، بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي [ بالقسطنطينية (إسطنبول)، وأنه لا يخفى أن بعض هذه الآثار محتملة الصحة، غير أننا لم نرَ أحدًا من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، ولا يمكن لنا من هنا الجزم بمدى صحة الأمر من عدمه.

 

القضية الثانية

مدى صحة الاحتفاء والتبرك بآثار  الرسول

يخبرنا الداعية والمفكر الإسلامي موسى عبد الهادي بوخمسين أنه من المتعارف عليه عندما يزور السائح المسلم بعض المتاحف التاريخية والإسلامية في بعض البلدان المسلمة يجد تلك المتاحف تحتفظ بأجزاء، أو أشياء تخص الرسول [ أمثال أن يحتفظوا بشعرة من شعره، أو عصا استخدمها في حياته، أو كأس شرب فيه يومًا، كما نجد المخطوطات القرآنية والدينية، وهم يحتفظون بها بحفاوة، ويبدون إزاءها التقدير والاحترام. وهذا الأمر لا غبار عليه، فإنه إن دلَّ على شيء فإنما يدل على احترام الرسول نفسه [ من هنا لا نرى بأسًا في إظهار هذا الاحترام لكل ما يخص رسول الله؛ لأنّ احترام الرسول [ نفسه واجب.

ويضيف: «يجب أن تمر هذه القطع الأثرية عبر الجهات المختصة بعلم الآثار في البلدان التي وجدت فيها؛ ليتأكدوا من صحة نسبتها له [ وهذه الجهات هي التي لها الكلمة الفصل في ثبوت نسبة هذه الأشياء لرسول الله أو عدمه».

 

ردًا على الاتهام

الاتهام السائد حول القضية بأن تلك المراسم نوع من النفاق جعلتنا نتساءل: هل إظهار المحبة والولاء لرسول الله [ نوع من النفاق؟ يجيب بو خمسين قائلاً: «نحن نقول ليس الحب والولاء لذات الوعاء، ولكن هو تقدير لليد التي مسّت هذا الوعاء ذات يوم، أعني يد رسول الله [ فمن منا لا يتمنى تقبيل يده الشريفة. فمن يقبّل ذلك الوعاء فإنما يقبّل موضع تلك اليد الكريمة تمامًا كما نقبّل غلاف القرآن الكريم الذي هو من الجلد أو الورق، ونحن نعني حروفه وكلماته الكريمة، وكما نقبّل غترة الوالد ونحن نقصد رأسه لا غترته تقديرًا واحترامًا».

ويضيف المفكر الإسلامي: «من خلال سيرة الأعلام والرعيل الأول من جيل الصحابة، يتبين جواز التبرك برسول الله وآثاره. فنحن نجد أن الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قد استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وهو عم رسول الله [ وأنّ العديد من الصحابة كانوا يذهبون إلى قبر رسول الله [ ويطلبون من الله بأن يستجيب دعاءهم، ويحقق طلباتهم، ويغفر لهم بفضل رسوله [ وسأكتفي هنا بذكر ثلاثة أحاديث عن أعلام الصحابة، وتبركهم بتراب قبر رسول الله.

الأول: عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: «لما دفن رسول الله [ جاءت فاطمة -رضي الله تعالى عنها- فوقفت على قبره، وأخذت قبضة من تراب القبر ووضعت على عينها، وبكت وأنشدت تقول:

ماذا عليّ من شمّ تربة أحمد ألا يشمّ مدى الزمان غواليا

صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيام عدن لياليا

أخرجه: ابن الجوزي في الوفا في فضائل المصطفى: ص819 ح1538، والعسقلاني في المواهب اللدنيّة: 4 / 563، والقاري في شرح الشمائل: 2 / 210 وغيرهم.

الثاني: عن أبي الدرداء قال: إنّ بلالاً مؤذّن النبي [ رأى في منامه رسول الله  وهو يقول: «ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزينًا وجِلاً خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي فجعل يبكي عنده ويمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين، رضي الله عنهما، فجعل يضمّهما ويقبّلهما.

أخرجه: ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق: 7 / 137 رقم 493، وابن الأثير في أسد الغابة: 1 / 244 رقم 493، والمقدسي في تهذيب الكمال: 4 / 289 رقم 782، وغيرهم.

الثالث: عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنّا رسول الله [ بثلاثة أيّام، فرمى بنفسه على قبر النبي، وحثا من ترابه على رأسه، وقال: «يا رسول الله قلتَ فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه فوعينا عنك، وكان فيما أنزل عليك: «وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم جَاءُوكَ» (النساء:64). وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي. فنودي من القبر: قد غفر لك.

أخرجه: العسقلاني في المواهب اللدنيّة: 4 / 583.

وأضيف تلك الواقعة الجليلة، حيث قال العلامة المقري المالكي، في فتح المتعال بصفة النعال، نقلاً عن ولي الدين العراقي، قال: «أخبر الحافظ أبو سعيد بن العلا قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خطّ ابن ناصر وغيره من الحفّاظ، أنَّ الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي [ وتقبيل منبره. فقال: لا بأس بذلك. قال: فأريناه التقي ابن تيميّة فصار يتعجّب من ذلك، ويقول: عجبت من أحمد عندي جليل -هذا كلامه أو معنى كلامه- وقال: وأيّ عجب في ذلك، وقد روينا عن الإمام أحمد أنَّه غسل قميصًا للشافعي، وشرب الماء الذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم، فما بالك بمقادير الصحابة؟ وكيف بآثار الأنبياء، عليهم السلام؟».

 

دروس في حب الرسول

يمكن استخلاص الكثير من الدروس والعِبر الروحانية من هذا الحدث، وهنا يوصينا الشيخ موسى قائلاً:

إنه إذا كانت كل الأدوات، والأجزاء المنسوبة إلى رسول الله هي بمثل هذه القداسة والتقدير عند المسلمين، أوَ ليس لقول رسول الله وفعله قداسة أعلى فيتبع ويعتد به في سنته.

إذا كانت مثل هذه الأدوات تذكرنا بالرسول الأعظم [ والاحتفاء بها جائز ونحن لم نؤمر بذلك، أوَ ليس من الأولى أن نهتم بقوله وفعله لأننا مأمورون باتباعه، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} الأحزاب، وقوله تعالى {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} الحشر. وقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} النجم.

إذا كان للمسلمين هذه العاطفة تجاه آثار رسول الله [ أليس من الأولى أن يهتموا بأهل بيته الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا من خلال تدارس سيرتهم العطرة والاستفادة منها في حياتهم، وهذا واجب على إعلامنا، ومناهجنا، وثقافتنا العامة.