mena-gmtdmp

جيل بلا طفولة: هل سرقت الشاشات أعمار أطفالنا؟

صورة لطفل يتابع الشاشة
طفل صغير يتابع بشغف شديد حركة وألوان الشاشة

في أحد البيوت، نشاهد الطفل في الخامسة من عمره، عيونه مثبتة على شاشة صغيرة، أصابعه تتحرك بسرعة على مقاطع قصيرة، وفي مقابل هذا: نلاحظ- نفس الطفل- لا يركض، لا يصرخ، لا يطلب اللعب في الخارج، لا يصنع فوضى، هادئ، أكثر من اللازم! وفي البيت المجاور، نلاحظ المراهق يغلق باب غرفته، يضع السماعات، ويغوص- بالساعات- في عالم افتراضي، وتظن الأسرة أنه بأمان داخل غرفته، بينما هو في عالم لا زال يتعرف عليه والأهل أيضاً لا يعرفون عنه شيئاً.
هنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل نحن أمام جيل بلا طفولة؟ هل سرقت الشاشات أعمار أطفالنا - طفولتهم؟ إذ كيف ينتقل الطفل فجأة من اللعب في الشارع أو مع جيرانه أو أصحابه إلى مجرد الجلوس وتمرير أصابعه على الشاشةّ؟! يجيب على هذه التساؤلات الدكتور محمود حسان أستاذ البرمجيات موضحاً سمات الطفولة قبل وبعد الأجهزة الذكية، وسر انجذاب الأطفال للشاشات، وكيف تدمر الأجهزة الذكية طفولة أطفالنا؟ مع عرض لبعض الحلول.

الطفولة قبل سنوات قليلة

طفلتان سعيدتان تلعبان بفرح وهدوء

كانت تتمثل في: الطفل على دراجة في الشارع، يلعب الكرة في الحارة، يقفز فوق الأرصفة، يحدث مشاجرات صغيرة تنتهي بالضحك.
اليوم، أصبحت الطفولة تعني: هاتفاً في اليد، جهازاً لوحياً على الطاولة، مقاطع سريعة بلا نهاية، ألعاباً رقمية بلا حدود زمنية.
التحول حدث بسرعة مذهلة، أسرع من قدرتنا على الاستيعاب، ولم تعد الشاشات مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت: مربّياً صامتاً، صديقاً دائماً، ملجأً وقت الضجر، وأحياناً بديلاً عن الحوار الأسري.

السن المناسب لدخول الأولاد على السوشيال ميديا هل تودين معرفته؟

سر انجذاب الأطفال إلى الشاشات

طفل صغير منبهر بالحركة والألوان بالجوال

الأمر ليس صدفة؛ التطبيقات والألعاب مصممة بعناية لتجذب الدماغ الصغير، عبر ألوان قوية، أصوات محفزة مكافآت فورية، مقاطع قصيرة تحفّز الفضول.
دماغ الطفل، بطبيعته، يبحث عن المتعة السريعة، الإثارة، التكرار، ومع كل تمرير للشاشة، يُفرز الدماغ مادة الدوبامين، وهي مادة الشعور بالمكافأة، ومع التكرار، يتحول الأمر كذلك من متعة عابرة إلى احتياج دائم.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

إفراط المشاهدة تؤثر على التركيز والانتباه

علمياً الإفراط في استخدام الشاشات قد يؤثر على التركيز والانتباه، مهارات اللغة، التحكم في الانفعالات، القدرة على الصبر. الدماغ هنا قد تعّود على السرعة، وكل ما هو بطيء يبدو مملاً.
الطفل الذي يعتاد على المحتوى السريع جداً: يجد صعوبة في الاستماع لشرح طويل، أو قراءة قصة، أو حتى مجرد الانتظار، أو اللعب بلعبة تحتاج وقتاً وتخيلاً.

الطفولة ليست وقتاً..بل تجربة حسية كاملة

الطفولة الصحية تحتاج: لمس للحاجات، حركة احتكاك اجتماعي، تعبير عن المشاعر، أخطاء وتجارب، وعندما يقضي الطفل ساعات طويلة أمام الشاشة، يفقد: اللعب الحر، الخيال، التجربة الجسدية، مهارة حل المشكلات الواقعية.
بينما اللعب الحقيقي يعلم الطفل: كيف يخسر ويتحمل؟ كيف ينتظر دوره بصبر؟ كيف يتفاوض بأدب واحترام؟كيف يغضب ثم يهدأ؟ أما الشاشة، فتوفر عالماً يتحكم فيه بضغطة زر.

هل الشاشات تدمر الطفولة والمراهقة فعلاً؟

طفلة سهرانة مع برامج الجوال

الإجابة ليست "نعم" مطلقة، ولا "لا" مطمئنة؛ المشكلة ليست في وجود الشاشات، بل في الإفراط في مشاهدتها، غياب الرقابة، غياب البديل، وهناك أمهات يستخدمن الهاتف كوسيلة تهدئة دائمة، ليصبح الحل لكل بكاء، المكافأة الأساسية، وسيلة إلهاء يومية، لتبدأ بعد فترة زمنية المشكلة.
مراهقون- أيضاً- في عزلة رقمية؛ فالأمر لا يتوقف عند الأطفال الصغار، المراهق اليوم يعيش جزءاً كبيراً من حياته على منصات التواصل؛ في ألعاب جماعية، أو داخل غرف دردشة، أو خلف صور معدّلة وفلاتر.
الطفل هنا أو المراهق لا يعيش فقط "أونلاين"، بل يبني هويته؛ لذا فالخطر لا يكمُن فقط في المحتوى، بل في المقارنات المستمرة، ضغط المثالية، التنمر الإلكتروني، البحث عن القبول.

المراهق الذي يقضي ساعات على المنصات: قد يبدو اجتماعياً، لكنه في الحقيقة:

  • أقل تواصلاً حقيقياً.
  • أكثر عرضة للقلق.
  • أكثر حساسية للنقد.

علامات إدمان المراهق على السوشيال ميديا. هل تودين التعرف إليها؟

تغيّر شكل العلاقة داخل البيت:

في كثير من البيوت كل فرد يمسك جهازاً. الحوار يقل، العيون لا تلتقي، العائلة موجودة في المكان لكنها غائبة عن بعضها، الطفل الذي لا يتعلم الحوار في البيت، يتعلمه من الشاشة، والقيم التي لا نغرسها نحن، قد تغرسها خوارزميات لا نعرفها.

علامات وإشارات تستحق الانتباه

  • غضب شديد عند سحب الهاتف.
  • فقدان الاهتمام باللعب التقليدي.
  • اضطرابات النوم.
  • تراجع دراسي.
  • ضعف التواصل البصري.
  • عزلة متزايدة.

لماذا نسمح للشاشات بالسيطرة؟

الأهل أنفسهم مرهقون، العمل طويل. الضغوط كثيرة، الهاتف أصبح وسيلة تهدئة سريعة. استراحة قصيرة للأم، حلاً مؤقتاً للفوضى. لكن “المؤقت” أحياناً يتحول إلى نمط دائم.. وقد حدث.

هل يمكن استعادة الطفولة؟

نعم.. ولكن ليس بالمنع المفاجئ، الحل ليس سحب الأجهزة فجأة، العقاب. الصراخ. الحل يبدأ بالتدرج، وضع حدود واضحة، خلق بدائل حقيقية.

كيف نعيد التوازن؟

وقت بلا شاشات يومياً، ساعة واحدة على الأقل، لعب، حوار، قراءة قصة، طبخ بسيط معاً، وأن نكون قدوة، لا يمكن أن نطلب من الطفل ترك الهاتف بينما نحن لا نتركه.

المتعة ليست فقط في الشاشة

علمي الطفل أن الزراعة متعة، الرسم متعة، المشي متعة، صنع شيء بيديه متعة، الحوار بدل الاتهام، اسأليه: ماذا تحب في هذه اللعبة؟ما الذي يجعلك تقضي وقتاً طويلاً عليها؟.